الوقت - تتمحور الحجة الأساسية التي تسوقها نويبرغر حول أن الحرب السيبرانية الصينية لم تعد تقتصر على اختراق الشبكات، أو سرقة البيانات، أو التجسس الرقمي، بل إن بكين تتجه نحو مرحلة جديدة تستغل فيها الاعتماد الرقمي للدول الأخرى بوصفه ورقة ضغط استراتيجية.
ووفق هذا النموذج، لا يكمن الهدف بالضرورة في تدمير شبكة الخصم، بل تسعى الصين إلى ترسيخ وجودها في نقاط محورية من البنية الرقمية، بحيث يؤدي أي خلل فيها إلى تداعيات واسعة النطاق تطال الاقتصاد والاتصالات، بل والقدرة العسكرية للدولة المستهدفة.
وبعبارة أبسط، تمامًا كما يمكن لدولة أن تتحكم في تدفق الطاقة والتجارة عبر السيطرة على مضيق بحري، فإن بإمكان الصين، من خلال التحكّم في “نقاط الاختناق الرقمية” أو التسلل إليها، أن تُعطّل تدفق البيانات والاتصالات والخدمات الحيوية.
ومن بين المخاوف الجوهرية الأخرى، تركيز الصين على بنى تحتية لا تحمل طابعًا عسكريًا ظاهريًا، لكنها حيوية لسير عمل أي دولة، ومنها: شبكات الكهرباء، وأنظمة إمدادات المياه، والاتصالات، والنقل، والموانئ، وخطوط الأنابيب، ومراكز البيانات، والشبكات المالية، وأنظمة التحكم الصناعي.
وحذّرت نويبرغر في تصريحاتها من أن الصين نجحت في إنشاء مواطئ قدم أولية داخل البنى التحتية المدنية لدول عدّة، قد تُستخدم في الظروف الاعتيادية لأغراض استخباراتية، لكنها قد تتحول في زمن الأزمات العسكرية إلى أدوات تخريب فعلية.
ولهذا السبب، قد تتمكّن الحرب السيبرانية المقبلة من عرقلة الحياة اليومية للناس دون إطلاق رصاصة واحدة؛ فعلى سبيل المثال، يمكن أن تشهد شبكات الكهرباء اضطرابًا، وتتوقف مضخات المياه عن العمل، وتُصاب أنظمة التحكم المروري بالخلل، أو تنقطع سبل الاتصال.
وترى نويبرغر أن إحدى أهم مزايا الصين في المجال السيبراني تعود إلى بنيتها السياسية ذاتها؛ إذ تتمتع الحكومة الصينية بقدرة رقابية واسعة النطاق على الشبكات الداخلية، فيما يخضع جزء كبير من البنى التحتية الحيوية لسيطرتها المباشرة أو غير المباشرة.
في المقابل، تُدار كثير من البنى التحتية الأمريكية من قِبَل شركات خاصة، ما يحدّ من قدرة الحكومة على مراقبة شبكاتها بالطريقة ذاتها.
وفي ختام تحليلها، تُطلق نويبرغر تحذيرها الأخير: إن الحرب السيبرانية المقبلة لن تشبه بالضرورة الهجمات الهكرية التقليدية. فقد تتمكن الصين من التسلل إلى الشبكات الحيوية للخصم قبل سنوات من اندلاع أي أزمة عسكرية، لترسّخ موطئ قدمها فيها بهدوء وصبر. وعندما تندلع الأزمة، فإنها لن تتجه بالضرورة إلى مهاجمة الأهداف العسكرية مباشرةً، بل ستقصد تلك النقاط التي يعتمد عليها المجتمع والاقتصاد في مفاصلهما الحيوية.
