الوقت - بينما تُصوّر وسائل الإعلام الغربية والعربية، في تغطيتها الإخبارية عن سوريا بعد وصول الجماعات المسلحة إلى السلطة، تطورات البلاد على أنها مسار للتنمية والازدهار والاستقرار، إلا أنه في أقل من عامين، لم يشهد القطاع الاقتصادي أي انفتاح، بل ظهرت مؤشرات جديدة على استياء اجتماعي حاد في البلاد.
على الرغم من أن الاحتجاجات انطلقت على مدار الـ 21 شهرًا الماضية ردًا على ما وُصف بالتمييز ضد الأقليات الدينية، إلا أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أشعل الآن موجة جديدة من الاحتجاجات.
في هذا السياق، اندلعت موجة جديدة من الاحتجاجات في عدة مدن سورية عقب ارتفاع حاد في أسعار البنزين والديزل يوم الأحد (12 سبتمبر/أيلول)، مما يُظهر مجدداً عجز حكومة أحمد الشرع، الملقب بـ"أبو محمد الجولاني"، عن تلبية المطالب الشعبية.
وتجمّعت المتظاهرين في مناطق من حلب وإدلب وحماة والحسكة والرقة ودير الزور، وأحرقوا الإطارات وقطعوا الطرق، بما فيها الطريق الرئيسي بين دمشق وحلب، احتجاجاً على ارتفاع الأسعار. ووصفت وكالة رويترز هذه الاحتجاجات بأنها أوسع موجة احتجاجات تشهدها سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد قبل عامين.
وبدأت هذه الاحتجاجات بعد أن رفعت حكومة الجولاني سعر الديزل بنسبة 40% ليصل إلى 175 ليرة، أي ما يعادل 1.32 دولاراً أمريكياً للتر الواحد. ولم يقتصر ارتفاع الأسعار على الديزل فقط، بل شمل أيضاً الغاز المنزلي والصناعي بنسبة 9% تقريباً. ارتفع سعر البنزين ذي الأوكتان 95 بنسبة 28% ليصل إلى 195 ليرة، كما ارتفع سعر البنزين ذي الأوكتان 90 بنسبة 26% ليصل إلى 185 ليرة.
وأعلنت الحكومة السورية أن رفع الأسعار إجراء مؤقت، وأوضحت وزارة الطاقة أن الارتفاع الحاد في تكلفة توريد المنتجات البترولية في السوق العالمية، وزيادة تكاليف النقل والتأمين، بالإضافة إلى أعمال الصيانة الكبيرة في مصفاة بانياس، أجبرت الحكومة على رفع الأسعار. إلا أن المحتجين يقولون إن زيادة أسعار الوقود ستزيد من الضغوط الاقتصادية على الأسر في وقت يعاني فيه جزء كبير من السكان من الفقر وانخفاض القدرة الشرائية.
وفي بعض المناطق، تجاوزت الاحتجاجات مسألة أسعار الوقود لتشمل الأداء الاقتصادي للحكومة. وطالب عدد من المحتجين بإقالة وزير الطاقة، ووزير الاقتصاد، ورئيس شركة النفط السورية. كما دعا بعض المحتجين أحمد الشرع إلى حث الحكومة على التركيز على خفض تكلفة المعيشة.
تصاعدت الاحتجاجات إلى حدّ توقيع عدد من النواب السوريين عريضةً مشتركةً تدعو إلى اجتماع عاجل مع وزير الطاقة محمد البشير.
عدم جدوى خطط حكومة الجولاني
لا تُعدّ الاحتجاجات الأخيرة، التي اندلعت في عدة مدن سورية عقب ارتفاع حاد في أسعار الوقود، مجرد رد فعل على ارتفاع أسعار البنزين والديزل، بل يُمكن اعتبارها مؤشراً على تراكم السخط الاقتصادي والفجوة بين وعود الحكومة وواقع حياة الناس.
يأتي هذا الوضع في وقتٍ واجهت فيه حكومة الجولاني فرصةً غير مسبوقة لإخراج سوريا من عزلتها الاقتصادية منذ توليها السلطة. فقد خُففت نسبة كبيرة من العقوبات الاقتصادية الغربية، وتزايدت التفاعلات الإقليمية، وأصبح مسار تدفق رؤوس الأموال وبدء مشاريع إعادة الإعمار أكثر سلاسة. ومع ذلك، لا تزال آثار هذه الانفتاحات غائبة عن مستويات معيشة شريحة واسعة من المجتمع.
وتُشير دراسات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر. هذا بينما كان الرقم المذكور آنفًا يُمثل نحو ثلث السكان قبل اندلاع الحرب الأهلية السورية عام ٢٠١١.
يعتقد بعض المحللين أن ارتفاع أسعار الوقود لم يكن سوى الشرارة التي أشعلت فتيل السخط المتراكم على مدى ٢١ شهرًا الماضية. يقول الباحث السياسي مضر الدبس، معلقًا على الاحتجاجات الأخيرة: "لم يكن بدء الاحتجاجات الشعبية ردًا على ارتفاع أسعار الوقود مفاجئًا، وكان من المتوقع حدوثها عاجلًا أم آجلًا. لقد تراجعت ثقة الشعب السوري بالنظام منذ اليوم الأول، وهذا مرتبط بآليات العمل السياسي أكثر من أي شيء آخر".
