الوقت - الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران لم تبقَ حبيسة ميدان القتال، خلافاً لحسابات واشنطن الأولى، بل ألحقت بالدول الخليجية أضراراً اقتصاديةً جسيمةً. وها هي قطر، إحدى أغنى دول المنطقة وأحد أكبر مصدّري الغاز الطبيعي المسال في العالم، تكابد اليوم انحساراً حاداً في إيراداتها الحكومية، واضطراباً واسعاً في صادراتها من الطاقة، وأضراراً في بناها التحتية الاستراتيجية. وهي خسائر قد تمتد آثارها سنوات بعد أن تضع الحرب أوزارها.
وتقدّم تصريحات أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الأخيرة صورةً جليةً لأبعاد هذه الأزمة. فقد أعلن في خطابه أمام مجلس الشورى القطري أن إيرادات الدولة تراجعت بنسبة 42 في المئة في النصف الأول من العام الميلادي الجاري، وأن الإنفاق العام انخفض بنسبة 14 في المئة. وبحسب الأمير، فإن هذا الوضع ناجم مباشرةً عن تبعات الحرب على إيران، واضطراب صادرات الغاز، والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز.
24 مليار دولار... ثمن اضطراب صادرات الغاز
وقعت أشدّ الضربات الاقتصادية التي أصابت قطر من جراء هذه الحرب الإقليمية في قطاع الغاز الطبيعي المسال (LNG)، وهو العمود الفقري لإيراداتها التصديرية. فمضيق هرمز هو الشريان الحيوي الذي تعبر منه طاقة قطر إلى الأسواق العالمية، وقد أدى اضطراب حركة السفن إلى سلب البلاد القدرة على تصدير قسم كبير من إنتاجها.
ووفق حسابات «رويترز» التي نُشرت في 26 أغسطس، فقدت قطر نحو 24 مليار دولار من عائدات مبيعاتها بسبب انهيار صادرات الغاز، وهو رقم يعادل نحو خمسة أشهر من دخل البلاد استناداً إلى بيانات عام 2025. كما أفادت «رويترز» بأن صادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال تراجعت في مرحلة ما بنسبة بلغت 96 في المئة. ويعني ذلك ضياع الجزء الأعظم من تدفق الصادرات في تلك المرحلة، لا أن الطاقة الإنتاجية الكلية لقطر قد زالت إلى الأبد.
ويزداد حجم هذه الخسارة جلاءً حين ندرك أن عائدات الغاز القطري لا تقتصر على شركات الطاقة. فجانب مهم من موارد الدولة المالية واستثماراتها العمرانية وبرامجها للتنمية الاقتصادية يرتهن بصادرات الهيدروكربونات. وتراجع الصادرات يضيّق مصادر العملة الصعبة، ويقلّص في الوقت نفسه الموارد المتاحة للدولة لتنفيذ خططها التنموية.
خسارة سنوية بقيمة 20 مليار دولار في طاقة تصدير الغاز
تمثلت الضربة الثانية للحرب الأمريكية على إيران في الضرر المادي الذي لحق بمنشآت الغاز القطرية، وهو ضرر لن يُجبر سريعاً حتى مع إعادة فتح الممرات البحرية.
وبحسب ما أعلنه سعد بن شريدة الكعبي، وزير الدولة لشؤون الطاقة والرئيس التنفيذي لشركة «قطر للطاقة»، فإن الهجمات الإيرانية على منشآت الطاقة في راس لفان أصابت وحدتين من أصل 14 وحدة لمعالجة الغاز الطبيعي المسال، فضلاً عن إحدى منشأتي تحويل الغاز إلى سوائل.
ووفق وكالة الأنباء القطرية الرسمية، عطّلت هذه الهجمات نحو 17 في المئة من طاقة البلاد على تصدير الغاز الطبيعي المسال، وقُدّرت الخسارة السنوية في الإيرادات الناجمة عنها بنحو 20 مليار دولار. ويقول الكعبي إن الوحدتين المتضررتين تبلغ طاقتهما الإنتاجية السنوية وحدهما 12.8 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال، وإن إصلاحهما وإعادة بنائهما سيستغرقان من ثلاث إلى خمس سنوات. وقد أُعلنت كلفة إنشاء الوحدتين المتضررتين بنحو 26 مليار دولار.
