الوقت - مع احتدام التوترات في غرب آسيا، ولا سيما مع تصاعد التهديدات العسكرية الأمريكية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يبرز التساؤل حول الدوافع الكامنة وراء هذا التصعيد العسكري، والغايات الاقتصادية والمادية التي تسعى إدارة ترامب لتحقيقها من وراء عسكرة الخطاب السياسي واللجوء إلى قرع طبول الحرب.
تشير تقارير عدة إلى المكاسب الاقتصادية التي تجنيها الولايات المتحدة من عسكرة مناطق شتى حول العالم، بما في ذلك منطقة غرب آسيا، وعلى الرغم من انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان في عام 2021، وتراجع نشاطها العسكري في مناطق مثل العراق وسوريا، إلا أن تقارير صادرة عن “معهد كوينسي” تكشف عن ارتفاع ملحوظ في إنفاق وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) وأرباح الشركات العسكرية المتعاقدة بعد الانسحاب من أفغانستان، ويرجع ذلك أساساً إلى تركيز الجيش الأمريكي على الصين بوصفها التحدي الأكبر الجديد للأمن القومي الأمريكي.
مكاسب أمريكا من حروب أوكرانيا وغزة
وفقاً لتقارير صادرة عن مصادر أمريكية، من بينها “معهد كوينسي”، فإن صناعة الأسلحة الأمريكية قد حققت أرباحاً طائلةً من مبيعات الأسلحة المرتبطة بحروب أوكرانيا وغزة، وتشير الأرقام إلى أن الشركات الخاصة قد أبرمت عقوداً بقيمة 2.4 تريليون دولار مع وزارة الدفاع الأمريكية بين عامي 2020 و2024، وهو ما يمثّل حوالي 54% من إجمالي ميزانية البنتاغون البالغة 4.4 تريليونات دولار خلال هذه الفترة.
وفي السنوات الخمس الأخيرة وحدها، بلغ نصيب خمس شركات عسكرية أمريكية كبرى من عقود البنتاغون 771 مليار دولار، وهي: شركة “لوكهيد مارتن” التي حازت على 313 مليار دولار، و"آر تي إكس" (المعروفة سابقاً بـ"ريثيون") التي حصلت على 145 مليار دولار، و"بوينغ" بـ115 مليار دولار، و"جنرال دايناميكس" بـ116 مليار دولار، و"نورثروب غرومان" بـ81 مليار دولار، وفي سياق متصل، تشير التقارير إلى أن تلك الشركات الخمس قد حصلت خلال عقدين من الحروب التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، سواء في أفغانستان أو العراق أو غيرهما، على ما يقارب 2 تريليون دولار.
تصاعد مطّرد في ميزانية الدفاع الأمريكية
تشهد الميزانية العسكرية الأمريكية نمواً سنوياً متسارعاً، إذ تجاوزت العام الماضي عتبة التريليون دولار، وتظهر الإحصاءات الخاصة بالسنوات الخمس الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في إنفاق البنتاغون، حيث قفزت ميزانيته السنوية من 507 مليارات دولار في عام 2000 إلى 843 مليار دولار في عام 2025 (حسب قيمة الدولار الثابتة لعام 2025)، ما يعكس زيادةً بنسبة 66%.
إلى جانب ذلك، ارتفعت الميزانية العسكرية التكميلية، التي تشمل النفقات خارج إطار وزارة الدفاع، مثل برامج الأسلحة النووية التابعة لوزارة الطاقة، وعمليات مكافحة الإرهاب التي يديرها مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، وغيرها من الأنشطة العسكرية، لتصل إلى 356 مليار دولار، وقد أُقرّ قانون في يوليو 2025 يضيف 156 مليار دولار إلى إجمالي الميزانية العسكرية لعام 2025، ليبلغ مجموعها 1.06 تريليون دولار، وباحتساب هذه الزيادة، تكون الميزانية العسكرية الأمريكية قد تضاعفت تقريباً مقارنةً بعام 2000، مسجّلةً نمواً بنسبة 99%.
