الوقت- تكشف التطورات الأخيرة في الضفة الغربية عن تحول خطير في طبيعة الاعتداءات التي يتعرض لها الفلسطينيون، بعدما أقرّ إعلام إسرائيلي بأن العنف الذي يمارسه المستوطنون لا يجري دائماً بصورة عفوية أو فردية، وإنما يحظى في بعض الحالات بتشجيع وتوجيه من سياسيين إسرائيليين. ويكتسب هذا الاعتراف أهمية خاصة لأنه يضع المسؤولية في إطار أوسع من مجرد تحميلها لمجموعات من المستوطنين، إذ يشير إلى وجود دعم سياسي يحفز على ارتكاب أعمال عنف وجرائم في الأراضي الفلسطينية. ووفق المعطيات الواردة، فإن هذا السلوك المنظم لم يعد يثير قلق الفلسطينيين وحدهم، بل وصل إلى درجة دفعت الجيش الإسرائيلي نفسه إلى الاعتراض على ما يجري. وهذا يعني أن الضفة الغربية تواجه واقعاً تتداخل فيه الاعتداءات الميدانية مع قرارات وتحركات سياسية توفر للمعتدين شعوراً بالحماية، وتفتح أمامهم مساحة أوسع للتحرك، بما يجعل العنف جزءاً من معادلة تتجاوز الحوادث المنفردة إلى مسار أكثر تنظيماً وخطورة.
قصرة نموذجاً على اتساع الظاهرة
تتضح خطورة هذا المسار بصورة مباشرة في منطقة قصرة شمال الضفة الغربية، حيث يقدّر الجيش الإسرائيلي وجود أكثر من 500 مستوطن إسرائيلي يشاركون في أعمال شغب وعنف في المنطقة، بدعم من عدد من السياسيين، بينهم مسؤولون وأعضاء في الحكومة الإسرائيلية. ولا تكمن دلالة هذا الرقم في حجمه فقط، وإنما في طبيعة الجهة التي تقف خلف هؤلاء المستوطنين، بحسب الاعترافات الواردة؛ فوجود دعم سياسي من مسؤولين رسميين يحول المسألة من نشاط محدود تقوم به مجموعة خارجة عن القانون إلى ظاهرة تمتلك غطاءً سياسياً. وفي مثل هذه الظروف، يصبح الفلسطينيون أمام قوة مزدوجة: مستوطنون يمارسون العنف على الأرض، وشخصيات سياسية قادرة على توفير الدعم والتسهيلات والحماية. كما أن اختيار قصرة ليس تفصيلاً عابراً، لأن ما يجري فيها يعكس بصورة عملية كيف يمكن للتنسيق بين النشاط الاستيطاني والدعم السياسي أن يحوّل منطقة فلسطينية إلى ساحة ضغط مستمر على سكانها، ويزيد من صعوبة حماية المدنيين وممتلكاتهم وأراضيهم.
وعود بالإفراج تكسر مفهوم الردع
الأخطر في الاعترافات الإسرائيلية لا يتعلق فقط بتشجيع المستوطنين على أعمال العنف، وإنما أيضاً بالضمانات التي قيل إن سياسيين إسرائيليين قدموها لهم. فبحسب ما أعلنه الجيش الإسرائيلي، تلقى هؤلاء المستوطنون وعوداً من مسؤولين وسياسيين بأنهم، في حال اعتقالهم، سيتم الإفراج عنهم في أسرع وقت ممكن. وإذا صحّ هذا التوصيف، فإنه يكشف عن مشكلة جوهرية تتعلق بمفهوم سيادة القانون والردع؛ إذ إن المعتدي الذي يعرف مسبقاً أن اعتقاله لن يؤدي بالضرورة إلى محاسبة فعلية، يصبح أقل تردداً في ارتكاب المزيد من الاعتداءات. وهنا يتحول الإفلات من العقاب من نتيجة لاحقة للجريمة إلى عامل يشجع على وقوعها مسبقاً. كما أن وجود ضمانات سياسية من هذا النوع يبعث برسالة خطيرة إلى الفلسطينيين، مفادها أن الحماية القانونية لم تعد متساوية في الميدان، وأن من يمتلك الغطاء السياسي يستطيع ممارسة العنف مع توقع محدود للعواقب.
