الوقت - حيث تقترب الحرب بين إيران والمعتدين الأمريكيين والصهاينة من نهاية أسبوعها الثاني، وفي خضم ذلك، وكما حذّرت المسؤولون الإيرانيون، فقد بات مدى الأزمة يطوق المنطقة بأكملها، وتداعياتها تشمل العالم أجمع. وكان أبرز مظهر وتجلٍّ لتأثيرات الفعل الطائش والمغامر لمسؤولي البيت الأبيض، الذي حدث بعمىً تام وانقياد وراء التوجيهات الشيطانية لنتنياهو، هو القفزة الحادة في أسعار الطاقة في الأسواق العالمية عقب إغلاق مضيق هرمز وقطع شريان نقل النفط والغاز إلى خارج المنطقة؛ وهي قفزةٌ يمكنها، في غياب أفق واضح لنهاية قريبة للأزمة، أن تدفع بالاقتصاد العالمي ومصير مليارات البشر في أنحاء العالم، وخصوصاً في الغرب، إلى هوة الإفلاس والانهيار.
يرتبط العامل الأهم في هذه القفزة السعرية، بإغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي الواقع تحت السيطرة الإيرانية. وبسبب الوجود البحري للعدو المعتدي في المياه المحيطة بإيران، وتنفيذ هجمات من هذه المنطقة استناداً إلى القوانين الدولية لمواجهة تحركات العدو، فقد أعلنت طهران تعليق مرور السفن في هذا المضيق حتى انتهاء ظروف الحرب.
ومع ذلك، يجب اعتبار إغلاق مضيق هرمز جزءاً من الخطأ الاستراتيجي للدول العربية الخليجية أيضاً، والتي تجاهلت التهديدات والتحذيرات الإيرانية بشأن عدم وضع أجوائها وقواعدها العسكرية تحت تصرف أمريكا لضمان الكيان المقدس للجمهورية الإسلامية، فخلقت الأجواء لتصعيد الأزمة.
ونتيجةً لذلك، وبناءً على مبدأ المشروعية في الدفاع عن النفس في مواجهة التهديدات، تواصل طهران العمليات الدفاعية ضد القواعد الأمريكية في أراضي هذه الدول. وهذه العمليات تجعل بطبيعة الحال من المرور الآمن للسفن في الخليج الفارسي أمراً غير ممكن، وتدفع شركات التأمين والناقلات إلى الامتناع عن نقل النفط والغاز خوفاً من الخسائر المحتملة، مما يوقع هذه الدول في مشاكل تتعلق ببيع ونقل نفطها إلى الأسواق العالمية.
يُعد النفط سلعةً استراتيجيةً وجوهريةً في تدوير عجلة الاقتصاد العالمي، ففضلاً عن كونه وقوداً للمركبات، واعتماد قطاعات النقل الجوي والبحري والبري في العالم عليه، فإنه يوفر سلسلةً مهمةً من المواد الأولية البتروكيميائية التي تدخل في إنتاج طيف واسع من السلع، من الملابس إلى الصناعات الغذائية. وهذا يعني أن مع الارتفاع المفرط في أسعار الطاقة، سيتعرض الإنتاج العالمي لمشكلات، كما سيلحق التضخم المتزايد بالسلعة ويطوق المستهلكين.
يرى الخبراء أن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر لفترة طويلة، وأن الاقتصاد العالمي لا يمتلك القدرة على الصمود أمام استمرار هذا النهج، ولهذا السبب فإن الضغوط تتزايد على البيت الأبيض لوقف هذه الأزمة المتفاقمة. وقد بلغ سوء الأحوال مبلغاً اضطر معه ترامب، الذي كان يتصدر المشهد في بداية الحرب بالحديث عن استمرار الهجوم حتى الاستسلام غير المشروط، للإعلان عن انتصار مبكر للهروب من المأزق وتجنب المزيد من الورطات خوفاً من تبعات الأزمة الأكثر ثقلاً.
لقد أدى الإعلان المبكر عن انتهاء الحرب، إلى جانب بعض المسكنات المؤقتة مثل فتح الاحتياطيات الاستراتيجية للنفط للدول بنسبة 20% أي ما بين 200 إلى 300 مليون برميل، إلى توقف القفزة السريعة في أسعار النفط مؤقتاً، إلا أن هذه الوصفة لا تجدي نفعاً لأكثر من بضعة أيام، وستعود الأسواق للاشتعال بنار الأزمة إذا لم يتوقف القتال.
وكما أثبتت إيران في خضم جميع الشكوك المثارة أنها قادرة على السيطرة الكاملة على مضيق هرمز متى شاءت، ومنع المرور خارج عقيدتها الحربية، فإنها ستثبت في الأيام المقبلة بلا شك زيف وعود ترامب بإعادة فتح المضيق للجميع، وبالتالي ستواجه مناورة ترامب الإعلامية لاحتواء الأزمة الفشل الذريع.
تحمل هذه الحرب طابعاً وجودياً ومصيرياً لأمن إيران ومستقبل المنطقة، وكما تم الوعد، فإن إيران هي التي ستحدد خاتمتها، ولن تقبل بوقف إطلاق النار أحادي الجانب الذي يعلنه ترامب إلا بعد إلحاق الندم الكامل بالعدو؛ وهو ما يعني استمرار الأزمة في الخليج الفارسي وإغلاق مضيق هرمز في الأسابيع المقبلة.
