الوقت- لم تعد اليمن اليوم مجرد ساحة صراع إقليمي أو ملفاً هامشياً في حسابات القوى الدولية، بل تحولت إلى أحد أهم الفاعلين المؤثرين في معادلات الأمن والسياسة في غرب آسيا. فالتطورات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين، ولا سيما في ظل العدوان الإسرائيلي على غزة والتصعيد العسكري في البحر الأحمر، كشفت عن تحول نوعي في مكانة اليمن وقدراته العسكرية والسياسية. وقد برزت حركة أنصار الله بوصفها قوة تمتلك قرارها السيادي المستقل، وقادرة على صياغة استراتيجياتها الميدانية وفقاً لأولوياتها الوطنية والقومية، بعيداً عن الصورة النمطية التي سعت بعض الدوائر الغربية إلى تكريسها عبر توصيفها كـ«قوة بالوكالة». لقد أثبتت العمليات البحرية والصاروخية اليمنية أن صنعاء باتت تمتلك إرادة سياسية مستقلة، وأدوات ردع فعالة، وقدرة على التأثير في موازين القوى الإقليمية والدولية. وبات من الواضح أن أي قراءة مستقبلية لمشهد الحرب أو السلام في غرب آسيا لن تكون مكتملة دون الأخذ في الاعتبار الدور اليمني المتنامي، باعتباره طرفاً قادراً على فرض حضوره الميداني والسياسي، وصناعة معادلات جديدة تتجاوز حدود الجغرافيا اليمنية نحو فضاء إقليمي أوسع.
اليمن من ساحة مستهدفة إلى قوة إقليمية صاعدة
على مدى سنوات الحرب التي تعرض لها اليمن، سعت قوى إقليمية ودولية إلى تصوير البلاد باعتبارها ساحة نفوذ تتنازعها الأطراف الخارجية، غير أن الوقائع الميدانية أثبتت عكس ذلك. فقد استطاعت صنعاء، رغم الحصار والعدوان المستمرين، أن تبني منظومة عسكرية متطورة تستند إلى قدرات محلية وخبرات تراكمت خلال سنوات المواجهة. ولم يعد اليمن مجرد طرف يدافع عن حدوده، بل أصبح لاعباً يمتلك أدوات التأثير في أمن الممرات البحرية الدولية وفي حسابات القوى الكبرى. لقد كشفت العمليات التي استهدفت السفن المرتبطة بالكيان الصهيوني في البحر الأحمر وخليج عدن عن مستوى متقدم من القدرة على المبادرة وصناعة الحدث، حيث نجحت القوات اليمنية في فرض معادلات جديدة على حركة الملاحة الدولية، وأجبرت الولايات المتحدة وحلفاءها على إعادة النظر في خططهم العسكرية. كما أن استمرار هذه العمليات رغم التهديدات والهجمات الغربية يعكس امتلاك اليمن لإرادة سياسية مستقلة لا تخضع للضغوط الخارجية، الأمر الذي يؤكد أن صنعاء تجاوزت مرحلة الدفاع عن الذات إلى مرحلة التأثير المباشر في البيئة الأمنية الإقليمية، وباتت تمثل نموذجاً لقوة ناشئة استطاعت تحويل التحديات إلى عناصر قوة ونفوذ.
