الوقت - في ظل التطورات الجيوسياسية التي شهدتها غرب آسيا خلال العام الماضي، سعت بعض دول المنطقة إلى تشكيل تحالفات جديدة وتعزيز التعاون الاستراتيجي كوسيلة لمواجهة التحديات والتهديدات المحتملة.
وفي هذا السياق، من المقرر أن يلتقي ممثلو مصر والسعودية وتركيا وباكستان في القاهرة خلال الأيام القادمة لمناقشة سبل التعاون في مختلف المجالات. ويُعد هذا الاجتماع هو الرابع من نوعه بين هذه الدول الأربع، بعد ثلاث اجتماعات سابقة عقدت في الرياض وإسلام آباد وأنطاليا.
السؤال الذي يطرحه بعض المراقبين الآن هو: هل نحن أمام إطار مجرد للتشاور والتنسيق والتعاون، أم أن هذه الخطوة قد تتطور إلى تحالف حقيقي، لا سيما في المجال الأمني؟ وإذا حدث ذلك، فمن سيكون خصم هذا التحالف؟
في مقال نشره موقع الجزيرة، كتب «عماد الدين حسين» عن هذا الاجتماع الرباعي قائلاً: قبل عشرة أيام في القاهرة، التقيت بدبلوماسي عربي ملمّ بتفاصيل اجتماعات اللجنة الرباعية، وسألته مباشرةً: هل ما يجري هو مجرد تعاون أم أننا بصدد تحالف؟ كانت إجابته واضحةً: “نحن بصدد بناء إطار للتعاون والتشاور والتنسيق، آلية تتشكل يومًا بعد يوم، ولكننا في الوقت الراهن لا نؤسّس تحالفًا ولا نرغب في تقديم هذا الانطباع. ومع ذلك، كل شيء يعتمد على تطورات المنطقة المستقبلية.”
وأضاف الكاتب حول الجهة التي قد يقف التحالف في مواجهتها: “الإجابة بسيطة، إسرائيل وتغطرسها كان السبب الرئيسي في نشوء هذا الاتحاد. فالهجوم الإسرائيلي المستمر على غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، ثم لبنان، وأخيرًا الحرب مع إيران، دفعت هذه الدول الأربع نحو التعاون والتنسيق لكبح توسع هذا الکيان الذي بلغ مستوى من السلوك المتهور واللاعقلاني يهدد ليس فقط استقرار غرب آسيا، بل هوية وحدود المنطقة نفسها.”
وقد صرح بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء الكيان الصهيوني، بشكل صريح برغبته في إعادة رسم خريطة المنطقة، بل وتجاوز ذلك بالإعلان عن فكرة “إسرائيل الكبرى” من النيل إلى الفرات.
ومع ذلك، لم يعلن أي مسؤول رسمي من الدول الأربع بشكل علني أن هذا التعاون موجّه ضد تل أبيب، لكن تصريحات نتنياهو في 22 فبراير الماضي عززت هذا الانطباع بوضوح، حين قال: “الشرق الأوسط على مفترق طرق ونحن مستعدون لكل السيناريوهات. لقد قضينا على نفوذ محور الشر الإيراني ونحن مستعدون لمواجهة المحور السني الناشئ. ولهذا سنشكّل محورًا جديدًا يضمّ أمريكا وإسرائيل والهند واليونان وقبرص وبعض الدول العربية في المنطقة.”
لم يذكر نتنياهو أسماء هذه الدول العربية صراحةً، فماذا كان يقصد؟ رأى البعض أنه يشير إلى جماعات المقاومة الإسلامية مثل حماس، بينما اعتقد آخرون أنه كان يقصد بالفعل هذه الدول الأربع: مصر والسعودية وتركيا وباكستان، وأي دولة تدعم القضية الفلسطينية وتعارض سياسات "إسرائيل".
تعزّز هذا التصور بتحذير نفتالي بينيت، رئيس وزراء الكيان الصهيوني السابق، الذي قال: «تركيا تسعى لتحريض السعودية ضد إسرائيل وتشكيل محور سني معارض لإسرائيل، يضمّ باكستان ذات السلاح النووي أيضاً».
