الوقت - على الرغم من مزاعم قادة طالبان بتدمير جميع خلايا داعش في أفغانستان، إلا أن الأدلة الميدانية والتقارير العديدة تُظهر أن أعضاء هذه الجماعة الإرهابية ما زالوا نشطين في أجزاء مختلفة من البلاد ويعيدون تنظيم أنفسهم باستخدام تكتيكات واستراتيجيات جديدة لإعادة إنتاج حالة انعدام الأمن وتهديد المدنيين مرة أخرى.
بعد أشهر من انقطاع أنباء هجمات تنظيم داعش الإرهابي، وقع انفجار في كابول صباح الثلاثاء (30 يناير)، مما أعاد تسليط الضوء على عودة التنظيم التكفيري. وفي هذا السياق، أفادت مصادر إخبارية بوقوع انفجار في فندق بكابول، أسفر عن مقتل عنصر من قوات الأمن الأفغانية وإصابة مواطنين صينيين اثنين. لم يُحدد سبب الانفجار بعد، ولم يُدلِ المسؤولون الأمنيون الأفغان بأي تعليق حول الموضوع. مع ذلك، أعلن تنظيم داعش الإرهابي مسؤوليته عن الهجوم.
أفغانستان، ملاذ داعش الجديد
بعد أن خسر تنظيم داعش جميع أراضيه في العراق وسوريا عام 2017، اختار أفغانستان كأحد أهم ملاذاته الجديدة، وفي السنوات الأخيرة، وتحت مسمى "فرع خراسان"، نظم ونفذ مئات الهجمات الدامية ضد المدنيين وقوات الأمن في البلاد.
نفذ تنظيم داعش عشرات الهجمات الإرهابية، مما أسفر عن مقتل المئات، منذ أن تولت حركة طالبان السلطة في أغسطس 2021. وكان تفجير قنبلة في مسجد شيعي في قندوز في أكتوبر 2021، والذي أسفر عن مقتل أكثر من 50 شخصًا وإصابة حوالي 140 آخرين، أول عمل إرهابي لداعش-خراسان منذ تولي حركة طالبان السلطة.
وفي وقت لاحق، أظهر الهجوم على مستشفى عسكري في كابول في نوفمبر 2021، والذي أسفر عن مقتل 25 شخصًا وإصابة 50 آخرين، استمرار التهديد الذي تشكله الجماعة. كما أن تفجير مسجد فيض آباد في ولاية بدخشان في يونيو 2023، والذي أسفر عن مقتل 19 شخصًا وإصابة 38 آخرين، والتفجير الانتحاري في ولاية قندوز في فبراير 2025، والذي أسفر عن مقتل 5 أشخاص على الأقل وإصابة 7 آخرين، هي أمثلة أخرى على أعمال العنف التي ارتكبها تنظيم داعش في أفغانستان. تُظهر هذه السلسلة من الهجمات أنه على الرغم من ادعاءات طالبان بقمع الجماعة، فإن تنظيم داعش لا يزال يحتفظ بالقدرة على تنفيذ عمليات إرهابية في أجزاء مختلفة من البلاد.
تشير الأدلة الحالية إلى أنه مع صعود حركة طالبان إلى السلطة، أصبحت أفغانستان ملاذاً آمناً لدخول الإرهابيين ونقلهم.
وفي بيان له، قال المتحدث باسم الجيش الباكستاني إن حركة طالبان هي مسؤولة الجماعات الإرهابية في أفغانستان، وإن 2500 إرهابي تم نقلهم إلى أفغانستان من سوريا. أقر الجنرال أحمد شريف تشودري بتصاعد تحدي الإرهاب في البلاد خلال العام الماضي، والذي وقع معظمه في مقاطعة خيبر بختونخوا، وهي مقاطعة حدودية مع أفغانستان، قائلاً: "ستستمر الحرب على الإرهاب بكل قوة". في الأسابيع الأخيرة، أفادت الحكومة الطاجيكية بتزايد نشاط الجماعات المسلحة على حدود البلاد مع أفغانستان. ووفقًا للجنة الدولة الطاجيكية للأمن القومي، فقد اثنان من حرس الحدود حياتهما الشهر الماضي في اشتباك مع مسلحين دخلوا البلاد من أفغانستان. في أعقاب الحادث، دعا المسؤولون يوم الاثنين حكومة طالبان إلى اتخاذ تدابير أمنية أكثر جدية في المناطق الحدودية.
حذرت الحكومة الطاجيكية مراراً وتكراراً من أن المقاطعات الشمالية لأفغانستان، بما في ذلك بدخشان وتخار وقندوز، أصبحت طرق عبور للمسلحين والمهربين والجماعات المتطرفة، وهو اتجاه يقول المسؤولون الطاجيكيون إنه اشتد بعد عودة طالبان إلى السلطة وأصبح يمثل تحدياً أمنياً للدول المجاورة.
بالإضافة إلى ذلك، نقل موقع "خامه برس" الأفغاني مؤخراً عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة تحذيره من أن تنظيم داعش يخطط لإنشاء مدارس ومراكز تعليمية في بعض مناطق شمال أفغانستان، وكذلك بالقرب من الحدود الباكستانية، وفي هذه المراكز يتم تدريب الأطفال دون السن القانونية للمشاركة في الهجمات الانتحارية.
