الوقت - لم تعد أفريقيا مجرد قارة تزخر بالموارد الطبيعية والأسواق البكر التي تسيل لها لعاب القوى الاقتصادية؛ بل باتت تستحيل تدريجياً إلى إحدى أهم ساحات التنافس الجيوسياسي في القرن الحادي والعشرين. إنها قارة تنبض بالحياة، متكئةً على 54 دولة وتعداد سكاني يربو على المليار نسمة، وتحتضن ثروات هائلة من المعادن والطاقة، فضلاً عن كونها تمتلك أحد أكثر المجتمعات فتوةً وشباباً في العالم، لتشهد اليوم تحولات جذرية من شأنها أن تقلب موازين مكانتها في المعادلات الدولية.
وفي خضم هذه التحولات، لا يمكن تأطير الحضور الإيراني في أفريقيا ضمن بوتقة تصدير السلع أو توسيع العلاقات الدبلوماسية التقليدية فحسب. بل إن أفريقيا بالنسبة لطهران يمكن أن تغدو جزءاً من استراتيجية أوسع ترمي إلى التخفيف من وطأة العزلة الاقتصادية والسياسية، وفتح أسواق جديدة، ومدّ جسور التواصل مع الدول المستقلة عن الإرادة الغربية، فضلاً عن تعزيز العمق الجيوسياسي لإيران عبر الممرات البحرية المتاخمة للبحر الأحمر والمحيط الهندي.
الأهمية الاستراتيجية للقارة السمراء
تتجلى أهمية هذه القارة بأبهى صورها حين ندرك أنها تستحوذ على حصة الأسد من الموارد المعدنية الاستراتيجية في العالم. فالذهب، والكوبالت، والبلاتين، والكروم، واليورانيوم، والألماس، تقف جنباً إلى جنب مع موارد النفط والغاز، والزراعة، والقدرات الهائلة للطاقة المتجددة، لتجعل من أفريقيا إحدى البؤر المركزية لاقتصاد الغد.
وإلى جانب ثرواتها الدفينة، تبرز ميزة السوق الاستهلاكية النامية والديموغرافيا الشابة؛ وهي ميزة قد تفوق في أهميتها على المدى الطويل الكثير من المواد الخام التي تختزنها أرض القارة.
أبعاد وآفاق الوجود الإيراني في أفريقيا
لقد وسّعت إيران على مدار السنوات الماضية رقعة حضورها في أجزاء من أفريقيا؛ بدءاً من العلاقات السياسية والاقتصادية، وصولاً إلى التعاون الدفاعي والتكنولوجي، ويُعد تصدير المعدات العسكرية والطائرات المسيّرة فصلاً يُقرأ في هذا السياق. فقد تواترت التقارير حول استخدام بعض الدول الأفريقية للمسيّرات الإيرانية، ومنها طائرات “مهاجر-6”. ورغم أن هذا التعاون لا يرقى بمفرده إلى مصاف التحالف الاستراتيجي، إلا أنه يشي بأن الصناعات الدفاعية الإيرانية قادرة على جذب أنظار بعض الدول الأفريقية التي تكابد تحديات أمنية، كالإرهاب أو ضعف القوة الجوية.
ويجب التنويه إلى أن أهمية هذا الملف بالنسبة لإيران لا تقتصر على الجانب الاقتصادي؛ فالمعدات الدفاعية قد تكون شرارة الانطلاق لتعاون أوسع وأشمل، يمتد من التدريب والصيانة إلى التعاون الاستخباراتي وأمن الحدود ونقل التكنولوجيا. وفي واقع الأمر، إذا نجحت طهران في ربط مبيعات الأسلحة بشراكات صناعية وتدريبية، فإن العلاقة التي بدأت بثوب تجاري بحت، قد تتحول إلى شراكة راسخة وطويلة الأمد.
وتكتسي جغرافيا أفريقيا بُعداً آخر بالغ الأهمية لإيران؛ فالنظر إلى القارة السمراء من نافذة البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، ينقلها من مجرد سوق اقتصادية إلى متغير جيوسياسي فاعل. إذ يربض الشرق الأفريقي والقرن الأفريقي على حدود أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ذلك الشريان الذي يصل البحر الأحمر بمضيق باب المندب، ليعانق بعدها خليج عدن والمحيط الهندي.
