الوقت - في الأسبوع المنصرم، توجهت الطالبات والتلميذات في جمهورية أذربيجان إلى مقاعد الدراسة على وقع نبأ صادم، ألا وهو حظر دخول الطالبات المحجبات إلى المدارس.
ولم تقتصر أصداء المشاهد المتداولة لبقاء بعض الطالبات خلف الأبواب واحتجاجات أسرهن على منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المحلية فحسب، بل تردد صداها على الصعيد الدولي أيضاً؛ والسبب يكمن في أن هذا الحظر لم يعد يقع في دولة غربية أو غير إسلامية، بل حدث في بلدٍ يدين الأغلبية المطلقة من سكانه بالإسلام.
تعود خيوط الحكاية إلى الشهر الماضي، حينما سنّت الحكومة قوانين تمنع طلاب المدارس من ارتداء أزياء تخالف الزي المدرسي الرسمي، أو تتنافى مع الطبيعة العلمانية للتعليم الحكومي.
ورغم أن هذه القوانين لم تشر إلى الحجاب صراحةً، إلا أن الطبيعة المناهضة للدين لهذا المشروع انكشفت هذا الأسبوع، إثر توارد تقارير تفيد بمنع عدد من الطالبات والمعلمات المحجبات من دخول المدارس، مما أشعل شرارة الاحتجاجات في صفوف الطالبات وأولياء أمورهن والشرائح المتدينة في المجتمع.
لقد سلطت هذه الضجة الضوء على مفارقة صارخة؛ فأذربيجان بلد ذو أغلبية مسلمة، ومعظم سكانه من الشيعة، غير أن حكومتها السلطوية تفرض رقابةً صارمةً على نمط الحياة الإسلامي، وتروّج للعلمانية بشراسة.
ولطالما شهدت أذربيجان سجالات محتدمة حول الحجاب في المدارس الحكومية، لا سيما منذ أن أثارت القيود المتعلقة بقواعد الزي المدرسي قرابة عام 2010 موجةً من المظاهرات العارمة.
وهذه المرة أيضاً، سعت الحكومة إلى تهدئة الرأي العام عبر إنكار الطابع المناهض للدين لسياساتها. ففي هذا الصدد، صرّح “زاهد عروج”، رئيس لجنة حقوق الإنسان في البرلمان الأذربيجاني، بأن هذا الإجراء لا يمثل اعتداءً على الحرية الدينية أو حرية التعبير. وقال لشبكة الجزيرة: “لا يوجد أي حظر على ارتداء غطاء الرأس خارج أسوار المدرسة، والهدف الأسمى هو الحفاظ على قوانين موحدة داخل الحرم التعليمي”.
غير أن تقييد الحجاب يُعد، في نظر الكثير من المسلمين الملتزمين، انتهاكاً لحرياتهم الدينية الأساسية. فبالنسبة للمرأة المسلمة، ليس الحجاب مجرد تقليد ثقافي؛ بل هو فريضة شرعية وفقاً للفقه الإسلامي السائد، تجب على المرأة المسلمة التي بلغت الحُلم (سن التكليف). إنه تجسيد لطاعة الله، ورمز للحياء والعزة والهوية الدينية. وفي غضون ذلك، يبرر المسؤولون اللوائح الجديدة تحت مظلة مبدأ التعليم العلماني وقواعد الزي المدرسي، متجاهلين جوهرها المناهض للدين.
وبناءً عليه، فإن الجدل الأخير المثار حول الحجاب في مدارس جمهورية أذربيجان، يُميط اللثام مجدداً عن الصدع العميق بين الهوية الإسلامية لهذا البلد ونظامه السياسي العلماني؛ وهو صدع يغذيه إرث حقبة الهيمنة الشيوعية من جهة، والتوجه المتغرب للنظام السلطوي الحاكم الساعي إلى “تغريب” المجتمع بأسره، واختلاق الذرائع لقمع المعارضة الداخلية، ذات التوجه الإسلامي في الأغلب، من جهة أخرى.