يشير التقرير إلى أن الهدف الرئيسي لتنظيم داعش-خراسان هو شن هجمات واسعة النطاق إقليمياً ودولياً، وإثبات قدرته على التجنيد والتمويل. وقد أكد محللو الأمم المتحدة أن توسع نفوذ التنظيم يشكل تهديداً مستمراً ليس لأفغانستان فحسب، بل للمنطقة بأسرها.
بحسب تقييمات الأمم المتحدة، يوجد حالياً أكثر من 20 جماعة إرهابية إقليمية ودولية في أفغانستان، من بينها تنظيم داعش خراسان، وحركة طالبان باكستان، وتنظيم القاعدة، وحركة تركستان الشرقية، وجماعة أنصار الله. وقد تورطت هذه الجماعات في هجمات داخل أفغانستان وفي دول مجاورة.
تأتي هذه التقارير في وقت أفادت فيه بعض المصادر في الأشهر الأخيرة عن نية الولايات المتحدة نقل أعضاء تنظيم داعش المسجونين في السجون السورية إلى مناطق أخرى. وفي هذا الصدد، تمكن المئات من أعضاء هذه الجماعة في الأيام الأخيرة من الفرار من السجن مستغلين الصراع بين الحكومة السورية المؤقتة والجماعات الكردية، الأمر الذي زاد بشكل كبير من المخاوف بشأن عودة تنظيم داعش وتوسع أنشطة هذه الجماعة التكفيرية.
ونظراً لأن تنظيم داعش لم يعد قادراً على العمل والتجول بحرية في العراق وسوريا كما كان يفعل سابقاً، فإن التنظيم الإرهابي يبحث عن ملاذ جديد للحفاظ على بقائه. في ظل هذه الظروف، يعتقد العديد من المحللين أن أفغانستان، بهيكلها الأمني الهش وظروفها السياسية غير المستقرة بعد عودة طالبان إلى السلطة، يمكن أن تكون خياراً مناسباً لتحقيق هذا الهدف.
طالبان تحارب داعش
من أسباب تعزيز داعش في أفغانستان دعم بعض الحركات المتطرفة داخل حكومة طالبان. وتشير التقارير إلى تصاعد الخلافات الداخلية في طالبان، لا سيما بين الفصيل الذي يقوده سراج الدين حقاني والدائرة المقربة من هبة الله أخوند زاده.
وفي الوقت نفسه، يُعتقد أن شبكة حقاني تدعم أنشطة تنظيم الدولة الإسلامية في أفغانستان من خلال نهجها الأكثر تطرفاً وتقاربها الفكري مع الحركات التكفيرية. مع ذلك، لا يقتصر الأمر على عدم وجود تقارب كبير بين قطاع أوسع من حركة طالبان والقادة المحليين وتنظيم داعش والحركات التكفيرية، بل إنهم يرون في استمرار وجودها تهديدًا لتماسكهم الداخلي واستقرار سلطتهم في المستقبل. وقد يؤثر هذا الصراع الداخلي بشكل مباشر على سياسات طالبان الأمنية وقدرتها على مواجهة داعش في أفغانستان.
بالنظر إلى أن حركات طالبان المتطرفة لديها موقف سلبي وعدائي تجاه الأقليات الدينية، وخاصة الهزارة الشيعة، وقد نفذت سياسات عقابية وقمعية ضد هذه الجماعات على مدى السنوات الأربع الماضية، فقد وجد هذا الفصيل من طالبان بوضوح أوجه تشابه مع تنظيم داعش في موقفه وأفعاله تجاه الأقليات.
لذلك، أثار بعض المراقبين احتمال أن تستخدم حركة طالبان أنشطة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من وراء الكواليس لممارسة ضغط أكبر على الأقليات، حيث تقوم هذه الجماعات الإرهابية أحياناً بتنفيذ هجمات ضد مجتمعات الأقليات.
في مثل هذا السيناريو، تحقق طالبان هدفين في آن واحد. فمن جهة، من خلال إظهار معارضة ظاهرة لعمليات داعش، تستطيع أن تقدم نفسها كمدافعة عن أمن الأقليات وتكتسب شرعية محلية ودولية. ومن جهة أخرى، ودون أن تتحمل المسؤولية بشكل مباشر، فإنها توفر الذريعة لداعش لقمع الأقليات الدينية وترهيبها وإضعافها. على الرغم من أن هذه الفرضية تحتاج إلى تأكيد من خلال معلومات مستقلة وموثوقة، إلا أنه لا يزال هناك احتمال أن تستغل حركة طالبان العنف الطائفي سياسياً وتستخدمه لتعزيز موقفها.
تحدث أعمال داعش الإرهابية، التي يتم تنفيذها بدعم غير مباشر من طالبان، في الوقت الذي يحاول فيه قادة الإمارة الإسلامية، على عكس ادعاءاتهم الظاهرة بتشكيل حكومة شاملة تضم جميع الحركات السياسية والأعراق، وضع البشتون في صدارة جميع شؤون الحكومة عن طريق استبعاد الأقليات الأخرى. وبعبارة أخرى، فإن سياساتهم وأفعالهم تعمل على تغيير البنية السياسية لأفغانستان لتمهيد الطريق لإقامة دولة تسمى "بشتونستان" أو "طالبانستان" بدلاً من إنشاء دولة موحدة.