ولهذا السبب، ينبغي قراءة أي تطور في العلاقات الإيرانية مع دول شرق أفريقيا واليمن والقرن الأفريقي والدول المطلة على المحيط الهندي ضمن لوحة استراتيجية أوسع. فهذه العلاقات، إن أُحسن توجيهها وإدارتها، من شأنها أن تسهم في تعزيز العمق الاستراتيجي لإيران في محيطها الإقليمي، وإن كان ينبغي توخي الحذر من المبالغة في تقدير حجم هذا النفوذ أو اعتبار كل علاقة اقتصادية وسياسية بمنزلة بناء قاعدة أو محور عسكري.
ومن أبرز المتغيرات التي شرّعت نوافذ فرص جديدة لإيران، هو التحول في نظرة شريحة من الدول الأفريقية تجاه الغرب. ففي السنوات الأخيرة، تصاعدت وتيرة التململ من الأنماط التقليدية للتعاون مع فرنسا وغيرها من القوى الغربية، لاسيما في منطقة الساحل. ولعل الانقلابات العسكرية في بعض دول المنطقة، وتراجع الحضور العسكري الفرنسي، والميل نحو روسيا والصين وغيرهما من الشركاء غير الغربيين، هي خير دليل على هذا التبدل البيئي.
ومع ذلك، من الخطأ بمكان أن نختزل هذا المسار في مجرد “استدارة نحو الشرق”. فالكثير من الحكومات الأفريقية لا تسعى لاستبدال قوة أجنبية بأخرى، بل تبحث عن تنويع خياراتها، وهو عين ما يمنح إيران فرصةً ذهبيةً.
وهنا، يمكن لإيران أن تقدم نفسها كأحد خيارات التعاون الواعدة؛ كدولة صقلتها عقوبات طويلة فتمكنت من تطوير صناعاتها المحلية، وإنتاج معدات عسكرية بتكلفة تنافسية، وتحقيق قفزات من الاكتفاء الذاتي في مجالات كالزراعة والدواء والطاقة، فضلاً عن دخولها مجال التقنيات الحديثة كالنانو تكنولوجي. غير أن اقتناص هذه الفرصة يشترط على طهران أن تتخلى عن النظرة التكتيكية العابرة، وألا تنظر إلى أفريقيا كحديقة خلفية سياسية أو مجرد سوق استهلاكية، بل كفسيفساء متنوعة من الدول ذات المصالح المتباينة.
أفريقيا... الحلبة الجديدة لتنافس القوى
في السنوات الأخيرة، استعرت نار المنافسة بين القوى العالمية والإقليمية الكبرى لترسيخ حضورها ونفوذها في أفريقيا، مما يعكس الأهمية القصوى للقارة السمراء في رسم ملامح النظام الدولي المستقبلي.
فالصين تدخل المعترك متسلحة برؤوس الأموال والبنية التحتية والقروض والتجارة، في حين تركز روسيا جلّ اهتمامها على الأمن والتعاون العسكري والتواجد في الدول المأزومة. أما الولايات المتحدة، فلا تزال تنسج شبكاتها من التعاون الدفاعي والتدريبي واللوجستي في أجزاء من القارة، بينما يسعى الكيان الصهيوني لتوسيع دائرة علاقاته في مجالات الزراعة والتكنولوجيا والأمن والصحة.
وبناءً على ذلك، فإن طهران لا تدخل أرضاً خاليةً، بل تدخل سوقاً تتبارى فيه كبريات القوى العالمية لاقتناص حصة لها. ولعل نيجيريا تمثل نموذجاً لافتاً في هذا السياق؛ فالتعاون الطبي وإرسال المعدات وسيارات الإسعاف من قِبل الكيان الصهيوني إليها، جنباً إلى جنب مع مساعي تعزيز التعاون الدفاعي، يبرهن على أن النفوذ في أفريقيا لا يمر بالضرورة عبر فوهة البندقية أو البوابة الأمنية، بل إن الصحة والزراعة والتكنولوجيا والمياه وحتى التعليم قد تكون أدوات بالغة التأثير للقوة الناعمة.
