الوقت- في اعتراف رسمي نادر بصراحته، كشف مسؤول إسرائيلي، في تصريحات نقلتها القناة الإسرائيلية الثالثة عشرة، أن تل أبيب حصلت على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة لمواصلة سياسة الاغتيالات داخل قطاع غزة، شريطة تجنب إلحاق الأذى بالمدنيين، وذلك رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2025. ويؤكد هذا التصريح ما كانت قد أوردته هيئة البث الإسرائيلية سابقاً عن غطاء أمريكي مماثل لسياسة الاغتيالات، ما يكشف أن هذا الموقف ليس تسريباً معزولاً، بل سياسة ثابتة يعاد التأكيد عليها إعلامياً دون أي محاولة للتراجع عنها.
"الخط الأصفر": حد وهمي يتحول إلى أداة قتل ممنهج
يكشف هذا الاعتراف الأمريكي-الإسرائيلي عن الوظيفة الحقيقية لما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، الحد الفاصل الذي رسمه الجيش الإسرائيلي داخل القطاع عقب الاتفاق، والذي يفرض سيطرة نارية مباشرة على شريط يمتد لمسافات تتراوح بين 600 و1500 متر، ويشمل عملياً أكثر من نصف مساحة غزة، مانعاً سكانها من العودة إلى منازلهم. وقد وثّق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن ما يقارب ثلث الفلسطينيين الذين قتلهم الجيش الإسرائيلي منذ سريان الاتفاق سقطوا تحديداً في مناطق قريبة من هذا الخط، محذراً صراحة من أن مثل هذه العمليات تشكل عمليات قتل غير قانونية ترقى إلى مستوى جرائم حرب موصوفة. هذا التقاطع بين الاعتراف الإسرائيلي بالضوء الأخضر الأمريكي من جهة، والتوثيق الأممي لجرائم القتل قرب الخط الأصفر من جهة أخرى، يفضح أن ما يُقدَّم إعلامياً بوصفه إجراءً أمنياً مؤقتاً هو في جوهره أداة قتل ممنهج تعمل بتغطية دولية صريحة لا لبس فيها.
أرقام صادمة تناقض مصطلح وقف إطلاق النار
تكشف الحصيلة الرقمية لهذه الخروقات المستمرة حجم الفجوة الهائلة بين مصطلح "وقف إطلاق النار" ووقائع الميدان الفعلية، إذ أفاد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة بأن الاحتلال ارتكب، خلال الأشهر العشرة الأولى فقط من سريان الاتفاق، أكثر من 4091 خرقاً موثقاً، أسفرت عن استشهاد 1254 فلسطينياً وإصابة 4121 آخرين، فيما تضمنت هذه الخروقات استمرار القصف المباشر للمدنيين، والتوغل داخل مناطق القطاع، وتوسيع السيطرة خلف الخط الأصفر، إلى جانب عرقلة متكررة لدخول المساعدات الإنسانية والوقود. وقد شهدت الأسابيع الأخيرة تحديداً موجة اغتيالات متجددة أعادت طرح تساؤلات جدية حول مدى صمود التهدئة أصلاً، إذ يرى محللون متابعون للملف أن عودة الاغتيالات لا تنفصل عن معركة سياسية أوسع حول شكل المرحلة المقبلة، حيث تسعى إسرائيل عبر الضغط الميداني المستمر إلى تحسين موقعها التفاوضي وفرض شروطها قبل الانتقال إلى أي ترتيبات أكثر استقراراً في القطاع.
