الوقت - بالأمس القريب، أفادت شبكة “إن بي سي نيوز”، نقلاً عن سبعة مسؤولين أمريكيين وغربيين، حاليين وسابقين، بأن البنتاغون يعكف على دراسة خطة لسحب عتاد عسكري يشمل طائرات وسفناً وأسلحة، ناهيك عن سحب عشرات الآلاف من الجنود من القارة العجوز. ويُقدر هذا الخفض بنحو ثلث القوات المتمركزة هناك، أي ما يقارب 25 ألف جندي، وهو رقم قد يرتفع بحسب بعض الروايات ليلامس عتبة الـ 40 ألفاً.
وحال وُضعت هذه الخطة موضع التنفيذ، فإنها ستمثل أكبر تقليص للوجود العسكري الأمريكي في أوروبا منذ حقبة ما بعد الحرب الباردة في تسعينيات القرن الماضي.
وقد رفع الجنرال “أليكسوس غرينكويتش”، قائد القوات الأمريكية في أوروبا والقائد الأعلى للناتو، تقييمه الأولي إلى وزير الدفاع “بيت هيغسيث”، على أن تُعلن التوصية النهائية بحلول السادس من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
ومما لا شك فيه أن التسريب الإعلامي لهذه الخطة لم يأتِ من فراغ، بل هو تتويج لمسار بدأ في يونيو (حزيران) من العام الجاري، إثر صدور قرار بإجراء مراجعة شاملة، مدتها ستة أشهر، لانتشار القوات الأمريكية في أوروبا.
وقد صرح “إلبريدج كولبي”، المسؤول الاستراتيجي في البنتاغون، بأن الهدف من هذه المراجعة هو ضمان تحرك الناتو، بخطى حثيثة لا رجعة فيها، نحو تحمّل أوروبا المسؤولية الكبرى في الدفاع التقليدي. ويُطلق كولبي على هذه الرؤية اسم “الناتو 3.0”؛ وهو تحالف تتكفل فيه أوروبا بتوفير جُلّ القدرات التقليدية، بينما تكتفي الولايات المتحدة بلعب دور الضامن النووي والداعم الاستراتيجي.
ووفقاً للتقارير، ستكون ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا صاحبة النصيب الأكبر من هذا الخفض، في حين يُرجح نقل جزء من القوات إلى دول الجناح الشرقي للحلف. وهو مسار يؤكده إعلان “ترامب” عن إحراز تقدم في المفاوضات الرامية إلى إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية دائمة في بولندا.
حرب إيران؛ عامل تسريع وتيرة الانقسامات
غير أن أحد أبرز العوامل التي سرّعت وتيرة الصدع بين أوروبا وأمريكا في المشهد الراهن، هو “حرب إيران”. فقد أشعلت واشنطن فتيل هذه الحرب دون التشاور مع حلفائها الأوروبيين، الذين بدورهم، وبطبيعة الحال، نأوا بأنفسهم عن المشاركة فيها. إذ حظرت إسبانيا استخدام قواعدها لشن هجمات على إيران، فيما امتنعت فرنسا عن منح حقوق العبور الجوي لبعض الرحلات العسكرية الأمريكية.
وفي اجتماع عُقد ببروكسل في شهر يونيو (حزيران)، تحدث “هيغسيث” بنبرة غير مسبوقة، مشيراً إلى أنه عندما طلبت أمريكا استخدام القواعد الأوروبية، قوبلت بـ “لا” مدوية من عدد كبير من الحلفاء، واصفاً هذا السلوك بـ “المخزي”. من جانبه، نعت “ترامب” حلف الناتو بأنه “نمر من ورق”، متهماً الدول الأعضاء بالجبن. كما أُعلن عن سحب خمسة آلاف جندي من ألمانيا غداة انتقادات وجّهها المستشار الألماني “فريدريش ميرتس” للاستراتيجية الأمريكية في هذه الحرب؛ في ربط جليّ لا لبس فيه بين الخلاف السياسي والعقاب العسكري.
لقد اتخذ منطق “الثواب والعقاب” الأمريكي طابعاً مؤسسياً خلال الشهر الماضي. فاستناداً إلى وثيقة حصلت عليها وكالة “بلومبرغ”، عمّمت واشنطن استبياناً على أعضاء الناتو يقيس مدى الدعم العلني الذي تقدمه كل دولة للسياسة الخارجية الأمريكية، والقيود المفروضة على استخدام العسكريين الأمريكيين للقواعد، وحجم المشتريات من مقاولي الدفاع الأمريكيين. وقد نظر الحلفاء إلى هذه الخطوة على أنها محاولة لابتزازهم وإجبارهم على إثبات الولاء الأيديولوجي نظير الحماية العسكرية الأمريكية. بل إن محللين أمريكيين حذروا من أن مثل هذه الإحصاءات تخلط بين الشراكة العسكرية والتبعية السياسية، وتذكي نار المنافسة بين الحلفاء في لحظة حرجة يتطلب فيها الانتقال إلى نموذج “محوره أوروبا” قدراً أكبر من التماسك والتلاحم.