ذريعة التصعيد العسكري
يرى الخبراء أنّ الولايات المتحدة قد سلكت في العقود الأخيرة طريقاً متزايداً نحو عسكرة سياساتها، مدفوعةً بعاملين أساسيين يُعدّان ذريعةً وسبباً رئيسياً لهذا النمو العسكري الملحوظ، أمّا العامل الأول فهو ما أطلق عليه "الحرب العالمية على الإرهاب" التي أُعلنت بدايتها في مطلع الألفية الثالثة، إثر الهجمات التي هزّت العالم في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، لقد شكّلت تلك الهجمات ذريعةً مثاليةً لتبرير الارتفاع الهائل في ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، حيث خُصّص جزء كبير من هذه الميزانية المتضخّمة لصالح الشركات العسكرية المتعاقدة، مما أتاح لها فرصاً واسعةً للاستفادة من أموال الحرب.
وأما العامل الثاني، فهو التحوّل الاستراتيجي في السنوات الخمس الأخيرة، من التركيز على مكافحة الإرهاب إلى مواجهة الصين باعتبارها "تهديداً متنامياً للأمن القومي الأمريكي". وفي هذا السياق، لم يؤدِّ انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان في سبتمبر 2021 إلى تقليص ميزانية البنتاغون، بل على العكس، فقد شهدت تلك الميزانية زيادةً ملحوظةً، إذ طلبت إدارة بايدن حينها ميزانيةً عسكريةً أعلى، وأقرّها الكونغرس دون تردد، لتستمر الإدارة التالية بقيادة ترامب في تكريس هذا النهج، ما جعل الصين الذريعة الجديدة لسباق التسلح.
سطوة الشركات العسكرية على دوائر القرار
إنّ نفوذ الشركات العسكرية الكبرى في البنية السياسية للولايات المتحدة ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لتاريخ طويل من التداخل بين السلطة العسكرية والمصالح الاقتصادية، فمن خلال استخدام نفوذها السياسي، تسعى شركات تصنيع السلاح إلى تأمين استمرارية التمويل الضخم للجيش الأمريكي، وتشير التقارير إلى أن تلك الشركات تمارس ضغوطها عبر أكثر من 950 لوبيّاً بحلول عام 2024، فضلاً عن تقديم عشرات الملايين من الدولارات لدعم الحملات الانتخابية لأعضاء الكونغرس، ولم يقتصر تأثيرها على ذلك، بل عمدت إلى تمويل مراكز الأبحاث ومراكز صنع القرار، كما شاركت في عضوية لجان حكومية تُعنى بصياغة السياسات العسكرية، ما أتاح لها التأثير المباشر في القرارات المتعلقة بزيادة الإنفاق الدفاعي.
صعود الشركات التكنولوجية في الصناعة العسكرية
لم تعد ساحة الصناعات العسكرية حكراً على الشركات التقليدية، بل شهدت السنوات الأخيرة صعود شركات التكنولوجيا الناشئة، مثل "سبيس إكس" و"بالانتير" و"أندوريل"، التي أبرمت عقوداً بمليارات الدولارات مع البنتاغون لتطوير أنظمة تسليح متقدمة وتقنيات الاتصالات والتوجيه، ورغم أن هذه الشركات لم تصل حتى عام 2024 إلى المراتب العليا بين المتعاقدين الرئيسيين مع البنتاغون، إلا أن التحوّلات المستقبلية قد تمنحها مكانةً متقدّمةً، بحيث تصبح منافساً حقيقياً للشركات العسكرية التقليدية.
لقد وقّعت ثماني شركات تكنولوجية ناشئة، من بينها "مايكروسوفت"، عقوداً ضخمةً مع البنتاغون، ومن بين تلك العقود، تلقت شركة "أندوريل" تمويلاً قدره 642 مليون دولار لتطوير أنظمة متقدمة لمواجهة الطائرات المسيّرة (الدرونز)، بالإضافة إلى 250 مليون دولار لتصنيع نظام "رودرنر" لاعتراض المسيّرات، كما أبرمت عقداً ضخماً لتطوير الجيل الجديد من النظارات العسكرية، التي تتضمن نظاماً متكاملاً لتعزيز الرؤية الليلية (IVAS)، ما يمنح الجنود الأمريكيين قدرةً غير مسبوقة على الرؤية في الظلام، ورصد التهديدات الجوية.
