الوقت ـ تقدّم المواطن الفرنسي-اللبناني محمد ح. بشكوى رسمية أمام القضاء الفرنسي، يتهم فيها إسرائيل بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، على خلفية مقتل أربعة من أفراد أسرته، بينهم والدته وشقيقته وطفلاها، في غارة جوية إسرائيلية استهدفت مبنى سكنياً في مدينة صور جنوبي لبنان، قبل دقائق من دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ ليلة 16-17 نيسان/أبريل الماضي. وتطالب الشكوى بملاحقة كل سلسلة المسؤولية، وصولاً إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
أودع المحامي إيمانويل داود، يوم الثلاثاء 30 حزيران، الشكوى لدى وحدة الجرائم ضد الإنسانية في محكمة باريس، نيابة عن موكله محمد ح.، المقيم في فرنسا، والذي فقد في الغارة والدته (61 عاماً)، وشقيقته (34 عاماً)، وطفليها (10 و4 أعوام)، وفقاً لوثائق الشكوى التي اطّلعت عليها صحيفة "لوموند" ووكالة فرانس برس.
وتروي الشكوى أن محمد ح.، الذي تلقّى الخبر في فرنسا، سافر فوراً إلى لبنان وعاين بنفسه حجم الدمار الذي خلّفته الغارة، التي دُمّر فيها المبنى بالكامل، وانتُشلت والدته حيّة من تحت الأنقاض قبل أن تفارق الحياة بعد أيام في المستشفى متأثرة بجروحها.
وتستند الشكوى إلى مدخلين قانونيين رئيسيين: أولاً، الجنسية الفرنسية للمدّعي وإقامته في فرنسا، مما يمنح القضاء الفرنسي صلاحية التدخل بموجب مبدأ "الاختصاص الشخصي"؛ وثانياً، مبدأ "الاختصاص العالمي"، الذي يتيح للقضاء الفرنسي ملاحقة أخطر الجرائم الدولية، مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، أينما وقعت. وتؤكد الشكوى أن الغارة نُفّذت "من دون أي إنذار مسبق، وبدون إثبات أن المبنى كان يُستخدم لغايات عسكرية"، مع العلم أن المنطقة كانت معروفة بطابعها المدني السكني.
وفي خطوة تتجاوز ملاحقة المنفذين المباشرين، يوضح المحامي إيمانويل داود أن الشكوى صيغت "للوصول إلى كل سلسلة المسؤولية"، من المخططين والآمرين إلى من وفّروا الغطاء السياسي والعسكري، وصولاً إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. ويؤكد داود أن "الأمن المشروع لدولة إسرائيل وسكانها لا يمكن أن يُبنى على أنقاض ودماء ودموع الشعب اللبناني. يجب وضع حد لهذه المجزرة وأن تنتهي حالة الإفلات من العقاب".
ولا تقف الشكوى عند واقعة صور المعزولة، بل تضعها في سياق أوسع، واصفةً إياه بـ"الحملة العسكرية الإسرائيلية واسعة النطاق والمنهجية"، مستندةً إلى تقارير أممية وحقوقية توثق نمطاً متكرراً من القصف على مناطق مدنية ومرافق صحية في لبنان، وتستحضر بشكل خاص يوم 8 نيسان/أبريل، الذي شهد أكثر من 100 غارة إسرائيلية خلال عشر دقائق، ما أسفر عن مقتل أكثر من 350 شخصاً في أحياء مدنية مكتظة.
وإذا قُبلت الشكوى، سيفتح القضاء الفرنسي تحقيقاً يتيح جمع الأدلة والاستماع إلى الشهود وتوسيع نطاق الملف، وهو ما يضع قادة إسرائيل تحت طائلة الملاحقة القضائية في فرنسا، التي سبق أن أصدرت مذكرات توقيف بحق مسؤولين سوريين على خلفية جرائم حرب بموجب الاختصاص العالمي.
تأتي هذه الشكوى الثانية من نوعها أمام القضاء الفرنسي ضد إسرائيل، بعد شكوى تقدّم بها الفنان الفرنسي-اللبناني علي شرّي لخسارته والديه في غارة على بيروت. ويؤكد المحامي داود أن تحركات قضائية مماثلة قد تُقدّم في الأشهر المقبلة، مشيراً إلى أن موكله لا يطلب الثأر، بل "إقامة العدالة، لأن حياة اللبنانيين مهمة، وحياة الأطفال اللبنانيين مهمة، وحياة النساء اللبنانيات مهمة"، وذلك في مسعى لردم الفجوة بين انتهاكات القانون الدولي وحصانة مرتكبيها.