الاستيطان يوسّع مهمة الجيش ويعمّق الأزمة
ولا تنحصر المسألة في الاعتداءات المباشرة، إذ يكشف بيان الجيش الإسرائيلي عن جانب آخر أكثر اتساعاً يتعلق بالتوسع الاستيطاني نفسه. فقد أشار إلى أن البنية السياسية الإسرائيلية أسهمت في إقامة 104 مستوطنات جديدة و150 مزرعة منفردة في الضفة الغربية، على أراضٍ فلسطينية، وهو ما أدى عملياً إلى توسيع نطاق المهام الملقاة على عاتق الجيش الإسرائيلي بصورة كبيرة. والنتيجة، وفق هذا الطرح، هي الحاجة إلى زيادة عدد الكتائب العاملة في الضفة لمواكبة الواقع الذي فرضه هذا التوسع. وهذه النقطة تكشف مفارقة واضحة: فبدلاً من أن يؤدي الانتشار الاستيطاني إلى تعزيز الاستقرار، فإنه يزيد التوتر ويخلق احتياجات أمنية جديدة مرتبطة بحماية هذا الانتشار ومواجهة تداعياته. وبذلك يصبح الجيش جزءاً من منظومة تتوسع باستمرار، فيما يؤدي القرار السياسي بإنشاء المزيد من المستوطنات والبؤر إلى زيادة الاحتكاك مع الفلسطينيين، وتعقيد المشهد الأمني، ورفع احتمالات وقوع المزيد من المواجهات والاعتداءات.
من حماية المستوطنات إلى تغيير الواقع الفلسطيني
عند جمع هذه المعطيات معاً، يظهر أن القضية تتجاوز مجرد خلاف بين الجيش والمستوطنين حول أساليب التعامل مع الفلسطينيين. فإقامة المستوطنات والمزارع الجديدة على الأراضي الفلسطينية، بالتوازي مع وجود مجموعات كبيرة من المستوطنين تمارس العنف وتحصل على دعم سياسي، يمكن أن تؤدي إلى تغيير تدريجي للواقع على الأرض. فالاستيطان لا يضيف مباني جديدة فحسب، وإنما يخلق وجوداً بشرياً دائماً يحتاج إلى طرق ومساحات وحماية وانتشار عسكري، ثم تتحول هذه المتطلبات إلى وقائع جديدة يصعب التراجع عنها. وفي المقابل، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام تقلص متواصل في المساحة المتاحة لهم، وارتفاع في مستوى الضغط على تجمعاتهم وأراضيهم. ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين التوسع الاستيطاني والعنف؛ فكلما توسع الوجود الاستيطاني، ازداد الاحتكاك، وكلما تكررت الاعتداءات، ارتفع الضغط على السكان الفلسطينيين، ما يفتح الباب أمام واقع جديد تصبح فيه السيطرة على الأرض نتيجة مباشرة لتراكم هذه الخطوات.
الضفة أمام مسار سياسي يتجاوز حدود الجريمة
إن أخطر ما تكشفه هذه التطورات هو أن العنف في الضفة الغربية لا يمكن قراءته بمعزل عن المسار السياسي والاستيطاني الذي يجري على الأرض. فالاعتراف بوجود تشجيع وتوجيه من سياسيين إسرائيليين، إلى جانب الحديث عن وعود بالإفراج عن المعتقلين، ووجود مئات المستوطنين المشاركين في أعمال العنف، والتوسع في إنشاء المستوطنات والمزارع على الأراضي الفلسطينية، يرسم صورة متكاملة لمسار يضعف الردع ويزيد من قدرة المستوطنين على فرض وقائع جديدة. كما أن زيادة أعداد الكتائب العسكرية المطلوبة في الضفة نتيجة التوسع الاستيطاني تكشف حجم الأعباء التي ينتجها هذا النهج حتى داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. وفي النهاية، لا تبدو المسألة مجرد اعتداءات متفرقة يمكن احتواؤها بإجراءات أمنية مؤقتة، بل جزءاً من أزمة أوسع تتعلق بمن يملك القدرة على فرض الواقع على الأرض ومن يدفع ثمنه. وإذا استمر هذا المسار، فإن الضفة الغربية ستبقى أمام دوامة تتداخل فيها السياسة والاستيطان والعنف، بما يهدد بتحويل الاعتداءات من أحداث استثنائية إلى أداة دائمة لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني.