بعد ذلك، نشرت وسائل الإعلام العبرية العديد من التقارير التي دعت إلى الاستعداد لاحتمال مواجهة عسكرية مستقبلية مع تركيا ومصر. ومن بين أبرز وجوه هذا التيار كان «جوناثان بولارد» الذي أصبح أحد رموز اليمين المتطرف في الكيان الصهيوني.
وربما تكون مثل هذه المواقف المتشددة من الأوساط الإسرائيلية متوقعةً، لكن السؤال الجوهري هو: هل فعلاً تشكّل تنسيق رباعي لمواجهة جهود تل أبيب للهيمنة على المنطقة؟
يُشير الكاتب إلى أن الإجابة من وجهة نظره حتمًا نعم. فقد ناقش هذا السؤال مع عدد من السياسيين والدبلوماسيين المصريين السابقين، الذين أجابوا جميعاً بالإيجاب دون تردد. أما عند سؤاله بعض الدبلوماسيين الحاليين، فكانت الإجابات أكثر تحفظًا ودبلوماسيةً، حيث أكدوا أن اللجنة الرباعية تهدف إلى خفض التوتر في المنطقة واللجوء إلى التفاوض بدلاً من العمليات العسكرية، مع ضرورة التوصل إلى نظامٍ أمني إقليمي يكون بديلاً عن الصراعات والنزاعات لتحقيق السلام في المنطقة.
ومع ذلك، لا ينبغي أن ننسى أن اجتماعات هذا الإطار الرباعي انطلقت أساسًا ردًا على الهجمات الواسعة للكيان الصهيوني في المنطقة، بالإضافة إلى تحركات إيران ضد الدول الخليجية. فكان الاجتماع الأول في 20 مارس بالرياض، والثاني في 29 مارس بإسلام آباد لمناقشة التطورات الإقليمية وسبل خفض التوتر، أما الاجتماع الثالث فانعقد في 18 أبريل في مدينة أنطاليا التركية.
والنقطة المحورية هنا هي أنه بعد التركيز المبدئي على تقليل التوتر ومحاولة منع تصعيد الصراع بين أمريكا وإيران إلى مستوى إقليمي، تحولت المناقشات إلى عدة قضايا مهمة أخرى مثل أمن الخليج الفارسي، ومسارات الملاحة البحرية، ومستقبل الترتيبات الأمنية بعد انتهاء الصراع الحالي. ويتضمن ذلك أيضاً تنسيق المواقف السياسية والدبلوماسية في المحافل الدولية.
إمكانات الدول الأربع
ثم تناول المقال القدرات التي تمتلكها هذه الدول الأربع في المنطقة، حيث لا يخفى على أحد أن لهذه الدول مزايا نسبية متعددة، وتمتلك وزناً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وثقافياً بارزاً في الإقليم. وإذا تم إدارة هذا التعاون بشكل جيد، فبإمكانها أن تعيد تشكيل صورة المستقبل في المنطقة، مما يقضي على أوهام تل أبيب ونواياها التوسعية.
كما أن جميع هذه الدول تحظى بعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وغالبها يحافظ على اتصالات مستمرة مع إيران. بل إن بعضها، مثل مصر وتركيا، تربطها علاقات رسمية مع "إسرائيل" أيضاً.
ويُعقد اجتماع القاهرة في وقتٍ تشكلت فيه قواعد صلبة من التنسيق بين الدول الأربع خلال الاجتماعات الثلاثة السابقة، لا سيما فيما يتعلق بترتيبات مرحلة ما بعد الأزمة ومستقبل المنطقة.
وقد أكد المسؤولون المصريون أن هذه الدول الأربع تعمل وفق رؤية مشتركة تهدف إلى إعادة الهدوء والأمن والاستقرار الدائم إلى المنطقة، وتسعى إلى تحقيق نتائج ملموسة تحمي مصالح الشعوب من تداعيات الحرب والتوترات المتصاعدة.
وقد طرح المقال سؤالاً جوهرياً: مَن الطرف الذي يهدد استقرار المنطقة ومصالح شعوبها؟ والإجابة ليست عسيرةً، فهو الطرف الذي يسعى بتعجرف وطموح لا محدود له لجعل المنطقة بأسرها خاضعةً لأوهامه وتصوراته.
ونقل الكاتب عن دبلوماسي عربي قوله: إن هذا الإطار مفتوح لانضمام دول أخرى تتوافق أهدافها مع هذه الرؤية، ولا يستبعد أن تنضم إليه دول جديدة في القريب العاجل.
