الوقت - لم يكن يحيى السنوار في عيون الصهاينة مجرد قائدٍ في حركة حماس؛ بل كان طيفاً خرج من رحم سجون هذا الكيان، وعكف لسنوات على دراسة التركيبة الأمنية والسياسية لعدوه، ليتوّج مسيرته في سدة قيادة حماس بغزة، كأحد أبرز مهندسي عملية السابع من أكتوبر 2023؛ تلك العملية التي سُجلت كأكبر اختراق أمني في تاريخ "إسرائيل"، ووضعت بنيامين نتنياهو في مهب أزمة لا سابقة لها. نال السنوار الشهادة في نهاية المطاف على ثرى المعركة، لکن انتشار المشاهد التي وثّقت لحظاته الأخيرة، أسهم في نسج ملحمة جديدة من الصمود والمقاومة في وجدان محبيه.
السجن: خلوةٌ لسبر أغوار العدو
أبصر يحيى السنوار النور عام 1962 في مخيم خان يونس جنوبي قطاع غزة، لعائلة من اللاجئين الفلسطينيين الذين هُجروا في حرب 1948. نهل من معين العلم في الجامعة الإسلامية بغزة، وانخرط منذ ريعان شبابه في أتون العمل السياسي والتنظيمي. اعتُقل السنوار عام 1988، وقضت محاكم الكيان الصهيوني بسجنه أربعة مؤبدات، ليمضي نحو 22 عاماً من زهرة شبابه في زنازين الاحتلال. غير أن السجن لم يكن للسنوار مجرد قفص للأسر. فوفقاً لصحيفة الغارديان، استثمر سنوات أسره في إتقان اللغة العبرية، وعكف على قراءة الصحف والكتب، وسبر أغوار السياسة الداخلية للكيان الصهيوني. وهكذا، استحالت مساعي "إسرائيل" لتغييب وتدجين أحد أبرز الكوادر التنظيمية الفلسطينية إلى فرصة ذهبية أتاحت له التعرف عن كثب على مجتمع العدو وسياسته وبنيته الأمنية. لم يكن السنوار يقضي فترة حكمه فحسب، بل كان يعكف على دراسة خصمه بعين فاحصة.
من قيود الأسر إلى قيادة حماس في غزة
تنسّم السنوار عبير الحرية في عام 2011، ضمن صفقة تبادل شملت أكثر من ألف أسير فلسطيني مقابل الجندي الصهيوني الأسير جلعاد شاليط. شكّلت هذه الصفقة منعطفاً حاسماً في مسيرته السياسية؛ فالرجل الذي غُيّب في غياهب السجون لسنوات طوال، عاد ليتبوأ مقعده في الهرم القيادي لحركة حماس. ارتقى السنوار إلى عضوية المكتب السياسي لحماس في غزة عام 2012، ثم اعتلى سدة رئاسته عام 2017. ومستنداً إلى رصيده التنظيمي والأمني العتيد، غدا السنوار أحد أكثر شخصيات حماس نفوذاً، مؤدياً دوراً محورياً في صياغة القرارات السياسية والعسكرية للحركة، ليُعاد انتخابه رئيساً للحركة في غزة عام 2021. وقد برهن هذا الصعود اللافت على تحول السنوار من أسير محرر إلى قائد محوري، يُمسك بخيوط القرار السياسي والاستراتيجية العسكرية لحماس. وعقب استشهاد إسماعيل هنية في طهران في يوليو/تموز 2024، بايعته الحركة رئيساً لمكتبها السياسي، وهو منصب تُوّج به زعيماً أوحد للحركة على المستوى الكلي.
طوفان الأقصى: تحطيم أسطورة الكيان الذي لا يُقهر
مثّلت عملية “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر 2023 العلامة الفارقة والأبرز في حقبة قيادة السنوار. باغتت هذه العملية المنظومة الأمنية للاحتلال، حيث اجتازت قوات حماس العوائق الحدودية، واجتاحت المواقع العسكرية والمستوطنات الإسرائيلية، وأسرت عدداً كبيراً من الصهاينة. واستناداً للإحصاءات الرسمية للكيان الصهيوني، أسفر الهجوم عن مقتل نحو 1200 شخص واحتجاز أكثر من 250 كرهائن. وفي تقرير لها حول تحقيقات الجيش بشأن الهجوم، أشارت وكالة رويترز إلى أن المؤسسة العسكرية والاستخباراتية لهذا الكيان قد استخفّت بشدة بقدرات حماس ونواياها، وفشلت فشلاً ذريعاً في مهمة حماية المدنيين الإسرائيليين.
وهذا التقييم كشف النقاب عن حجم الانهيار الأمني في السابع من أكتوبر، حتى من منظور المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ذاتها. وتضاعفت الأهمية السياسية لهذا الإخفاق حينما تبيّن أن هذه الضربة القاصمة جاءت في عهد بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الذي طالما تغنّى بالأمن كأحد أبرز إنجازاته السياسية. لم تكتفِ “طوفان الأقصى” بنسف هيبة الأجهزة الاستخباراتية للكيان الصهيوني فحسب، بل عصفت أيضاً بمزاعم نتنياهو حول قدرته على ترويض حماس وضمان أمن الإسرائيليين، واضعةً إياها أمام أزمة وجودية. ومن هذه الزاوية، تجلى السنوار كمهندس للعملية التي سدّدت واحدةً من أعتى الضربات لسمعة ومكانة الكيان الصهيوني عبر تاريخه.
