الوقت - في اليوم السادس من الحرب المفروضة من قبل الولايات المتحدة والکيان الصهيوني على إيران الإسلامية، لا تزال المعركة الضارية ضد قوات العدو مستمرةً عبر الهجمات الصاروخية وبالطائرات المسيرة المتواصلة، وقد أعلنت القوات المسلحة الإيرانية حتى الآن عن عشرين مرحلة من عملية "الوعد الصادق 4".
وفي هذا السياق، ولإجراء دراسة أدق لمسار الحرب في الأيام الماضية، وكذلك الظروف الراهنة والأسابيع المقبلة، استطلع "الوقت" رأي الدكتور أحمد زارعان، الخبير البارز في الشؤون الدولية ومدير مؤسسة "أندیشه سازان نور" للبحوث والدراسات الاستراتيجية.
الدفاع الفسيفسائي لإيران
يقول الدكتور زارعان: "انطلقت هذه الحرب بتحريض من الکيان الصهيوني، وبسبب سوء التقدير الأمريكي، فضلاً عن طموحات ترامب ودائرته المقربة، أو بتعبير أدق عصابته، انطلاقاً من تحليل مفاده أن إيران تمرّ بأضعف حالاتها، وبالتالي يمكن تحقيق إنجاز لافت عبر هجوم خاطف كالبرق، واغتيال القادة وكبار المسؤولين العسكريين، وإرغام إيران على الاستسلام وقبول الشروط الأمريكية. ولكن، بفضل الله - ونظراً للتدابير التي تم اتخاذها مسبقاً- ورغم أننا فقدنا القيادة وكبار القادة العسكريين في الساعات الأولى، إلا أن دفاعاً فسيفسائياً قد تشكّل، ومورس بالتوازي وبشكل فسيفسائي ضد مواقع العدو، وكما وعد قائدنا الشهيد، فقد حوّلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية هذه الحرب إلى حرب إقليمية، ولكن ليس ضد دول المنطقة، بل حرب ضد القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة".
مباغتة الولايات المتحدة بتحوّل الحرب إلى صراع إقليمي
وفي جزء آخر من تقييماته، أشار مدير مؤسسة "أندیشه سازان نور" للبحوث والدراسات الاستراتيجية إلى تحوّل الحرب إلى إقليمي، مضيفاً: "لقد أدى هذا الأمر إلى سير مسار الحرب على نحوٍ يخالف توقعات الأمريكيين، فهم لم يكونوا يصدقون أن إيران تمتلك هذه الإرادة لتدويل الحرب، إذ كانت قناعتهم أن رد الفعل الإيراني سيشبه عمليات "الوعد الصادق 1 و 2 و 3"، ولم يخطر ببالهم أن تقوم إيران باستهداف القواعد الأمريكية في دول المنطقة. وقد مكّنت هذه الخطوة الإيرانية من استعادة المبادرة، بينما فقدت الولايات المتحدة السيطرة على مجريات الحرب. ولله الحمد، فقد طُعنت القواعد الأمريكية في المنطقة بضربات قاصمة خلال الأيام الماضية، لدرجة يمكن القول فيها إن عيون أمريكا الراصدة في المنطقة قد أُصيبت بالعمى نتيجة تدمير أنظمة الرادار والدفاع الجوي، كما بُترت أيدي عملياتها جراء تدمير البنية التحتية لقواعدها العسكرية، مما أفقدهم عملياً قدراتهم التشغيلية في الخليج الفارسي".
ووفقاً لهذا الخبير: "فإن الأثر الآخر للإجراء الإيراني تمثّل في سيطرة الجمهورية الإسلامية فعلياً على حركة الملاحة في مضيق هرمز، بالنظر إلى الحظر المفروض على مرور السفن الأمريكية أو تلك التي تقدّم لها الدعم. ومن ناحية أخرى، وجّهت الجمهورية الإسلامية ضربات ساحقة للعدو الصهيوني في عمق الأراضي المحتلة".
إفشال سيناريو نشر الفوضى في الشوارع وتفعيل العصابات الانفصالية
انتقل الدکتور "زارعان" في مستوى آخر من سرديته إلى الحديث عن سيناريو البدائل التي يعدّها العدو عقب فشله في الميدان العسكري، قائلاً: "الحرب هي ساحة الاشتباك، وقد وجّه العدو إلينا ضربات بهدف القضاء على قدراتنا الدفاعية والأمنية والضبطية، ويبدو أنهم راهنوا على المعارضة الداخلية والعملاء والمرتزقة، ولكن بفضل الله وبوعي الشعب الإيراني، لم تتمكن المعارضة المعادية حتى هذه اللحظة من القيام بأي إجراء وبدت في حالة عجز. ومن ناحية أخرى، لم تتوفر بعد للتيارات الانفصالية في غرب البلاد أي فرصة للقيام بأعمال تهدّد الأمن، وقد تم قمعها داخل الأراضي العراقية".