لقد جلب انهيار الاتحاد السوفيتي معه فرصاً سانحةً للتعبير عن الذات الدينية؛ فشُرعت أبواب المساجد من جديد، وانبعث التعليم الإسلامي من مرقده، وشرع الأذربيجانيون في إعادة اكتشاف تقاليدهم الدينية التي طالما رُزحت تحت نير القمع لعقود طويلة. وتدفقت التأثيرات الدينية من إيران وتركيا وسائر الدول الإسلامية، في حين شدّ بعض الشباب الأذربيجاني الرحال إلى خارج البلاد لنهل العلوم الشرعية.
رغم ذلك، عقد الحكام الجدد في البلاد العزم على صون النظام السياسي العلماني الموروث عن الحقبة السوفيتية. ففي عهد “حيدر علييف”، الذي ارتقى سدة الرئاسة عام 1993، ونجله “إلهام علييف” الذي خلّفه عام 2003، أحكمت الدولة قبضتها الواسعة على المؤسسات الدينية.
وعلى الرغم من أن الدستور الأذربيجاني يكفل رسمياً حرية اختيار المعتقد، إلا أن المجتمع يواجه في أرض الواقع اشتراطات صارمة لممارسة شعائره الدينية ومعتقداته الإسلامية. وتكابد الأحزاب والنشطاء الإسلاميون، على وجه الخصوص، قيوداً خانقةً تحدّ من نشاطاتهم السياسية والاجتماعية.
وبموجب القوانين النافذة، يتحتم على جميع المنظمات الدينية التسجيل لدى مؤسسات الدولة لمزاولة نشاطها بشكل قانوني. وتشمل متطلبات التسجيل تقديم بيانات دقيقة حول الأعضاء والأنشطة والمصادر المالية وغيرها. كما يُحظر التبليغ الديني، ويخضع نشر النصوص الدينية لموافقة الدولة. أما الجماعات التي تصنّفها الحكومة على أنها “غير تقليدية” - لاسيما الحركات الإسلامية والشيعية - فتتعرض للمضايقات والغرامات والعراقيل التي تحول دون تسجيلها القانوني.
ولعل من أبرز الحوادث المثيرة للجدل ما وقع عام 2015، حينما شنت قوات الشرطة عمليةً قمعيةً عنيفةً ضد أعضاء “حركة الوحدة الإسلامية” الشيعية في بلدة نارداران، مما أسفر عن سقوط عدد من القتلى والجرحى واعتقال حشود غفيرة.
وتمضي الدولة قُدماً في سياساتها القمعية متذرعةً بمكافحة التطرف، ودرء التدخل الأجنبي، والحفاظ على الأمن القومي. غير أن النقاد يرون أن العلمانية قد استحالت ذريعةً لقمع الأنشطة الدينية المستقلة والمعارضة السياسية في المجتمع. بل إن جماعات حقوق الإنسان المحلية والمعتقلين أنفسهم أكدوا أن الحكومة تلجأ حتى لتلفيق تهم حيازة المخدرات كمسوغ لاعتقال وسجن النشطاء المتدينين، ولا سيما الشيعة منهم.
تصاعد العلمانية المناهضة للدين في خضم التحولات الجيوسياسية
على الرغم من أن سلطوية النظام السياسي الحاكم في جمهورية أذربيجان تضرب بجذورها في البدايات الأولى لاستقلال البلاد، حينما أُسقطت القيود المفروضة على الفترات الرئاسية ومُددت كل فترة من خمس إلى سبع سنوات، وظل المراقبون الدوليون يشككون دوماً في نزاهة وحرية الانتخابات فيها؛ إلا أن السياسات القمعية الحكومية الموجهة ضد الحركات الإسلامية، لاسيما الشيعية منها، قد بلغت أوجها في السنوات الأخيرة. ويُعزى ذلك، وفقاً لتقديرات الخبراء، إلى التأثير البالغ للتحولات الجيوسياسية ونهج باكو في صياغة تحالفاتها الإقليمية.