وعليه، فحتى لو عادت حركة السفن في مضيق هرمز إلى سابق عهدها، فلن تستطيع قطر استعادة كامل طاقتها التصديرية السابقة للحرب على الفور. وهذا بعينه يزيد خطر فقدان عقود التصدير طويلة الأمد، ويجعل العودة إلى الأسواق السابقة أشدّ صعوبةً.
مضيق هرمز... عنق الزجاجة في اقتصاد قطر
أثبتت الحرب أن الثروة الغازية وحدها لا تكفي لضمان الأمن الاقتصادي لقطر. فهي تعتمد في إيصال الجانب الأعظم من غازها المصدَّر إلى العملاء الآسيويين والأوروبيين على الممرات البحرية في الخليج الفارسي ومضيق هرمز، وهو طريق يؤثر أي اضطراب أمني فيه تأثيراً مباشراً في قدرة الدوحة التصديرية.
وبحسب ما أعلنته وزارة الخارجية القطرية في مايو، فقد خلّف الاضطراب في مضيق هرمز تبعات جسيمة على أسواق الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد. وذكرت الوزارة أن نحو 20 في المئة من التجارة العالمية للنفط والغاز الطبيعي المسال تأثرت بالاضطراب في هذا الممر، وأن أكثر من 20 ألف بحّار ظلّوا عالقين في عرض البحر.
وهكذا أصابت الحرب إحدى أهم نقاط القوة الاقتصادية لقطر، وهي مكانتها في سوق الغاز العالمية. كما أن اضطراب الإمدادات قد يدفع كبار عملائها إلى مزيد من تنويع مصادر التوريد وإبرام عقود بديلة. وهو مسار، إن استمر، سيُضعف قدرة الدوحة التفاوضية في المباحثات المقبلة.
الاقتصاد القطري على دروب الانكماش
لا تنحصر أبعاد الأزمة في أرقام الصادرات وإيرادات الدولة، فالتوقعات الاقتصادية بدورها تنبئ باحتمال تسجيل واحد من أضعف أداءات الاقتصاد القطري خلال العقود الأخيرة.
ووفق ما نشرته صحيفة «ذا ناشيونال» في 13 أكتوبر، توقّع البنك الدولي أن ينكمش الاقتصاد القطري بنسبة 20.9 في المئة في عام 2026، وهو تقدير يعني، إن تحقق، هبوطاً حاداً في النشاط الاقتصادي للبلاد. أما صندوق النقد الدولي فقد توقّع في تقديره انكماشاً بنسبة 15.6 في المئة للعام الجاري.
كلفة تتجاوز الخسارة المباشرة
لا تقف خسائر قطر عند حدود الإيرادات الضائعة والمنشآت المتضررة، فقد وضعت الحرب أيضاً سمعتها مورّداً موثوقاً للطاقة ووجهةً مستقرةً للاستثمار على محكّ الاختبار.
تقوم صناعة الغاز الطبيعي المسال على استثمارات ضخمة، وعقود طويلة الأمد، وموثوقية في التسليم. فإذا خلص العملاء الآسيويون والأوروبيون إلى أن صادرات قطر تتوقف بيسر عند اندلاع الأزمات الإقليمية، فقد يعمدون، تقليلاً للمخاطر، إلى تنويع مصادر إمدادهم أو المطالبة بضمانات أوسع في العقود المقبلة. وكانت «رويترز» قد أشارت في تقرير لها في يوليو إلى مساعي المشترين الآسيويين والأوروبيين للحصول على شروط أكثر مرونةً وضمانات أوفر من مصدّري المنطقة.
وهذا الضرر اللاحق بالسمعة التجارية، خلافاً للأضرار المادية التي أصابت المنشآت، لا يسهل قياسه. غير أنه قد يترك أثره في السنوات المقبلة على شروط العقود، وقدرة قطر التفاوضية، وخطط توسعة الطاقة الإنتاجية.