وهذه التجربة تحمل رسالةً جليةً لإيران: لكي تؤسس طهران نفوذاً مستداماً، يجب ألا تُحلّ الأداة العسكرية محل الدبلوماسية الشاملة بأدواتها كافة.
وينسحب الأمر ذاته على الولايات المتحدة؛ فاستمرار التعاون الدفاعي لواشنطن مع دول مثل بوتسوانا يؤكد أن أمريكا لم ترفع يدها بالكامل عن أفريقيا خلافاً لبعض التصورات. وحتى في المناطق التي انحسر فيها الحضور الأمريكي المباشر، لا تزال الشبكات التدريبية والتسليحية واللوجستية قادرةً على حفظ ماء وجه النفوذ الأمريكي.
وفي المقلب الآخر، سعت روسيا جاهدةً، وتحديداً في منطقة الساحل، لاستغلال حاجة الحكومات الهشة والعسكرية إلى مظلة أمنية. والتقارير التي تتحدث عن مشاركة ما يُعرف بـ “فيلق أفريقيا” في دعم حكومة النيجر إبان اضطرابات مسلحة، تجسّد بوضوح تغير طبيعة التعاون الأمني لموسكو مع بعض العواصم الأفريقية. وهذا المسار يؤكد أن التنافس في أفريقيا لم يعد يقتصر على الأسواق التجارية، بل بات الأمن وبقاء الأنظمة السياسية جزءاً لا يتجزأ من حلبة الصراع.
سبل توسيع رقعة الحضور والنفوذ الإيراني في أفريقيا
وتشكّل هذه الظروف سيفاً ذا حدين لإيران؛ فهي فرصة وتهديد في آن واحد. فرصة لأن تعدد الفاعلين يتيح للدول الأفريقية تنويع شركائها، ويمكن لإيران أن تجد لنفسها مكاناً في هذه السلة. وتهديد لأن طهران تضطر لخوض غمار المنافسة مع قوى تمتلك موارد مالية واستثمارية وقدرات دبلوماسية أضخم بكثير، سعياً وراء ترسيخ مكانة مؤثرة.
لذا، لعل الميزة الأبرز لإيران في القارة السمراء لا تكمن في ضخامة رأس المال، بل في قدرتها على نسج شراكات قليلة التكلفة وتلبي في الوقت عينه احتياجات الدول الأفريقية. فالطائرات المسيّرة، والمعدات الدفاعية، والأدوية، والخدمات الهندسية، والآلات، والتكنولوجيا الزراعية، فضلاً عن خبرة الصمود في وجه العقوبات، يمكن أن تكون ميادين تتفوق فيها إيران نسبياً.
غير أن هذه الميزة لن تستحيل نفوذاً راسخاً ما لم تُتوّج بتجارة حقيقية قائمة على أرض الواقع؛ فقد أثبتت تجربة العلاقات الخارجية الإيرانية في كثير من المحطات أن الإعلان عن اتفاقيات رنانة لا يعني بالضرورة وضعها موضع التنفيذ، وأفريقيا ليست استثناءً من هذه القاعدة. فإذا عجزت العلاقات السياسية عن إنعاش التجارة، وخلق استثمارات مشتركة، وتدشين خطوط نقل، وتذليل العقبات المصرفية، وتفعيل دور القطاع الخاص، فإن أثرها سيبقى محدوداً وعابر الآفاق.
وفي هذا السياق، يبرز الاتحاد الأفريقي كعنصر بالغ الأهمية. فإذا كان للسياسة الأفريقية لإيران أن تتجاوز عتبة العلاقات الثنائية، فلا بد لها من استيعاب عميق للهياكل القارية. لا يمكن وصف دواء واحد لجسد يتألف من 54 دولة تتباين مصالحها وأنظمتها السياسية وتوجهاتها. إن الانفتاح على المؤسسات والمحافل الأفريقية المشتركة، بموازاة توطيد العلاقات الثنائية، من شأنه أن يمنح طهران القدرة على الارتقاء بصورتها من مجرد لاعب ذي صبغة أمنية، إلى شريك سياسي واقتصادي موثوق.