أما شركة "بالانتير"، فقد وقّعت عقداً بقيمة 618 مليون دولار مع الجيش الأمريكي لتطوير منصة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى عقد آخر بقيمة 480 مليون دولار لتحسين أنظمة التوجيه الدقيق، وعقد ثالث بقيمة 463 مليون دولار على مدى خمس سنوات لدعم العمليات الخاصة من خلال دمج البرمجيات التجارية المتقدمة.
وفيما يخصّ شركة "سبيس إكس"، فقد حصلت على تمويل لإطلاق الأقمار الصناعية العسكرية الأمريكية، كما تسعى لتطوير نسخة عسكرية من نظام الإنترنت الفضائي "ستارلينك"، وقد وجّه البنتاغون أنظاره إلى نظام "ستارشيب" الذي تطوّره الشركة، باعتباره وسيلةً محتملةً لتفوق الولايات المتحدة على الصين في السباق العسكري الفضائي، وتشير التوقعات إلى أن إيرادات "سبيس إكس" من العقود العسكرية ستشهد قفزات هائلة في السنوات المقبلة.
إلى جانب ذلك، حصدت شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل "أمازون" و"مايكروسوفت" و"غوغل" و"أوراكل" و"آي بي إم"، عقوداً بقيمة 10 مليارات دولار ضمن برنامج الحوسبة السحابية للبنتاغون، ويبدو أن البنتاغون يتجه نحو اعتماد أنظمة تسليح تعتمد على الذكاء الاصطناعي، تشمل طائرات دون طيار وسفن ومركبات قتالية، ما قد يهدّد هيمنة الشركات العسكرية التقليدية خلال السنوات القادمة.
هل تسير الأمور على ما يرام؟
رغم هذا التوسع الضخم في الميزانية العسكرية الأمريكية، فإن جزءاً كبيراً من الأموال المخصصة لمشاريع الدفاع لا يُنفق بحكمة، فقد أُنفقت مليارات الدولارات على أنظمة مثل مقاتلة "إف-35"، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات "سينتينل"، والسفن الحربية الساحلية، وحاملات الطائرات، وكلها تعاني من مشكلات تشغيلية كبيرة أثارت شكوكاً حول فعاليتها في المعارك.
حتى "إيلون ماسك"، الذي شغل منصب وزير الإنتاجية في إدارة ترامب، وصف مقاتلة "إف-35" بأنها الأسوأ بين الأنظمة العسكرية الأمريكية، ودعا إلى تقليص تمويلها لمصلحة الاستثمار في أنظمة غير مأهولة، ومع ذلك، يرى بعض الخبراء، مثل "روبرتو غونزاليس"، أن الاعتماد على شركات التكنولوجيا الناشئة ليس بالضرورة ضماناً لتطوير أنظمة أكثر كفاءةً، إذ يعتقد أن نموذج الشركات الناشئة في "وادي السيليكون" قد يؤدي إلى إنتاج تقنيات متقدمة ولكنها باهظة التكلفة وغير موثوقة في ظروف القتال الفعلية، ما يثير تساؤلات حول مدى جدوى هذا الاتجاه الجديد.
إلى أين تذهب أموال دافعي الضرائب الأمريكيين؟
إن أموال دافعي الضرائب في الولايات المتحدة تُعدّ المصدر الأهم الذي تُغذّى به خزائن الشركات المتعاقدة مع البنتاغون، حيث تُنفق تلك الأموال على شراء العتاد العسكري لتلبية احتياجات الجيش الأمريكي، وقد شهد العام 2024، آخر أعوام ولاية إدارة بايدن، إعلان واشنطن عن صفقات تسليح غير مسبوقة، بلغت قيمتها الإجمالية 145 مليار دولار، خُصصت منها عشرات المليارات لدعم أوكرانيا و"إسرائيل".