الخلافات داخل الناتو؛ الوجه الآخر لحرب تجارية
لا يقل البُعد الاقتصادي لهذا الصراع ضراوةً عن بُعده العسكري. ففي وثيقة قُدمت للمشرعين الأوروبيين الأسبوع الماضي، لوّحت أمريكا مهددةً بأنه في حال لم تُحذف بنود “التفضيل الأوروبي” من الميزانية طويلة الأجل للاتحاد، فإنها ستراجع كافة خيارات الرد، بما في ذلك إلغاء الإعفاءات الممنوحة بموجب قانون “اشترِ المنتج الأمريكي” ضمن اتفاقيات المشتريات الدفاعية المتبادلة مع 19 دولة من أصل 27 عضواً. وبذلك، أضحى إعادة التموضع العسكري والحرب التجارية حول الصناعات الدفاعية وجهين لعملة واحدة؛ فواشنطن تطالب أوروبا، في مفارقة عجيبة، بتحمل قسط أكبر من الإنفاق الدفاعي، وتقليص حصة الصناعات الأوروبية في العقود في آن واحد.
في المقابل، لم يقف الأوروبيون مكتوفي الأيدي. فقد تمخض اجتماع أنقرة في شهر يوليو (تموز) عن توسيع أسطول طائرات التزود بالوقود من طراز A330، وشراء مشترك لطائرات “ترايتون” المسيرة وطائرات “غلوبال آي”، وإطلاق مبادرة “الضربة الدقيقة في العمق” بمشاركة 12 حليفاً وبتعهدات تقارب الـ 50 مليار دولار. وفي خطابها السنوي في 16 سبتمبر (أيلول) الجاري، اقترحت رئيسة المفوضية الأوروبية “أورسولا فون دير لاين” تشكيل مجلس أمن أوروبي بمشاركة الاتحاد الأوروبي وكندا والنرويج وبريطانيا، إلى جانب وضع آلية طوارئ على غرار المادة الرابعة من ميثاق الناتو. وسيكون مشروع منظومة الدفاع الصاروخي “فريا”، بمشاركة 9 دول أوروبية بالإضافة إلى أوكرانيا، كبديل أقل تكلفةً لمنظومة باتريوت، بمثابة الاختبار العملي لهذا التحول في المسار.
هل تبدو أوروبا مستعدةً للاستقلال الدفاعي عن أمريكا؟
وهنا يتجلى عامل الوقت كمعضلة جوهرية؛ إذ حذّر “المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية” (IISS) في أحدث تقييماته من أن القوات البرية الأوروبية لم تبلغ بعدُ مرحلة العمود الفقري الذي يحتاجه الناتو، مستبعداً سدّ النقص الحاصل في الكوادر البشرية، والمدفعية، والدفاع الجوي، وذخائر الأسلحة قبل نهاية العقد الجاري.
ويتحدث المعهد عن نوع من التفاوت وعدم التكافؤ بين القدرات والزمن المتاح، مسلطاً الضوء على القصور في قدرات إمداد الجناح الشرقي بالوقود، والإخلاء الطبي، والنقل بالسكك الحديدية للمدرعات الثقيلة، ومعدات بناء الجسور المتنقلة. كما أن أوروبا، في مجالات القيادة والسيطرة المدمجة، ودمج الاستخبارات الاستراتيجية، والدفاع الصاروخي المتطور، لا تزال تفتقر إلى بديل يضاهي الكفاءة الأمريكية.
ختاماً، يجب القول إن حلف الناتو لا يقف على حافة الانهيار، بل يمر بمخاض التحول نحو هيكل مزدوج المعايير؛ هيكل تُمنح فيه بولندا قاعدة دائمة، بينما تُعاقب فيه إسبانيا. إن الخطر الوجودي للناتو لا يكمن في انسحاب أمريكا، بل في الهوة الزمنية بين انحسار القوة الأمريكية وتنامي القوة الأوروبية؛ وهي فترة انتقالية قد تشكّل فرصةً ذهبيةً لموسكو. لم يعد الاستقلال الاستراتيجي لأوروبا اليوم خياراً تكتيكياً ترفياً، بل أضحى رد فعل استراتيجي واضطراري حيال انعدام الثقة المتجذر.
