الوقت - في تطور ميداني لافت، عاد رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، مساء الأربعاء، إلى القصر الرئاسي في العاصمة الخرطوم، معلنًا "تحرير" المدينة من قبضة قوات الدعم السريع، التي كانت قد سيطرت على أجزاء واسعة منها منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، خطوة البرهان جاءت في وقت تشهد فيه البلاد تحولات دراماتيكية على الصعيد العسكري، مع تصاعد العمليات القتالية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وسط تراجع الأخيرة في عدة مناطق استراتيجية.
عودة البرهان وإعلان "تحرير الخرطوم"
ظهر البرهان، وهو أيضًا القائد العام للقوات المسلحة، في لقطات متلفزة وسط العشرات من الجنود داخل القصر الرئاسي، معلنًا: "انتهى الأمر.. الخرطوم حرة"، في إشارة واضحة إلى إحكام الجيش قبضته على المدينة بعد نحو عامين من المعارك الطاحنة.
وتعد هذه المرة الأولى التي تهبط فيها مروحية البرهان في الخرطوم منذ بداية الحرب، حيث كانت الحكومة السودانية المؤقتة قد نقلت مقراتها إلى مدينة بورتسودان الساحلية بعد سيطرة الدعم السريع على العاصمة.
في سياق متصل، أكدت منصة حكومة ولاية الخرطوم عبر صفحتها في "فيسبوك" أن العاصمة أصبحت خالية من "الأوباش المرتزقة"، في إشارة إلى قوات الدعم السريع، كما أعلنت اللجنة العليا للطوارئ وإدارة الأزمة في الولاية عن استنفار كل الإمكانيات للتعامل مع المرحلة الجديدة، بما يشمل رفع الجثث، تعقيم المواقع، وإزالة الألغام والمخلفات الحربية، استعدادًا لإعادة الحياة إلى طبيعتها في العاصمة السودانية.
انتصارات الجيش وتراجع الدعم السريع
واصل الجيش السوداني تقدمه العسكري خلال الأيام الماضية، حيث استعاد السيطرة على مطار الخرطوم الدولي، بالإضافة إلى عدة مقرات أمنية وعسكرية وأحياء استراتيجية في شرق وجنوب العاصمة، كما أحكم قبضته على مباني الوزارات والمؤسسات الحكومية وسط الخرطوم، ومنطقة المقرن، ما شكل ضربة قوية لقوات الدعم السريع التي كانت تسيطر على هذه المواقع منذ بدء النزاع.
وفي تطور عسكري متزامن، أعلن الجيش سيطرته على مصنع اليرموك الحربي ومعسكر طيبة للدعم السريع، إلى جانب مدينة الباقير ومقر اللواء الأول مدرعات جنوب الخرطوم، كما نجح في فرض سيطرته على معرض الخرطوم الدولي وأجزاء واسعة من حي بري شرقي العاصمة.
"إعادة تموضع" أم انهيار؟.. موقف الدعم السريع
في المقابل، سعت قوات الدعم السريع إلى التقليل من أهمية هذه التطورات، حيث صرح مستشار قائد الدعم السريع، الباشا طبيق، عبر منصة "إكس" قائلاً: "لم نُهزم، ولم نفقد العتاد أو الجنود، بل قررت القيادة إعادة تموضع القوات في أم درمان لأسباب لوجستية وعسكرية"، كما وصف البيانات الصادرة عن الجيش بشأن استعادة المواقع بأنها "انتصارات زائفة تهدف إلى تضليل الرأي العام".
ورغم هذه التصريحات، فإن تراجع قوات الدعم السريع في الخرطوم وعدد من الولايات الأخرى، مثل الجزيرة والنيل الأبيض وشمال كردفان وسنار، يشير إلى تضاؤل قدرتها على مواصلة القتال بنفس الوتيرة التي بدأت بها الحرب.
الوضع الميداني: انحسار نفوذ الدعم السريع
تشير التقارير إلى أن قوات الدعم السريع باتت تسيطر فقط على جيوب صغيرة في غرب وجنوب أم درمان، بالإضافة إلى أجزاء من شمال وغرب كردفان، في المقابل، ما زالت هذه القوات تحتفظ بوجود قوي في أربع ولايات بدارفور، بينما يسيطر الجيش على الفاشر، عاصمة شمال دارفور.
وفي ظل هذه التحولات، ازدادت عمليات القصف الجوي بالطائرات المسيرة، حيث استهدفت قوات الدعم السريع مدينة الأبيض، ما أدى إلى مقتل مدني وإصابة آخرين، بينهم طفل فقد إحدى قدميه، كما شنت قصفًا مكثفًا على أحياء في مدينة الفاشر، التي تحاصرها منذ قرابة عام دون أن تنجح في اقتحامها.
أزمة إنسانية مستمرة وسط تصاعد القتال
مع استمرار الحرب التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023، تتفاقم الأزمة الإنسانية في السودان بشكل غير مسبوق، فقد أسفر النزاع حتى الآن عن مقتل أكثر من 20 ألف شخص ونزوح ما يقارب 15 مليونًا، حسب تقديرات الأمم المتحدة، فيما تشير دراسة أجرتها جامعات أمريكية إلى أن عدد القتلى قد يكون أقرب إلى 130 ألف شخص.
مرحلة جديدة للصراع؟
عودة البرهان إلى الخرطوم وإعلان تحرير العاصمة يضع السودان أمام مرحلة جديدة من الصراع، قد تفتح الباب أمام سيناريوهات عدة، أبرزها احتمال تصاعد المواجهات في أم درمان والمناطق المتبقية تحت سيطرة الدعم السريع، أو اللجوء إلى مفاوضات برعاية إقليمية ودولية لحسم النزاع سياسيًا.
في ظل هذا المشهد المعقد، يبقى التساؤل مفتوحًا: هل نحن أمام بداية النهاية لحرب السودان، أم إن المرحلة المقبلة ستشهد تصعيدًا جديدًا يعيد خلط الأوراق؟