غزة: حربٌ لترميم هيبةٍ مفقودة
على إثر انكسار السابع من أكتوبر، شنّ نتنياهو حرباً شعواء متذرعاً بالقضاء على حماس واستعادة الرهائن، غير أن هذه الحرب، وما واكبها من دمار هائل لحق بغزة، استحالت إلى مأزق عميق هزّ المكانة السياسية والدولية للصهاينة. من الناحية التحليلية، يمكن قراءة حرب الصهاينة على غزة كمحاولة بائسة لاستعادة قوة الردع المتآكلة؛ محاولةٌ ما فتئت تكبّد هذا الكيان أثماناً باهظةً مع مرور الوقت. وقد أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في السابع من أكتوبر 2024، استناداً لبيانات وزارة الصحة في غزة، بأن آلة البطش الإسرائيلية حصدت أرواح أكثر من 41,600 فلسطيني، وأن الغالبية العظمى من سكان غزة قد تجرعوا مرارة النزوح مرةً واحدةً على الأقل.
ترسم هذه الأرقام المروعة صورةً جليةً للتكلفة البشرية لحربٍ أطلقها نتنياهو بغية اجتثاث حماس. ولم تقف تداعيات الحرب عند حدود غزة؛ بل امتدت لتشمل تصاعد التنديد العالمي، والضغوط القانونية الدولية، وتصدع علاقات تل أبيب مع شرائح واسعة من المجتمع الدولي، مما ضاعف من الفاتورة السياسية للعملية العسكرية. وفي السياق ذاته، أظهرت بيانات دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، التي نقلتها شبكة “سي بي إس” الأمريكية، أن 40,600 صهيوني غادروا البلاد هجرةً طويلة الأمد خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2024، وهو رقم يفوق نظيره في العام المنصرم بنسبة 59 بالمائة.
بالطبع، هذه الإحصائية لا تجزم بمفردها بأن الحرب كانت الدافع الأوحد لرحيل هؤلاء جميعاً. ونتيجةً لذلك، فإن الحرب التي شُنت لإنعاش هيبة الردع للكيان الصهيوني، أدت في المقابل المتزامن إلى تضخم تكاليفها البشرية والأمنية والدبلوماسية. ورغم قدرة الكيان الصهيوني على إلحاق دمار عسكري مروع بغزة، إلا أن هذا الخراب بحد ذاته لم يترجم إلى تحقيق كافة أهداف الحرب المعلنة.
الميدان الأخير: قيادةٌ حتى الرمق الأخير
ارتقى السنوار في نهاية المطاف شهيداً في 16 أكتوبر 2024 إثر اشتباك ضارٍ مع قوات الاحتلال في منطقة تل السلطان برفح. وتكمن الأهمية الرمزية لاستشهاده في أن فصله الأخير لم يُكتب في قاعة اجتماعات سياسية أو غرفة عمليات آمنة، بل بين جدران مبنى متداعٍ في قلب خطوط النار. وحسب تقرير لرويترز، فإن القوات الإسرائيلية، وخلال اشتباك مع مجموعة مسلحة، واجهت السنوار دون أن تدرك هويته في بادئ الأمر. ليقوم الجيش الإسرائيلي لاحقاً بتأكيد هويته بعد فحص الأدلة.
أظهرت المشاهد المنشورة للحظاته الأخيرة أن السنوار، رغم إصابته البالغة، صمد في المبنى المدمر، وردّ على طائرة مُسيّرة إسرائيلية بإلقاء عصا خشبية باتجاهها. تحولت هذه المشاهد في وجدان أنصاره الفلسطينيين إلى أيقونة تجسّد حضور القائد في ساحة المعركة؛ القائد الذي نال الشهادة، بعد أكثر من عام من الملاحقة، على ذات الثرى الذي جاهد من أجله. ومن منظور رمزي، تجاوزت صورة المقاومة الأخيرة للسنوار حدود مصيره الشخصي، لترتقي به إلى مرتبة بطلٍ أسطوري في مسيرة المقاومة الفلسطينية.
الصورة التي أُريد لها أن تنهي الأسطورة
كان الهدف من نشر جيش الاحتلال لمقاطع اللحظات الأخيرة للسنوار هو استعراض نهاية أحد أهم قادة حركة حماس؛ غير أن مشهد رجل مثخن بالجراح وسط الركام، يرمي طائرةً مسيرةً بعصا بيده النازفة، اكتسى دلالةً مغايرةً تماماً في عيون محبي فلسطين. فوفقاً لصحيفة الغارديان، بدت يد السنوار اليمنى في المشاهد مصابةً بشدة، وأكدت التقارير المتعلقة بلحظاته الأخيرة تعرضه لجراح بالغة واستمراره في الاشتباك رغم ذلك. وتفيد بعض الروايات المتداولة حول أيامه الأخيرة بأنه ظل لعدة أيام قبل استشهاده يتضوّر جوعاً دون طعام.
في الواقع، فإن الصهاينة الذين سعوا حثيثاً لأشهر طوال في اقتفاء أثر السنوار، قد أسهموا، عن غير قصد، في تضخيم صورته الرمزية عبر نشرهم لتوثيق وقت استشهاده. وفي الذاكرة الجمعية لأنصاره الفلسطينيين، لم يُخلّد السنوار كقائد شهيد فحسب، بل كقائد أبى مغادرة الميدان حتى اللحظة الأخيرة. أضحى السنوار رصيداً رمزياً للمقاومة الفلسطينية؛ رصيدٌ لا تعني التصفية الجسدية لصاحبه انطفاء جذوة تأثيره بالضرورة. ولئن أحدث استشهاده فراغاً آنياً في قيادة حماس على المدى القصير، إلا أن مشاهد لحظاته الأخيرة قد نُحتت في الذاكرة كملحمة خالدة من الصمود؛ ملحمة من شأنها أن تبقى نبراساً يُلهم الأجيال الفلسطينية القادمة.
