الوقت- يشهد الكيان الإسرائيلي واحدة من أكثر المراحل حساسية منذ تأسيسه عام 1948، في ظل تراجع حاد في مؤشرات النمو السكاني وتفاقم غير مسبوق للأزمات النفسية داخل المؤسسة العسكرية، وفق تقارير رسمية ودراسات صادرة عن مراكز أبحاث إسرائيلية وغربية. وتشير هذه المعطيات مجتمعة إلى تحولات بنيوية عميقة تهدد التوازن الديمغرافي والاجتماعي للكيان بالإضافة إلى ماتركته آثار الحرب على غزة على عقول الجنود الصهانية ، وتطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الاستقرار الداخلي في السنوات المقبلة
تسجيل أدنى معدل نمو سكاني منذ 1948
بحسب تقرير حديث صادر عن مركز تاوب لدراسات السياسة الاجتماعية، وهو مركز أبحاث اجتماعي-اقتصادي مستقل مقره القدس المحتلة، فإن معدل النمو السكاني في الكيان الإسرائيلي خلال عام 2024 بلغ 0.9% فقط، وهو أدنى معدل يُسجَّل منذ إعلان قيام الكيان عام 1948.
التقرير، الذي جاء تحت عنوان «إسرائيل 2025: مفترق طرق ديمغرافي»، حلّل مكونات النمو السكاني الأساسية، وهي معدلات الولادة، والوفيات، وحركة الهجرة، وخلص إلى أن العامل الحاسم في هذا التراجع التاريخي يتمثل في الهجرة السلبية المتصاعدة، رغم استقرار معدلات الولادة والوفاة نسبيًا.
الهجرة السلبية… العامل الأخطر
يوضح التقرير أن الكيان الإسرائيلي شهد خلال العامين الأخيرين خروج نحو 120 ألف شخص أكثر من عدد العائدين إليه، في واحدة من أكبر موجات الهجرة المعاكسة منذ عقود. وتشير البيانات إلى أن هذه الأرقام لا تشمل المهاجرين اليهود الجدد فقط، بل تؤكد أنه حتى بعد احتسابهم، لا يزال الميزان الديمغرافي للهجرة سلبيًا.
كما أظهر تقرير منفصل صادر عن الكنيست الإسرائيلي أن عددًا غير مسبوق من الإسرائيليين الذين غادروا الكيان منذ عام 2020 لم يعودوا إليه حتى الآن، وهو ما يعكس تراجعًا واضحًا في جاذبية العيش داخل الكيان، سواء لأسباب اقتصادية أو أمنية أو نفسية.
تصاعد هجرة الإسرائيليين المولودين داخل الأراضي المحتلة
رغم أن غالبية المغادرين في السنوات الأخيرة لم يولدوا داخل الأراضي المحتلة، إلا أن التقارير تشير إلى تطور مقلق يتمثل في الزيادة المستمرة لهجرة الإسرائيليين المولودين داخل الكيان نفسه خلال السنوات الأربع الماضية.
ويعتبر خبراء ديمغرافيون أن هذا التحول يحمل دلالات أخطر من الهجرة التقليدية، لأنه يعكس تراجع الثقة طويلة الأمد بمستقبل الكيان، خاصة بين فئات الشباب وأصحاب الكفاءات العالية، الذين يشكلون العمود الفقري لأي اقتصاد متقدم.
توقعات أكثر تشاؤمًا حتى 2026
الكاتب والباحث الديمغرافي أليكس واینرب، معدّ التقرير، يتوقع أن تتفاقم أزمة الهجرة خلال عامي 2025 و2026، مشيرًا إلى أن أعداد المسجلين رسميًا كمغادرين للكيان الإسرائيلي ستظل مرتفعة على الأقل حتى منتصف عام 2026.
ويؤكد التقرير أن السنوات الأخيرة شهدت أكبر عدد من المغادرين في تاريخ الكيان، وهو ما ينذر بتداعيات اقتصادية واجتماعية بعيدة المدى، خصوصًا في ظل تراجع القوى العاملة وازدياد الأعباء على الفئات المنتجة.
أزمة نفسية عميقة داخل الجيش الإسرائيلي
بالتوازي مع الأزمة الديمغرافية، تكشف البيانات الصادرة عن الجيش الإسرائيلي ووسائل إعلام عبرية عن تصاعد مقلق في حالات الانتحار بين الجنود، في مؤشر يعكس حجم الضغوط النفسية التي خلفتها الحروب المتتالية، ولا سيما العدوان المستمر على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023.