ووفقاً لتقرير صادر عن معهد واتسون في جامعة براون، فقد أبرمت الولايات المتحدة، إبان عهد أوباما، صفقة تسليح ضخمة مع المملكة العربية السعودية، بلغت قيمتها أكثر من 60 مليار دولار، وقد انتهى المطاف بالأسلحة المباعة إلى الرياض في أن تُستخدم لاحقاً في الحرب المدمرة ضد اليمن، التي اندلعت عام 2014 واستمرت ستة أعوام بعدها، مخلّفةً دماراً واسعاً في الأرواح والممتلكات.
أما في السنوات الأخيرة، فقد كانت الحروب في أوكرانيا وغزة المحركين الرئيسيين لازدهار تجارة السلاح الأمريكية. فمنذ أن شنّت روسيا هجومها على أوكرانيا عام 2022، قدّمت واشنطن أكثر من 66 مليار دولار كدعم عسكري لكييف، وفي المقابل، خلال العام الأول من حرب غزة، منحت الولايات المتحدة "إسرائيل" مساعدات عسكرية بلغت قيمتها 18.2 مليار دولار، إلى جانب التزامات مستقبلية لبيع أسلحة بقيمة لا تقل عن 30 مليار دولار.
وعلى صعيد آخر، ارتفعت مبيعات السلاح الأمريكي إلى الحلفاء الأوروبيين إلى 170 مليار دولار، مدفوعةً بمخاوف أوروبا المتزايدة من التهديد الروسي، وبينما وصف بايدن صناعة السلاح الأمريكية بأنها “ترسانة الديمقراطية”، فإن تقرير معهد واتسون يكشف عن جانب آخر مظلم، حيث يُظهر أن حصةً كبيرةً من الأسلحة الأمريكية تُوجّه إلى أنظمة غير ديمقراطية أو دول تعيش أتون الحروب.
الأسلحة الأمريكية في أيدي الأنظمة الاستبدادية
يشير التقرير إلى أن الولايات المتحدة، منذ عام 2019، أسهمت بأسلحتها في تأجيج 28 حرباً مختلفةً حول العالم، كما زوّدت 31 نظاماً غير ديمقراطي بتلك الأسلحة، وفي عام 2022 وحده، صادقت إدارة بايدن على بيع أسلحة لـ57% من الحكومات الاستبدادية في العالم، استناداً إلى بيانات صادرة عن مكتب مراقبة تجارة الدفاع بوزارة الخارجية، ووكالة التعاون الأمني الدفاعي التابعة للبنتاغون، ومشروع “أشكال الديمقراطية”.
أما بين عامي 2020 و2024، فقد بلغ إجمالي صادرات السلاح الأمريكي 107 شحنة، وُجّهت أكثر من نصفها إلى أنظمة استبدادية أو دول غير ديمقراطية، وهكذا، فإن شعار “الديمقراطية” الذي يُرفع لتبرير هذه التجارة الضخمة، كثيراً ما يتوارى خلف كواليس المصالح السياسية والاقتصادية، حيث تُصبّ الأسلحة في يد من يتخذون من السلطة المستبدة منهجاً، أو من يزجّون شعوبهم في أتون الحروب والدمار.
تجارة السلاح بين الشعارات والمصالح
لا شك أن صناعة السلاح الأمريكية، التي تُقدّم نفسها كحامية للديمقراطية، باتت تجني أرباحاً طائلةً من صراعات العالم، لكنها في الوقت ذاته تُسهم في إدامة تلك الصراعات وإذكاء نيرانها، وبينما تُخصص مليارات الدولارات لدعم دول مثل أوكرانيا و"إسرائيل"، أو لتلبية مخاوف الحلفاء الأوروبيين، فإن جزءاً كبيراً من تلك الأسلحة يجد طريقه إلى أنظمة حكم لا تمتّ للديمقراطية بصلة، ما يطرح تساؤلات حول القيم التي تتبناها الولايات المتحدة، وحقيقة ما يُحرك تجارتها العسكرية: أهي المصالح الاقتصادية أم الشعارات السياسية؟