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الميل نحو التدين في المجتمع الأذربيجاني يشهد تنامياً مضطرداً، في معاكسة واضحة لتوجهات الدولة. وفي أحد الاستطلاعات النادرة التي أُجريت في ظل الحظر الحكومي، أفاد “مركز القوقاز للأبحاث” (وهو مؤسسة غير ربحية) عام 2013 بأن نسبة المواطنين في جمهورية أذربيجان الذين يعتبرون الدين ركناً بالغ الأهمية في حياتهم اليومية قد شهدت تصاعداً متواصلاً؛ حيث ارتفعت من 28٪ عام 2001 إلى 33٪ في عام 2012. علاوةً على ذلك، صرح 44٪ آخرون بأنهم باتوا يرون الدين جزءاً “مهماً نسبياً” من يومياتهم.
وبالنظر إلى أن أكثر من 70٪ من نسيج المجتمع الأذربيجاني يتألف من الشيعة الاثني عشرية، فلا ريب أن أعداء محور المقاومة يساورهم قلق بالغ إزاء تصاعد النزعات الدينية في المجتمع الأذربيجاني، وهو ما قد يفضي إلى تقارب مع الجمهورية الإسلامية. ومن هذا المنطلق، وبالتوازي مع هذا التحول في الميول المجتمعية، تبرز الشواهد على تصعيد وتيرة القمع ضد المؤسسات الدينية، والشيعية منها بوجه خاص. وكما أعلن “اتحاد المنظمات غير الحكومية للإفراج عن السجناء السياسيين في أذربيجان”، فإنه حتى نهاية عام 2025، زُجّ بـ 183 شخصاً في غياهب السجون على خلفية أداء شعائر دينية أو المعارضة الدينية للدولة، في قفزة هائلة مقارنةً بـ 22 شخصاً فقط في أواخر عام 2022.
وإلى جانب الغربيين، برز الكيان الصهيوني في السنوات الأخيرة كأحد أهم اللاعبين الذين حاكوا مخططات كبرى لتوسيع رقعة حضورهم ونفوذهم في أذربيجان عبر شتى الأصعدة؛ الاقتصادية، وقطاع الطاقة، والاستخباراتية، والعسكرية، والثقافية. وقد تجلت ذروة هذا التعاون في محطتين بارزتين: حرب عام 2020 بين باكو ويريفان، وتصدير نفط باكو إلى تل أبيب إبان حرب غزة الممتدة من عام 2023 حتى عام 2026. ورغم أنه يبدو أن شطراً كبيراً من التوترات التي عصفت بباكو في هذه السنوات كان مردّه إلى التدخلات الصهيونية؛ فإن ترويج الثقافة الغربية، وبثّ الأفكار المناهضة للإسلام والعلمانية، يُعد من أخطر تداعيات النفوذ الصهيوني في أذربيجان. فكلما توجّه المجتمع نحو التدين، واجهت سياسات الدولة الرامية للتقارب مع هذا الكيان قاتل الأطفال موجةً من الانتقادات والمعارضة الشديدة من قِبل الرأي العام.
وخلاصة القول، إن تنامي النزعات الدينية في الأوساط المجتمعية، يبرهن على أن السياسات التقييدية والقمعية لا تفضي بالضرورة إلى إضعاف المعتقدات الدينية. والآن، يعود التساؤل الجوهري ليطرح نفسه بقوة: إلى أي مدى يمكن لباكو، باسم العلمانية، أن تُقصي المظاهر الجلية للتدين عن الفضاء العام، دون أن تعمق الهوّة السحيقة بين الدولة والمجتمع؟ تلك الهوّة التي طفت على السطح هذه المرة، من خلف أبواب المدارس الموصدة.
