الوقت - شَنّ نتنياهو حربه الأخيرة ضد إيران مستنداً إلى رؤيتين: الأولى: معرفة سطحية بطبيعة الثورة الإسلامية وإيران ذات الجذور الراسخة في عمق التاريخ. والثانية: معرفة عميقة ودقيقة لترامب، الذي يُسرّ ويطرب للوعود الكبرى البريئة ويسعى وراءها بعمى وانبهار.
بالاتكاء على تلك المعرفة السطحية تجاه إيران الإسلامية، وبواسطة وعده بدمار الجمهورية الإسلامية وإيهام ترامب -الميّال للأوهام- بأطروحاته، أقنع نتنياهو الأخير بالدخول في مواجهة جديدة مع إيران، وبنطاق أوسع بكثير من حرب الأيام الاثني عشر، مستخدماً ترامب كأداة لتحقيق مآربه غير المشروعة.
كان اغتيال قائد الثورة في إيران وعدد من القادة العسكريين الكبار في اليوم الأول للهجوم على إيران هو ذروة آمالهما لتحقيق الأهداف، بيد أنها لم تُثمر. وإن فشل هذين الشخصيتين الواهمتين في بلوغ غايتهما، والضربة الأولى القاصمة، والرد الإيراني السريع والقاصم، قد وضعهما أمام تحدٍّ كبير ودخولهما في مرحلة خطرة ومكلفة من الحرب.
أما النقاط التي أغفلها نتنياهو أو قلّل من شأنها في قراءته لإيران الإسلامية، والتي أوقعت هذه الأيام رئيسي الولايات المتحدة والکيان الصهيوني في مستنقع الموت، فهي كالتالي:
أولاً: هيكلية النظام القوية
إن استقرار الدول وبقاءها، مهما اختلفت أنظمتها، يتجلى في نقطة محورية، وفي إيران تكون هذه النقطة الحيوية في ولي الفقيه وقائد الجمهوية الإسلامية. ونظراً لهذه المكانة والأهمية البديهية، فقد احتاط الدستور بتدبير ذكي لملء أي فراغ محتمل في هذا المنصب. فبموجب المادة 111، يتشكل مجلس من رئيس الجمهورية، ورئيس السلطة القضائية، وأحد فقهاء مجلس صيانة الدستور (الذي يختاره مجلس تشخيص مصلحة النظام) لإدارة الأمور إلى حين انتخاب القائد الجديد. وبعد استشهاد القائد في إيران، تشكّل هذا المجلس وسار قدماً بجدية في إدارة الشؤون حتى تم اختيار القائد الجديد.
ثانياً: هيبة القوات المسلحة في ظل الوعي بالمهمة وتأديتها
كان نتنياهو يظن أن صمود القوات المسلحة الإيرانية في حرب الأيام الاثني عشر وما بعد استشهاد القادة العسكريين، كان نابعاً من بقاء القائد الأعلى للقوات (أي قائد الثورة)، واعتقد أن اغتياله سيقود القوات المسلحة حتماً إلى فوضى وانهيار. غافلاً عن أنه عقب حرب الـ 12 يوماً، وبفضل بُعد نظر القائد الأعلى للقوات الذي أدرك جوهر الصهيونية والاستكبار وتنبّأ بمثل هذه الأيام، وبفضل الجهود المضنية للقادة الشهداء، كانت المعدات والخطط الدقيقة لمثل هذه المواجهة قد أعدت. فقد كانت القوات المسلحة في حالة تأهب قصوى واستعداد تام، وامتلكت الخطة والأوامر للرد على العدوان، فأجابت العدو فوراً وبقوة مدمرة تفوق بكثير ما حدث في حرب الأيام الاثني عشر، وهذا الرد لا يزال مستمراً بكامل طاقته.
ثالثاً: الحضور الملحمي للشعب في الساحة
عادةً ما تدفع المخاطر الواسعة والشاملة للحرب الناس إلى الفرار من ساحة المعرکة والانعزال، ليقتصر القتال على المقاتلين فحسب. ومع ذلك، وبعد هجوم نتنياهو وترامب على إيران، رأى العالم جانباً معجزاً في سلوك وتفاعل الشعب الإيراني تجاه هذه الحرب المفروضة. لقد كان الحضور الملحمي والبطولي، كل يوم وكل ليلة وفي جميع أنحاء البلاد، للمطالبة بدم الشهداء والانتقام من نتنياهو وترامب، حضوراً كسر ظهرهما وأوصل غضب ترامب إلى الذروة، حتى دخل في حالة من التخبط. ومع هذا الحضور المستمر والمتزايد يوماً بعد يوم، والذي سيظهر قدره الحقيقي بوضوح في ليالي القدر، لا بد أن ينكسر ظهر هذين الكائنين الخبيثين وسيندمان أكثر على ما اقترفاه.
رابعاً: اختيار القائد الجديد واستمرار فكر وخط الخامنئي العظيم
في خضم المعركة، وبينما كانت إيران الإسلامية توجّه الضربة القاضية لجسد العدو الملوث، كشف مجلس خبراء القيادة في منتصف ليلة القدر التاسعة عشرة من شهر رمضان النقاب عن اختياره، معلناً آية الله السيد مجتبى خامنئي (حفظه الله) قائداً جديداً. ومع هذا الإعلان، بدا وكأن هذه الآية الشريفة قد تجلت من جديد بعد أربعة عشر قرناً: "اليوم يئس الذين كفروا من دينكم" - أي اليوم يأس الكفار من التغلب على دينكم.
لقد أصاب هذا الاختيار الذكي، الذي تم بالتأكيد بتوجيه وعناية إمام العصر (عج)، قلبي هذين الكائنين بنار الهزيمة واليأس؛ إذ أدركا بجانب العشرات من المشكلات التي خلقها لهم هذا الاختيار، أنه وبعد الفضيحة الكبرى التي طعمها طعم الهزيمة، وتحمل الخسائر الفادحة وفقدان أشياء لا يمكن تعويضها (لا سيما لترامب الذي تم استغلاله)، قد عادت الأمور إلى نقطة الصفر: فالخامنئي هو ولي الفقيه والقائد، وإيران هي القوة العظمى في المنطقة. ولكن الظاهرة الجديدة والعجيبة في المنطقة اليوم هي الذل والهزيمة الساحقة لأمريكا و"إسرائيل"، وتشكل علاقات جديدة في ظل القوة الإيرانية التي لا نظير لها، والصمت الذي خيّم على الولايات المتحدة والکيان الصهيوني.
