الوقت- يكشف استمرار احتجاز القادة الفلسطينيين في سجون الاحتلال—وفي مقدمتهم جمال أبو الهيجا—عن منهج ثابت تتبعه حكومة الاحتلال الاسرائيلي منذ عقود يقوم على تصفية الرموز الوطنية الفلسطينية ببطء، إما عبر الإهمال الطبي، أو العزل الانفرادي طويل الأمد، أو الحرمان المتعمد من أي فرصة للإفراج، حتى ضمن اتفاقيات تبادل الأسرى التي أُفرج فيها عن الآلاف. هذه السياسة لم تعد مجرد إجراءات عقابية أو أحكام قاسية، بل أصبحت جزءاً من منظومة عقاب جماعي تهدف إلى تفريغ الحركة الوطنية من قياداتها الطبيعية.
احتجاز متواصل رغم تدهور صحي خطير
يمثل وضع الأسير جمال أبو الهيجا نموذجاً صارخاً لما يتعرض له القادة الفلسطينيون داخل السجون.
فأبو الهيجا، الذي يقبع في الأسر منذ عام 2002، يعاني من أمراض مزمنة وتدهور صحي كبير، ومع ذلك تصرّ سلطات الاحتلال على إبقائه في العزل الانفرادي. هذه الممارسة، وفقاً لاتفاقيات جنيف، تُعد شكلاً من أشكال التعذيب النفسي والجسدي، خاصة عندما يتم فرضها على كبار السن والمرضى.
إن استمرار عزله رغم حالته الصحية ليس قراراً أمنياً كما تدّعي سلطات الاحتلال، بل هو قرار سياسي وانتقامي نابع من رغبة كيان الاحتلال الاسرائيلي في التخلص التدريجي من رموز المقاومة الفلسطينيين داخل السجون
منع الإفراج في صفقات التبادل: استهداف متعمد للقادة
شهدت العقود الماضية العديد من صفقات تبادل الأسرى بين الاحتلال والفصائل الفلسطينية، لكن حكومة الاحتلال الاسرائيلي كانت دائماً تتعمد استثناء القادة المؤثرين والذين يمثلون رموزاً سياسية أو عسكرية.
ورغم تبادل آلاف الأسرى عبر اتفاقيات مختلفة—منها صفقة "شاليط" وصفقات ما قبلها—بقي أبو الهيجا، ومعه عشرات القادة الآخرين، خارج أي إطار للإفراج.
هذا الاستثناء ليس عفوياً، بل يعكس رؤية إسرائيلية واضحة تعتبر أن:
القادة الفلسطينيين خطر مستمر حتى لو كانوا مرضى أو مسنين أو عاجزين عن المقاومة الميدانية.
بمعنى آخر، فإن وجودهم الفكري والرمزي وحده يكفي لتتعامل معهم حكومة الاحتلال الاسرائيلي باعتبارهم "تهديداً يجب شطبه".
الإهمال الطبي والعزل الانفرادي كأدوات للقتل البطيء
اتخذ الاحتلال سياسة الإعدام البطيء وسيلة للتخلص من الأسرى القادة.
فقد منع العلاج عن عشرات الأسرى، وأبقى آخرين في ظروف لا إنسانية، مثل الرطوبة العالية، الحرمان من الشمس، أو التعامل المذل اليومي.
الإبقاء على أبو الهيجا في زنزانة انفرادية عشرات السنوات مع التدهور الصحي يُظهر بوضوح كيف تستخدم حكومة الاحتلال الصهيونية:
الحرمان من العلاج، الضغط النفسي، التعتيم الإعلامي، عدم إدراجهم في صفقات التبادل، كوسائل مبرمجة لإضعاف المقاومة الفلسطينية وضرب روحها القيادية.
تصعيد وحشي خارج السجون: نفس العقلية ونفس المنهج
لا تقتصر الوحشية على السجون، بل تمتد إلى الضفة الغربية حيث تتصاعد عمليات الاعتقال، التفتيش الميداني، الضرب، التخريب والترويع، وفق ما جاء في تقارير مؤسسات الأسرى.
ومنذ بداية حرب الإبادة على غزة، استهدف الاحتلال أكثر من 20 ألف فلسطيني في الضفة، وهو رقم يعكس أن سياسة القمع ليست طارئة بل منهجية.
هذا السياق يوضح أن حكومة الاحتلال الاسرائيلي تتعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم شعباً يجب إخضاعه بالقوة، وأن استهداف القادة جزء من هذه المنظومة التي تشمل:
عمليات قتل ميدانية، اعتقالات جماعية، هدم منازل، تعذيب داخل المعتقلات، قمع منظمات المجتمع المدني
لماذا تخشى حكومة الاحتلال الصهيوني الإفراج عن القادة الأسرى؟
يمكن تلخيص أسباب رفض الاحتلال إدراجهم في صفقات التبادل في عدة نقاط:
-خشية من عودة دورهم القيادي داخل المجتمع الفلسطيني.
-محاولة الإطاحة بالذاكرة الوطنية التي يمثلها هؤلاء القادة.
-الانتقام السياسي بسبب دورهم في الانتفاضات والمقاومة.
-الرغبة في خلق فراغ قيادي داخل الفصائل الفلسطينية.
-إيصال رسالة ردعية لباقي الأسرى: الثمن مقابل مقاومة الاحتلال سيكون باهظاً.
-انتهاك سافر للقانون الدولي
-تخالف حكومة كيان الاحتلال الاسرائيلي بذلك كل المواثيق الدولية التي تحظر:
العزل الانفرادي الطويل، التعذيب الجسدي والنفسي، الاعتقال الإداري دون تهمة، الإهمال الطبي و احتجاز كبار السن والمرضى في ظروف غير إنسانية. لكن صمت المجتمع الدولي-وخاصة الدول الغربية- جعل هذه السياسات تتطور إلى مستويات غير مسبوقة.
مسؤولية دولية وإصرار فلسطيني
إن استمرار احتجاز القادة الفلسطينيين داخل السجون بهذه الوحشية هو جريمة مستمرة، وهو شكل من أشكال الإبادة السياسية التي تستهدف تدمير البنية القيادية للشعب الفلسطيني.
ومهما حاول الاحتلال تغييب هؤلاء القادة، فإن حضورهم يظل ثابتاً في الوعي الجمعي الفلسطيني، وتشكل معاناتهم أحد أعمدة الرواية الفلسطينية في مواجهة الاحتلال.
المطلوب اليوم ليس مجرد بيانات تنديد دولية، بل ضغط دولي حقيقي لإجبار الاحتلال على الالتزام بالقانون الدولي، والإفراج عن القادة المرضى وكبار السن، ووقف سياسة الإعدام البطيء داخل السجون.