كما ينبغي ألا تسقط منطقة الجنوب الأفريقي من الحسابات الإيرانية. فالتمدد من شمال أفريقيا نحو شرقها وغربها وجنوبها، وصولاً إلى حوض المحيط الهندي، إن اقترن برؤية استراتيجية بعيدة المدى، يمكن أن يرسم ملامح مغايرة للسياسة الإيرانية في القارة. ولا يكمن الهدف من وراء ذلك بالضرورة في إيجاد موطئ قدم عسكري، بل في نسج شبكة معقدة من الروابط الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية والأمنية، لتكون لإيران بمثابة درع وعمق استراتيجي وقت الأزمات.
من ناحية أخرى، لا بد من التحذير من مغبة الوقوع في خطأ استراتيجي فادح؛ ألا وهو النظر إلى أفريقيا من منظور المواجهة مع الغرب فحسب. فالدول الأفريقية كيانات مستقلة وذات سيادة، والكثير منها غير مستعد للتضحية بعلاقاته مع واشنطن أو أوروبا قرباناً للتقارب مع طهران. بل إن الدول الناقمة على السياسات الغربية قد تفتح أذرعها للتعاون المتزامن مع الصين وروسيا وأمريكا وأوروبا وتركيا والهند وإيران.
وعليه، فإن نجاح السياسة الإيرانية في أفريقيا مرهون بقدرة طهران على تقديم عروض تعاون جذابة وقابلة للتطبيق، أكثر من ارتهانها للشعارات المناهضة للغرب.
وختاماً، يمكن لأفريقيا أن تؤدي ثلاثة أدوار متوازية لصالح إيران؛ لتكون سوقاً، وشريكاً سياسياً، وعمقاً جيوسياسياً. “السوق” هنا تعني الدخول إلى ديموغرافيا واقتصاد متناميين، و"الشريك السياسي" يعني كسب حلفاء جدد يتيحون لطهران نسج علاقات بمنأى عن ضغوطات الغرب، أما “العمق الجيوسياسي” فيترجم بتوسيع رقعة شبكة التواصل الإيراني على امتداد البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي.
ولكن بلوغ هذه الغايات الثلاث يقتضي تغييراً جذرياً في الرؤية؛ فإذا نظرت إيران إلى أفريقيا كمعرض لبيع السلع أو المعدات، فإنها ستتخلف عن ركب المنافسة المحموم مع الصين وتركيا والهند وغيرها. وإذا اعتبرتها مجرد ساحة لتصفية الحسابات الأمنية مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، فإنها ستفرّط بجزء كبير من كنوزها الاقتصادية والاجتماعية. فالاستراتيجية الأنجع تتجسد في مزيج متناغم بين القوة الصلبة والناعمة، بين التجارة والتكنولوجيا، بين الدبلوماسية الرسمية وحيوية القطاع الخاص، وبين العلاقات الثنائية والعمل القاري المشترك. وفي نموذج كهذا، يغدو التعاون الدفاعي مجرد أداة من أدوات الاستراتيجية، وليس الاستراتيجية بأكملها.
ومن هذا المنطلق، فإن الرهان الأكبر لطهران لا يكمن في “فتح” أفريقيا، بل في إرساء موطئ قدم راسخ ومستدام في قارة صاعدة. قارة تعجّ اليوم بصراعات النفوذ بين كبريات قوى العالم، ويُتوقع لها أن تتربع في العقود القادمة على عرش أهم مراكز النمو الاقتصادي والديموغرافي في العالم.
وإذا تمكنت إيران، قبل أن تتبلور الخارطة النهائية لتوزيع القوى الجديد، من تحويل علاقاتها مع الدول الأفريقية من مجرد اتفاقيات ظرفية عابرة إلى شبكة متينة من المصالح المتبادلة، فإن أفريقيا قد ترتقي من مجرد مساحة طرفية في السياسة الخارجية الإيرانية إلى إحدى ركائز تنويع علاقات البلاد الخارجية.
حينئذٍ، لن تُقاس القيمة الاستراتيجية لأفريقيا بالنسبة لإيران بعدد الطائرات المسيّرة المُباعة أو الاتفاقيات المبرمة، بل بمدى صلابة شبكة الروابط الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية والثقافية، تلك الشبكة القادرة على تبديد جزء من العزلة الخارجية وتكريس حضور إيران في إحدى أهم ساحات التنافس العالمي.