أرقام رسمية وغير معلنة
وفقًا لبيانات الجيش الإسرائيلي، فقد انتحر 21 جنديًا عاملًا خلال عام واحد فقط. إلا أن صحيفة يديعوت أحرونوت كشفت أن هذه الأرقام لا تعكس الواقع الكامل، حيث أقدم 15 جنديًا آخرين على الانتحار بعد تسريحهم من الخدمة العسكرية، وهو ما لا يتم إدراجه في الإحصاءات الرسمية للجيش.
وبذلك، يصل العدد الحقيقي لحالات الانتحار بين الجنود الحاليين والسابقين خلال عام واحد إلى 36 حالة، وهو رقم يُعد من الأعلى في تاريخ الجيش الإسرائيلي الحديث.
الحرب انتهت… والصدمة مستمرة
مصادر عسكرية إسرائيلية اعترفت للصحافة العبرية بأن المؤسسة العسكرية تستعد لسنوات أكثر تعقيدًا على صعيد الصحة النفسية. وقال أحد المسؤولين العسكريين:
"الحرب قد تكون انتهت ميدانيًا، لكن العبء النفسي ما زال ثقيلًا على كاهل من شاركوا فيها".
وتشير التقديرات إلى أن آلاف الجنود يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD)، في ظل نقص حاد في الدعم النفسي الحقيقي، واعتماد الجيش على حلول شكلية لا تعالج جذور الأزمة.
قرار مثير للجدل: إنكار صفة "القتلى"
في خطوة أثارت انتقادات داخل المجتمع الإسرائيلي، قررت لجنة عسكرية خاصة عدم اعتبار الجنود الذين ينتحرون أثناء الخدمة «قتلى جيش»، وهو ما يترتب عليه حرمان عائلاتهم من المزايا المالية والتعويضات التي تُمنح لعائلات الجنود الذين يلقون حتفهم خلال الخدمة، بغض النظر عن سبب الوفاة.
ويرى مراقبون أن هذا القرار لا يهدف فقط إلى تقليص الأعباء المالية، بل يسعى أيضًا إلى التقليل من الأثر المعنوي والسياسي لتزايد حالات الانتحار داخل صفوف الجيش.
قفزة خطيرة منذ أكتوبر 2023
منذ بدء العدوان على قطاع غزة في أكتوبر 2023، لوحظ ارتفاع حاد في حالات الانتحار ومحاولات الانتحار داخل الجيش الإسرائيلي. ووفق بيانات نُشرت في أكتوبر الماضي، فقد أقدم 279 جنديًا على محاولة الانتحار خلال الفترة الممتدة من مطلع عام 2024 حتى يوليو 2025.
ومنذ بدء الحرب، لقي ما لا يقل عن 64 جنديًا حتفهم بسبب الانتحار، سواء أثناء الخدمة الفعلية أو بعد تسريحهم، ما يعكس حجم الكلفة النفسية غير المعلنة للحرب.
تداعيات استراتيجية على الكيان الإسرائيلي
يرى محللون أن التقاء الأزمة الديمغرافية مع الانهيار النفسي داخل المؤسسة العسكرية يمثل تحديًا استراتيجيًا خطيرًا للكيان الإسرائيلي، خصوصًا أن الجيش يشكل أحد أعمدة تماسكه الأساسية.
فالهجرة السلبية تقلّص القاعدة السكانية الداعمة، بينما تؤدي الأزمات النفسية داخل الجيش إلى تآكل الجاهزية القتالية والثقة المجتمعية بالمؤسسة العسكرية، وهو ما قد ينعكس على قدرة الكيان على خوض حروب طويلة الأمد أو فرض معادلات ردع مستدامة.
كما أن استمرار هذه الاتجاهات قد يؤدي إلى إعادة تشكيل الخريطة الاجتماعية والسياسية داخل الكيان، مع تصاعد الانقسامات الداخلية، وتزايد الضغوط الاقتصادية، وتراجع الثقة بمستقبل المشروع الصهيوني ذاته.
تكشف المعطيات الديمغرافية والنفسية الأخيرة أن الكيان الإسرائيلي يواجه أزمة مركبة تتجاوز كونها أزمة مؤقتة أو ظرفية. فتراجع النمو السكاني إلى أدنى مستوياته منذ 1948، إلى جانب تصاعد حالات الانتحار بين الجنود، يعكسان تحولات عميقة في البنية الاجتماعية والنفسية للكيان، وسط عجز واضح عن تقديم حلول جذرية.
وفي ظل استمرار الحروب، وتفاقم الانقسامات الداخلية، وتآكل الثقة بالمستقبل، يبدو أن الكيان الإسرائيلي يقف اليوم عند منعطف تاريخي حرج، قد تكون تداعياته أبعد وأخطر مما تعكسه الأرقام المعلنة.
