تقرير حول الإقتحام الإسرائيلي:
إقتحمت قوات الکيان الإسرائيلي في الأيام الماضية المنطقة العازلة في الجولان السوري لأول مرة منذ عام 1973. وهدمت هذه القوات خيام النازحين السوريين الذين لجأوا إلى هذه المنطقة. وكان جيش الکيان قد أعلن الشهر الماضي أن المنطقة الحدودية من الجولان المحتل منطقة عسكرية مغلقة بسبب القتال الدائر قربها من الجانب السوري. ويَعتبر الكيان الإسرائيلي الحدود الشمالية مع سوريا ولبنان حدوداً خطرة من حيث البعد الأمني، وتفرض فيها وجوداً أمنياً وعسكرياً مكثفاً.
ما يجب معرفته قبل التحليل:
لا يمكن الحديث عن الجولان المُحتل إلا من خلال الأخذ بعين الإعتبار الجغرافيا السياسية للمنطقة، وتاريخها السياسي في الصراع مع الكيان الإسرائيلي. فالجولان هو عبارة عن منطقة من الهضاب تقع ضمن الحدود السورية بين نهر اليرموك من الجنوب وجبل الشيخ من الشمال، وتتبع إدارياً لمحافظة القنيطرة. وفي حرب 1967 إحتل الجيش الإسرائيلي الثلثين من مساحتها. وبالتالي فإن مناقشة أي مسألةٍ تتعلق بمصير الجولان اليوم، تقتضي الإلتفات الى الأحداث الحاصلة فيها، وكذلك في منطقة القنيطرة لإرتباطها ببعضها من الناحية الجيوسياسية والجيوعسكرية. لذلك نقول التالي:
- يتعاطى المُخطط العسكري مع الجبهة والميدان من خلال نقاط القوة والضعف. لذلك ولأن تل أبيب سعت للإستفادة من الحرب في سوريا لتعزيز أمنها، تعاونت مع التنظيمات الإرهابية لا سيما داعش والنصرة على أنها تنظيمات حليفة لها في المنطقة المحررة من الجولان السوري، كما على طول الحدود اللبنانية السورية. وهو الأمر الذي أدى بالنتيجة وفي أواخر عام 2014، الى تمكّن هذه التنظيمات الإرهابية وبالإستفادة من الدعم المُباشر من الكيان الإسرائيلي، من إقامة منطقة تسمى بـ"جدار طيب" بين سورية والجولان المحتل.
- وكان الهدف الظرفي من ذلك حينها، عسكري بإمتياز، إذ حاولت تل أبيب ومن خلال التكفيريين، تشكيل نواةٍ لمنطقة عسكرية عازلة واسعة النطاق الميداني، تمتد إلى سفوح جبل الشيخ حرمون بين الجولان المحتل ومنطقة شبعا في جنوب شرقي لبنان. أما الهدف الإستراتيجي فقد كان محاولة توسيع المنطقة العازلة في الجولان المحتل وصولاً إلى منطقة مزارع شبعا اللبنانية، مما يُمكِّن القوات الإسرائيلية من تحقيق أهدافٍ عسكرية ميدانية، تتمثل في تأمين قدرته على الإلتفاف العسكري على مجاهدي المقاومة فـي منطقـة الجنوب اللبناني المواجه للكيان الإسرائيلي في أي حربٍ مقبلة، ويعزِّز لدى الکيان القدرة على التحكم الميداني، والإستفادة من عامل المباغتة.
بناءاً لما تقدم: قراءة تحليلية
إن تغيّر السلوك العسكري لدى الکيان الإسرائيلي في التعامل مع منطقة الجولان، أو أي منطقة عازلة في الجنوب، يخضع لعوامل عديدة من منطلق قاعدة نقاط القوة أو الضعف العسكرية رغم إختلاف الجبهات. وهنا يمكن تحليل العوامل بالتالي:
- في الميدان السوري وبالتحديد في منطقة القنيطرة المرتبطة من الناحية الجيوعسكرية بالجولان، يسعى الجيش السوري منذ فترة وبالتحديد نهاية العام 2014، الى القضاء على تواجد المسلحين من التنظيمات الإرهابية فيها، وكان الهدف العسكري حينها قطع خطوط إمداد المسلحين من وإلى القنيطرة وجبل الشيخ، ومنع وصلها ميدانياً بريف دمشق. وهو ما يُعتبر عسكرياً رسالة ميدانية لتل أبيب ومشروعها التوسعي.
- وهنا ردَّ الكيان الإسرائيلي وبعد سيطرة الجيش السوري على المناطق المُحاذية للجولان، عبر إظهار استعداده للقتال، من خلال التأهب العسكري، وهو ما أظهرته التقارير الإعلامية الإسرائيلية آنذاك، إذ بدا واضحاً أن قوات الکيان تستعدّ للقتال على الحدود السورية. كما قامت بإجراء مناورة حاكت فيها طبيعة المنطقة والجبهة والمتوقعة.
- أما في الميدان اللبناني وعبر ربط الجبهة ببعضها ميدانياً ومن خلال القراءة العسكرية، فقد كانت عملية شبعا التي نفذتها المقاومة مؤخراً رسالة قاسية، تدل على إمكانية تحريك الجبهات المؤجلة كما أن ذلك يؤسس إستراتيجياً، لأرضية مقاتلة في منطقة جبل الشيخ على جانبيها السوري واللبناني.
لا شك أن الكيان الإسرائيلي وبناءاً لما تقدم، سعى لبناء نواةٍ جغرافية وبشرية تساهم في خلق واقعٍ جديد، يمكن أن يعتمد عليه في أي حربٍ مقبلة. وهو الأمر الذي تمثل كما أشرنا، بدعم التنظيمات الإرهابية بشكل مباشر، الى جانب محاولته إعتماد أساليب بناء العملاء وتدريبهم، مما يجعل الواقع الجغرافي والديمغرافي متكاملين لمصلحته. لكن الجغرافيا العسكرية للمنطقة وتكتيكات محور المقاومة منعت ذلك. كما أن التنوع بين المسلحين واختلاف جنسياتهم، جعل المهمة صعبة. وهو الأمر الذي أدى بالنتيجة الى العديد من ردات الفعل غير المدروسة، والتي لا يمكن إعتبارها رسائل عسكرية. إنما يمكن وضعها في خانة التعبير عن الوجود لا أكثر. وهو ما يعبر عنه الکيان الإسرائيلي، بقصفه وإعتدائه على الجولان من وقتٍ لآخر، الى جانب قيامه اليوم بمهاجمة النازحين السوريين. وبالتالي فإن الكيان الإسرائيلي يعمل اليوم مكشوف الأهداف والوسائل، وهو ما يؤكد حالة الضعف التي تشوبه حالياً.