وأكد الخبير السوري: "شهدت سوريا قرارات مماثلة برفع أسعار الوقود من قبل، لكن لم تشهد حينها احتجاجات شعبية. أما الآن، فقد تراكمت سلسلة من حالات السخط والضغوط، ووجه المجتمع رسالة واضحة إلى النظام الحاكم مفادها أن ثقة الشعب تتلاشى، وأن الاعتماد على مفهوم النصر وحده لم يعد كافيًا لإقناع الرأي العام السوري".
لا تكمن مشكلة الحكومة في نقص الموارد فحسب، بل في تحويل الفرص الاقتصادية إلى تحسينات ملموسة في حياة الناس، إذ يُشكل ارتفاع أسعار الطاقة، في ظل انخفاض القدرة الشرائية للأسر، ضغطًا إضافيًا على تكاليف النقل والإنتاج والسلع الأساسية.
قبل أسابيع، حاول الجولاني، عبر دفع ثمن قهوته ببطاقة فيزا دولية ونشر صورها في وسائل الإعلام، إيصال رسالة مفادها أن سوريا في طريقها للخروج من عزلتها الاقتصادية والعودة إلى المجتمع الدولي. إلا أن مثل هذه المظاهر الإعلامية، وإن كانت تُعطي صورةً مُبشّرةً عن الأوضاع الاقتصادية في سوريا، لا يُمكنها تغيير واقع حياة الناس.
لا يُقيّم المواطنون السوريون الوضع الاقتصادي من خلال صور الكاميرات والإعلانات السياسية، بل من خلال قدرتهم الشرائية، وأسعار السلع، وما يُوفرونه لأسرهم يوميًا. بالنسبة لمن يُعانون من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع قدرتهم الاقتصادية، لا معنى للوعود السياسية والإعلانات الإعلامية إلا عندما يرون آثارها في حياتهم اليومية. وإلا، ستتسع الفجوة بين صورة الحكومة وواقع المجتمع يومًا بعد يوم.
من جهة أخرى، أظهرت تجربة سوريا بعد بشار الأسد أن التغيير السياسي والتقارب مع الغرب لم يُفضيا إلى إنهاء الأزمات الاقتصادية فحسب، بل استمر الفقر وعدم الاستقرار وضغوط المعيشة في إثقال كاهل الشعب، مما يُثير تساؤلات جدية حول التوازن بين تطبيع العلاقات مع الغرب وتحسين الرفاه العام.
الاقتصاد السوري الهش تحت اختبار قاسٍ
مع استمرار الاحتجاجات ضد ارتفاع أسعار الوقود في سوريا، وتضاؤل فرص تحسن الأوضاع، يُوضع الاستقرار الاقتصادي الهش للبلاد على المحك.
لا تقتصر المشكلة على أسعار الوقود فحسب، إذ يؤدي ارتفاع تكاليف الطاقة إلى زيادة تكلفة النقل والغذاء والخدمات.
وفي السياق نفسه، رفع سائقو سيارات الأجرة ووسائل النقل العام في مدينة حمص الأجرة بعد ساعات قليلة من إعلان الأسعار الجديدة، مما أثار مخاوف من أن تُنقل هذه الزيادة في أسعار الوقود إلى قطاع النقل، ثم إلى السلع الاستهلاكية، وأن يتحول السخط الاقتصادي سريعًا إلى سخط سياسي.
وفي هذا الجو المتوتر، يكتسب نشر لافتات كبيرة لبشار الأسد في بعض المناطق دلالة سياسية بالغة الأهمية.
قد لا تُفسَّر هذه الصور على أنها عودة أغلبية المجتمع لدعم الحكومة السابقة، لكنها قد تكون مؤشرًا على تغير في الرأي العام، لا سيما بين أولئك الذين توقعوا أن يؤدي سقوط الأسد وتولي الحكومة الجديدة السلطة إلى تحسن سريع في الوضع الاقتصادي والحياة اليومية.
يكشف هذا الواقع عن المفارقة المُرّة في سوريا اليوم، ألا وهي أن الحكومة التي وعدت بإنهاء فترة الأزمة وبدء مرحلة إعادة الإعمار تواجه الآن احتجاجات نابعة من مشاكل معيشية.
بالنسبة لشريحة من المجتمع، لم تعد مقارنة الأوضاع الراهنة بالماضي مجرد نقاش تاريخي، بل أصبحت معيارًا لقياس أداء الحكومة الجديدة.
من جهة أخرى، لم تتخذ الدول الداعمة للمسلحين والنظام الجديد، كتركيا والسعودية وقطر والدول الغربية، أي خطوات ملموسة في مجال الاستثمار وإعادة الإعمار في سوريا، رغم وعودها وعقدها اجتماعات عديدة مع قادة الحكومة الجديدة، وهذا ما يُعدّ انتقادًا آخر من الشعب.
في ظل هذه الظروف، إذا فشلت حكومة جولاني في تقليص الفجوة بين وعود إعادة الإعمار والواقع المعاش، فقد يُصبح الضغط الاقتصادي عاملًا يُقوّض الشرعية السياسية ويُفاقم الوضع الهش في سوريا، لأن ما يُحافظ في نهاية المطاف على استقرار أي بلد ليس الاتفاقات السياسية والوعود الخارجية فحسب، بل أيضًا شعور الشعب بالأمان الاقتصادي والأمل في المستقبل.