وأضاف هذا الخبير مؤكداً: "بالتأكيد لا يزال يتعين أخذ تهديد المعارضة الداخلية والعصابات الانفصالية في الخارج على محمل الجد، فإذا كانت الولايات المتحدة ما زالت تسعى وراء استراتيجية تغيير النظام في إيران، وحيث أنها من المؤكد لن تنزل قوات برية، فلا مفر لها سوى تفعيل العناصر الميدانية من بين هذه العصابات الانفصالية والمعارضة الملكية في شوارع ومدن إيران. ولكن، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة والصهاينة راهنوا بشكل خاص على هذا السيناريو، إلا أنهم لن ينجحوا مطلقاً، وقد فشل حتى الآن عقب الحضور الفاعل لشعبنا العزيز في ساحة دعم الثورة، وسيكون مصيره الفشل مستقبلاً أيضاً بإذن الله مع استمرار هذا الحضور".
اليد العليا لإيران في الحرب
وأضاف هذا المحلل السياسي في تقديره لساحة الحرب: "إن مجموع الظروف عسكرياً لصالح إيران. فجمهورية إيران الإسلامية تمتلك اليد العليا في الحرب، لأنها تملك مبادرة العمل في الميدان وتدير الاشتباك في الأرض التي حدّدتها هي لا في ساحة لعب العدو. كما أن الظروف في جبهة الداخل مواتية، وقد كان للشعب حضور فعال في الساحة، ولهذا السبب لم تجد المعارضة المعادية للثورة فرصةً لإبراز نفسها، والحکومة والمسؤولون في البلد يقدّمون الخدمات ويقومون بواجبهم، حيث تم تأمين المؤن والاحتياجات اليومية والوقود بشكل جيد دون ظهور أي مشكلة خاصة".
عجز الولايات المتحدة والکيان الصهيوني أمام استراتيجية إيران المتمثلة في الحرب الاستنزافية
وفي خلاصة تقييماته لمسار الحرب في الأيام المقبلة، قال الدکتور "زارعان": "تسعى الجمهورية الإسلامية إلى جعل الحرب حرب استنزاف، وهذه الاستراتيجية تماماً لغير صالح الولايات المتحدة والکيان الصهيوني، إذ في مثل هذه الحالة تملك الجمهورية الإسلامية القدرة على توجيه ضربة قاصمة للعدو، وتختلف ضربات الجمهورية الإسلامية اختلافاً كبيراً عن الضربات التي توجّهها جماعات مثل حماس للعدو الصهيوني.
وبطبيعة الحال، فإن الکيان الصهيوني ليس مستعداً لمثل هذه الحرب، والطابع الاستنزافي للحرب سيؤدي إلى انهيار الجبهة الداخلية له في الأراضي المحتلة، كما أظهر الأمريكيون أنهم غير مستعدين لدفع تكاليف أكثر من ذلك، وفي الواقع فإن سقف الإجراءات والدعم الأمريكي للکيان الصهيوني يقتصر على المستوى الذي شهدناه حتى الآن. ونظراً لأن أنظمة الدفاع الجوي والرادار للکيان الصهيوني وحلفائه تعرضت لأضرار جسيمة في الأيام الأخيرة، يمكننا التنبؤ بأن 100 بالمئة من المقذوفات الإيرانية ستصيب أهدافها في الأيام القادمة، وستصبح الظروف لهذا الکيان أصعب بكثير من الوضع الحالي".
وأضاف الدکتور "زارعان": "من ناحية أخرى، تملك الجمهورية الإسلامية الإيرانية قدرات أخرى لم تكشف عنها بعد، تماماً كما أن "أنصار الله" في اليمن والجماعات المقاومة في العراق هم قدرات لم تدخل الحرب بعد وتراقب الأوضاع لتصبح نشطةً وتدخل المعترك عند الضرورة. إن أحد المؤشرات على أن وضع العدو ليس جيداً، هو أن الأمريكيين طلبوا الهدنة عبر بعض الأطراف الدولية، لكن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا يجب أن تقبل الهدنة قبل تحقيق انتصار حاسم. والانتصار الحاسم يعني فرض نمط وقواعد الجمهورية الإسلامية الإيرانية على المنطقة، وأن لا يجرؤ الکيان الصهيوني مرةً أخرى على كسر القاعدة التي وضعها لنفسه بالهجوم في أي وقت وفي أي مكان وعلى أي هدف يريده، والنقطة التالية هي أن لا يكون لأمريكا أي قواعد في المنطقة وفي نصف قطر 2000 كيلومتر منا، وأن يتم ضمان أمن حلفائنا، وألا يجرؤ الکيان الصهيوني على مهاجمة حزب الله في لبنان واليمن وبقية حلفائنا. هذه هي القواعد التي يجب على الجمهورية الإسلامية فرضها للفترة التي تعقب الحرب في المنطقة".