الاستقلال العملياتي لأنصار الله وتكريس القرار السيادي
تشكل القدرات العسكرية التي راكمتها صنعاء خلال السنوات الماضية دليلاً واضحاً على تطور مفهوم الاستقلال العملياتي في التجربة اليمنية. فقد أثبتت العمليات الصاروخية بعيدة المدى، ومن بينها الهجمات التي استهدفت العمق الصهيوني، أن القيادة اليمنية باتت تمتلك القدرة على اتخاذ القرار العسكري وتنفيذه وفق حساباتها الخاصة، بعيداً عن أي وصاية أو إدارة خارجية. كما أن استخدام منظومات صاروخية وطائرات مسيرة جرى تطوير جزء كبير منها داخل اليمن، يعكس مستوى متقدماً من الاعتماد على الذات والتغلب على آثار الحصار المفروض على البلاد. وقد عززت التصريحات اليمنية المتكررة التي تؤكد أن العمليات تأتي دعماً للشعب الفلسطيني ورفضاً للعدوان على غزة صورة اليمن باعتباره طرفاً يتحرك انطلاقاً من قناعاته السياسية والأخلاقية. وفي الوقت ذاته، فإن عدم تبني إيران المباشر لهذه العمليات أو إعلان إدارتها لها، يعزز الرواية القائلة إن العلاقة بين طهران وصنعاء تقوم على التفاهم والتقارب الاستراتيجي، وليس على التبعية التنظيمية أو العسكرية. ومن هنا، فإن التجربة اليمنية تقدم نموذجاً مغايراً لفكرة «القوى الوكيلة»، وتبرز قدرة الفاعلين المحليين على امتلاك قرارهم السيادي حتى في ظل شبكة تحالفات إقليمية واسعة.
اليمن لاعب لا يمكن تجاوزه في معادلات الأمن الإقليمي
أثبتت الأحداث الأخيرة أن اليمن أصبح رقماً صعباً في معادلات الأمن الإقليمي، وأن تجاهل دوره لم يعد ممكناً بالنسبة للدول الخليجية أو القوى الدولية. فبعد سنوات من الحرب المكلفة، بدأت العديد من العواصم الإقليمية تدرك أن الخيار العسكري لم ينجح في إخضاع صنعاء أو تقويض قدراتها، بل أدى إلى تعزيز خبراتها القتالية وتطوير أدوات ردعها. كما أن التأثير المباشر للعمليات اليمنية على التجارة العالمية وأسعار الشحن والتأمين البحري منح اليمن وزناً استراتيجياً يتجاوز حدوده الجغرافية. وقد دفعت هذه المعطيات عدداً من دول المنطقة إلى تبني مقاربات أكثر واقعية تقوم على الحوار والتهدئة، بدلاً من الاستمرار في سياسات الاستنزاف والمواجهة المفتوحة. واليوم، أصبح اليمن شريكاً موضوعياً في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بأمن البحر الأحمر أو استقرار غرب آسيا، كما باتت القوى الكبرى مضطرة إلى أخذ مصالحه ومواقفه بعين الاعتبار عند صياغة استراتيجياتها الإقليمية. وهذه المكانة الجديدة لم تُمنح لليمن بفعل تسويات سياسية أو تفاهمات دولية، وإنما انتزعها من خلال صموده وقدرته على فرض الوقائع على الأرض.
اليمن شريك أساسي في محور المقاومة
أظهرت التجربة اليمنية أن العلاقات داخل محور المقاومة تقوم على التنسيق والشراكة وتبادل المصالح. وفي هذا السياق، استطاعت حركة أنصار الله أن تفرض نفسها كقوة تمتلك شخصيتها السياسية والعسكرية المستقلة، مع احتفاظها بعلاقات استراتيجية مع القوى المناهضة للهيمنة الإسرائيلية والأمريكية في المنطقة. وقد انعكس هذا التحول في الخطاب اليمني الرسمي، الذي يؤكد باستمرار أن صنعاء تتخذ قراراتها وفقاً لمصالحها الوطنية والتزاماتها القومية تجاه قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. كما أن امتلاك اليمن قدرات متطورة في مجال الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، ونجاحه في تطوير جزء كبير من صناعاته العسكرية محلياً، يمنحه هامشاً واسعاً من الاستقلالية في إدارة الصراعات. وبذلك، لم يعد اليمن مجرد ساحة نفوذ أو طرف تابع، بل أصبح قطباً إقليمياً صاعداً يمتلك أدوات التأثير والردع، ويشارك في رسم ملامح النظام الإقليمي الجديد. ومن المرجح أن تزداد أهمية هذا الدور خلال السنوات المقبلة، في ظل استمرار التحولات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة غرب آسيا.
