الوقت- في خطابٍ تصعيدي يعكس حجم التوترات الإقليمية المتسارعة، أكد السيد عبدالملك الحوثي، قائد حركة أنصار الله في اليمن، أن الشعب الإيراني نجح بوعيه ويقظته في إفشال ما وصفه بالمخططات الأمريكية الرامية إلى زعزعة الاستقرار الداخلي، وجاءت تصريحاته في سياق قراءة شاملة للتطورات الإقليمية، حيث ربط بين ما يحدث في إيران وفلسطين واليمن والقرن الإفريقي، معتبرًا أن المنطقة تمر بمرحلة مفصلية عنوانها الصراع المفتوح مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، الخطاب لم يكن مجرد تعليق سياسي، بل حمل أبعادًا استراتيجية تتصل بمستقبل المواجهة في الإقليم، في ظل تصاعد التوترات العسكرية والاقتصادية والإعلامية، ومن خلال مواقفه، سعى إلى ترسيخ معادلة تعتبر أن ما يجري ليس أحداثًا منفصلة، بل حلقات مترابطة في سياق صراع طويل الأمد يعاد فيه تشكيل موازين القوى.
إيران في قلب المواجهة الدولية
اعتبر السيد عبد الملك الحوثي أن الأحداث التي شهدتها إيران تأتي ضمن ما وصفه بحرب مركبة تُستخدم فيها أدوات الضغط الاقتصادي والتحريض الإعلامي والعمل الأمني، وأكد أن الحشود الشعبية المؤيدة للنظام تمثل دليلًا على تماسك الجبهة الداخلية ورفضها للهيمنة الخارجية، وفي تحليله، فإن العقوبات الاقتصادية ليست سوى أداة لإضعاف الدولة من الداخل تمهيدًا لإحداث اضطرابات سياسية وأمنية، ويرى أن صمود إيران يعكس قدرة محور حلفائها على امتصاص الضغوط، بل وتحويلها إلى عنصر تعبئة داخلية، ويعكس هذا الطرح قناعة بأن الصراع مع واشنطن ليس خلافًا مرحليًا، بل مواجهة استراتيجية ممتدة تتجاوز الحدود الجغرافية، وتقوم على صراع إرادات ونفوذ في المنطقة بأسرها.
اليمن واستحقاقات المرحلة المقبلة
ربط قائد حركة أنصار الله بين التطورات في إيران والواقع اليمني، مؤكدًا أن ما يجري يعزز قناعة حركته بصواب موقفها في الاستعداد لأي تصعيد مقبل، وأشار إلى أن اليمن بات جزءًا من معادلة إقليمية أوسع، وأن موقعه الجغرافي يمنحه دورًا محوريًا في أي مواجهة محتملة، وخصوصًا في ظل حساسية الممرات البحرية في البحر الأحمر، ووفق هذا المنظور، فإن التحركات العسكرية والسياسية ليست خطوات معزولة، بل تأتي ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى، ويعكس ذلك توجهًا نحو تثبيت اليمن كطرف فاعل في معادلة الردع الإقليمي، لا مجرد ساحة صراع داخلية، وهو ما يضيف بعدًا جديدًا لحسابات القوى الدولية والإقليمية.
فلسطين بين الوعي الشعبي والتحديات المستمرة
أكد السيد عبد الملك الحوثي أن ما يحدث في فلسطين يجب ألا يتحول إلى واقع اعتيادي في وعي الشعوب، محذرًا من خطورة فقدان الزخم الشعبي تجاه القضية، واعتبر أن الجرائم المرتكبة هناك كشفت حقيقة السياسات الأمريكية والإسرائيلية أمام الرأي العام العالمي، وأعادت تحريك الضمير الإنساني في العديد من الدول، ويرى أن المعركة ليست عسكرية فقط، بل إعلامية وأخلاقية أيضًا، حيث يلعب الوعي الجمعي دورًا حاسمًا في تشكيل مواقف الحكومات والشعوب، ومن هذا المنطلق، شدد على ضرورة استمرار الحضور الشعبي والسياسي الداعم لفلسطين، باعتبارها محورًا أساسيًا في أي مشروع تحرري في المنطقة.