قلق الكيان الصهيوني
وصف الكاتب هذا الإطار الإقليمي بأنه تهديد للكيان الصهيوني، مشيراً إلى أنه من الطبيعي أن تشعر “إسرائيل” بالقلق من مثل هذا التعاون أو التنسيق، لا سيما إذا ما اتجه الأمر نحو تشكيل تحالف حقيقي. وما يثير قلق الكيان الصهيوني أكثر من غيره هو احتمال توسع التعاونات من المستوى السياسي والدبلوماسي إلى المستويين الأمني والعسكري.
تشير التقارير الإسرائيلية إلى توتر متزايد في تل أبيب وواشنطن حيال تعميق التعاون الأمني بين مصر وتركيا، حيث تخطت الدولتان إلى حد كبير خلافاتهما الحادة السابقة، ووصلت الاتصالات السياسية بينهما إلى أعلى مستوياتها.
وبناءً على ذلك، تُفيد التقارير بأن الولايات المتحدة طلبت من سفاراتها في القاهرة وأنقرة تقييم أبعاد وحدود هذا التقارب، خوفاً من أن يتحول إلى مسارٍ إقليمي جديد يصعب التحكم فيه بالأساليب التقليدية.
كما تكشف تقارير أخرى عن تعاون أمني وعسكري بين البلدين، شمل تدريبات مشتركة مثل “بحر الصداقة” التي أعيد إحياؤها بعد انقطاعٍ دام 13 عاماً. ويُقال إن مصر أبدت اهتماماً بمنظومات تركيا المتقدمة، بما في ذلك الطائرات المسيرة والصواريخ، وحتى أن موضوع الإنتاج المشترك بات مطروحاً.
وعليه، تخشى “إسرائيل” أن يؤدي تعزيز العلاقات بين مصر وتركيا إلى تغيير المعادلات الراهنة في شرق البحر المتوسط، وليبيا، وقرن أفريقيا، والبحر الأحمر.
تحولات ما بعد السابع من أكتوبر
قبل 7 أكتوبر 2023، كان الكيان الصهيوني يراهن على توسيع اتفاقيات السلام مع بعض دول المنطقة، لكن الظروف تغيرت بعد ذلك، وتحولت العديد من الدول نحو ترتيبات أمنية إقليمية جديدة. فمثلاً، وقّعت السعودية في 17 سبتمبر من العام الماضي اتفاق تعاون دفاعي مشترك مع باكستان التي تمتلك قدرات نووية، وهي دولة لا تعترف أساساً بالكيان الصهيوني.
وفي الدول الخليجية، تتزايد القناعة بأن الاعتماد على تحالفات عسكرية خارجية لم يعد مضموناً بالدرجة المطلوبة.
ورغم أن هذا الاتفاق جاء في ظل التوترات الناجمة عن ممارسات تل أبيب، إلا أنه لم يلق ترحيباً واسعاً في واشنطن وتل أبيب، لا سيما نظراً لمستوى العلاقات العميقة بين الرياض وإسلام آباد. ومع ذلك، يمكن اعتبار هذا الاتفاق رسالة ردع موجهة إلى إيران.
السؤال الختامي
في ضوء مجريات التطورات الإقليمية والسعي نحو تشكيل تحالفات جديدة بين الدول، يطرح الكاتب في ختام مقاله السؤال التالي: هل طريق نمو وتوسع هذا التعاون أو التحالف الرباعي معبّد؟ والجواب هو بالنفي، إذ تواجه الدول الأربع العديد من التحديات، وتباين وجهات النظر، واختلاف الأولويات والتصورات بشأن القضايا الإقليمية.
علاوةً على ذلك، لا يخلو الأمر من معارضين ومتضررين من هذا التعاون. لذا، فإن نجاح هذا المسار يعتمد على قدرة الدول الأربع على تنسيق مواقفها، والتغلب على الخلافات القديمة، وتجنب استفزاز الولايات المتحدة، وقبل كل شيء، إرسال رسالة واضحة إلى “إسرائيل” مفادها أن إعادة رسم خريطة المنطقة ليست سوى وهْم، وأن الشعوب في هذه المنطقة وحدها هي التي تملك الحق في تقرير مصيرها.