غطاء أمريكي يكشف زيف الوساطة المعلنة
يحمل هذا الاعتراف الإسرائيلي دلالة سياسية بالغة الخطورة تتجاوز حدود الحدث الميداني المباشر، إذ يضع الإدارة الأمريكية، التي قدّمت نفسها راعياً ووسيطاً رئيسياً لاتفاق وقف إطلاق النار، في موقع الشريك المباشر في استمرار انتهاكات هذا الاتفاق ذاته الذي أشرفت هي على صياغته. فحين يعترف مسؤول إسرائيلي رسمي بأن واشنطن منحت الضوء الأخضر لمواصلة الاغتيالات، فإن ذلك يعني عملياً أن دور الوسيط الأمريكي لم يكن يوماً حيادياً كما رُوِّج له، بل كان منحازاً بوضوح لصالح استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية طالما اقتصرت رسمياً على أهداف مشروعة وتجنبت، ولو شكلياً، استهداف المدنيين المباشر، وهو شرط فضفاض يسهل التحايل عليه في ظل واقع ميداني تختلط فيه الأهداف والضحايا المدنيون باستمرار كما تثبت الأرقام الموثقة.
اتهامات متبادلة وسط غياب آلية مساءلة حقيقية
في ظل هذا الواقع، تتبادل إسرائيل وحركة حماس الاتهامات بشأن المسؤولية عن استمرار الخروقات، فيما يبقى الاتفاق ذاته، الذي ينص على انسحاب الجنود الإسرائيليين ونزع سلاح حماس بالكامل ونشر قوة دولية وتشكيل هيئة حكم فلسطينية جديدة، متعثر التنفيذ في أبرز بنوده الجوهرية بعد أشهر طويلة من توقيعه. وقد أدانت الدول الوسيطة، ولو بلغة دبلوماسية فاترة، استمرار الانتهاكات الإسرائيلية، مطالبة الاحتلال بتنفيذ بنود الاتفاق كاملة ووضع حد لخروقاته المتواصلة، غير أن هذه الإدانات ظلت حبيسة البيانات الدبلوماسية دون أن تترجم إلى أي آلية مساءلة فعلية أو ضغط ملموس يوقف نزيف الدم المستمر، خصوصاً مع الاعتراف الإسرائيلي الصريح بوجود غطاء أمريكي مباشر يجعل من أي محاسبة دولية جادة أمراً بالغ التعقيد سياسياً.
اتفاق بلا محتوى: من يضمن حماية المدنيين الفعلية؟
في نهاية المطاف، يكشف هذا الاعتراف الإسرائيلي-الأمريكي أن ما يُسمى "وقف إطلاق النار" في غزة تحول عملياً إلى إطار سياسي مرن يتيح لإسرائيل مواصلة عملياتها العسكرية الانتقائية بغطاء دولي معلن، طالما التزمت بشرط شكلي يصعب التحقق من الالتزام الفعلي به على الأرض. فحين يتقاطع الاعتراف الرسمي بالضوء الأخضر مع توثيق أممي مستقل لجرائم حرب موصوفة قرب الخط الأصفر، يصبح من الصعب الحديث عن اتفاق سلام حقيقي بقدر ما يمكن الحديث عن هدنة منقوصة تُدار وفق مصالح الأطراف القوية فيها، بينما يبقى المدنيون الفلسطينيون الحلقة الأضعف التي تدفع الثمن يومياً. ويبقى السؤال الجوهري معلقاً: هل تملك المنظومة الدولية، في ظل هذا الانحياز الأمريكي المعلن، أي أداة فعلية لإجبار الأطراف على الالتزام الكامل بالاتفاق، أم أن غزة مرشحة للبقاء في هذه الحالة الهجينة بين حرب معلنة وسلام مزيف إلى أجل غير مسمى؟ فمع كل اغتيال جديد يُنفَّذ تحت غطاء "الضوء الأخضر"، ومع كل ضحية تسقط قرب "الخط الأصفر" دون محاسبة حقيقية، يزداد اتساع الفجوة بين ما وُقِّع على الورق في اتفاق يُفترض أن ينهي الحرب، وبين واقع ميداني لا يزال يحصد أرواح المدنيين يومياً بذريعة أمنية يسهل تمديدها إلى ما لا نهاية.