البحر الأحمر والقرن الإفريقي… أبعاد استراتيجية جديدة
تناول الخطاب أيضًا التحركات الإسرائيلية في منطقة القرن الإفريقي، معتبرًا أن أي وجود عسكري هناك يمثل تهديدًا مباشرًا لأمن اليمن والمنطقة، وأكد أن السيطرة على الممرات البحرية تشكل عنصرًا حاسمًا في معادلة النفوذ الدولي، وأن اليمن لن يقف مكتوف الأيدي إزاء أي تحركات يعتبرها معادية، ويعكس هذا الطرح إدراكًا لأهمية البحر الأحمر وباب المندب في حركة التجارة العالمية وأمن الطاقة، ما يجعل المنطقة ساحة تنافس جيوسياسي متصاعد، كما يبعث برسالة مفادها بأن إعادة رسم خرائط النفوذ في هذه المنطقة لن تمر دون ردود فعل قد تعيد تشكيل التوازنات القائمة.
العقوبات الاقتصادية كسلاح ضغط سياسي
توقف السيد عبد الملك الحوثي عند البعد الاقتصادي في الصراع، معتبرًا أن العقوبات الأمريكية على إيران تمثل نموذجًا لسياسة “الحصار المنهجي” التي تُستخدم لإخضاع الدول وإجبارها على تقديم تنازلات سياسية، وأشار إلى أن هذه العقوبات لا تستهدف الحكومات فحسب، بل تمس حياة الشعوب مباشرة، عبر التضييق على الموارد المالية والتجارية وعرقلة مسارات التنمية.
ووفق قراءته، فإن الهدف من هذا الضغط الاقتصادي هو خلق حالة من السخط الداخلي يمكن توظيفها لإحداث اضطراب سياسي. غير أن التجربة الإيرانية – حسب وصفه – أظهرت قدرة على التكيّف وبناء بدائل اقتصادية، ما جعل من العقوبات أداة محدودة التأثير في تغيير المواقف الاستراتيجية، ويعكس هذا الطرح رؤية تعتبر الاقتصاد جبهة أساسية في المواجهة، لا تقل أهمية عن الجبهة العسكرية أو الإعلامية، وأن الصمود الاقتصادي يمثل عنصرًا حاسمًا في معادلة الاستقلال والسيادة.
الرسائل الإقليمية وإعادة رسم التحالفات
حمل خطاب السيد عبد الملك الحوثي رسائل واضحة إلى القوى الإقليمية، مفادها بأن الارتباط بالولايات المتحدة أو التعويل على الحماية الأمريكية لا يضمن الاستقرار، بل قد يفاقم الهشاشة السياسية والأمنية، وأكد أن التحولات الجارية في المنطقة تشير إلى إعادة رسم للتحالفات، في ظل تراجع الثقة ببعض الضمانات التقليدية، ومن هذا المنطلق، دعا إلى قراءة المتغيرات بوعي استراتيجي، وعدم الارتهان لمحاور خارجية قد تعيد تشكيل أولوياتها وفق مصالحها الخاصة، ويعكس هذا الخطاب سعيًا إلى ترسيخ مفهوم الاستقلال في القرار السياسي، وبناء تحالفات قائمة على المصالح المشتركة لا على التبعية، كما يضع القوى الإقليمية أمام معادلة جديدة عنوانها: إما الانخراط في مشروع يعتبر نفسه مقاومًا للهيمنة، أو مواجهة تبعات الاصطفاف في محور آخر قد لا يضمن استقرارًا طويل الأمد.
في الختام، يؤشر خطاب السيد عبد الملك الحوثي إلى مرحلة إقليمية دقيقة تتقاطع فيها الأزمات من إيران إلى فلسطين وصولًا إلى البحر الأحمر. وبينما يطرح رؤية تقوم على المواجهة المفتوحة مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، فإنه يسعى أيضًا إلى تثبيت موقع اليمن ضمن معادلة إقليمية أوسع، الرسائل التي حملها الخطاب جمعت بين التعبئة الداخلية والردع الخارجي، في سياق صراع يبدو أنه مرشح لمزيد من التصعيد، وفي ظل هذه المعطيات، تبقى المنطقة أمام اختبار توازنات معقدة، حيث تتداخل السياسة بالقوة العسكرية، ويتحدد مستقبلها بمدى قدرة الأطراف على إدارة صراع بات يتجاوز الحدود التقليدية نحو فضاء إقليمي شديد الحساسية.
