الوقت - لقد أظهرت الحملة العسكرية الأخيرة التي شنّتها الولايات المتحدة و"إسرائيل" ضد إيران، أول انتشار واسع لأنظمة استهداف تعتمد على الذكاء الاصطناعي ضد دولة مستقلة، مما جعل هذه الحرب بمثابة مختبر حقيقي لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الحروب. فالاستخدام العسكري للذكاء الاصطناعي ضد إيران بات أمراً مؤكداً، وكشفت وكالة فرانس برس مؤخراً أن تقريراً قانونياً صدر عن الحكومة الأمريكية يُظهر أن الجيش الأمريكي استخدم أداة “غروك” للذكاء الاصطناعي، التابعة لشركة “سبيس إكس” التي يملكها إيلون ماسك، الملياردير في مجال التكنولوجيا، في حرب غير قانونية ضد إيران.
وقد قدّم المدعون الفيدراليون شهادة كاميرون ستانلي، رئيس قسم الذكاء الاصطناعي في البنتاغون، الذي أدلى بشهادة تحت القسم أكد فيها أن “غروك” يُستخدم حالياً في مشروع “مافن”، وهو برنامج استهداف عسكري أمريكي يعتمد على الذكاء الاصطناعي، كان في بدايته يعمل بنموذج “كلود” الخاص بشركة “إنتروبيك”. وذكر ستانلي في بيانه أن أنظمة “مافن” الذكية “مكّنت القوات الأمريكية خلال عملية ‘الغضب الملحمي’ من إطلاق أكثر من ألفي ذخيرة على ألفي هدف منفصل خلال 96 ساعة فقط.”
وقد أورد معهد بلومزبري للمعلومات والأمن (BIASI) في تقرير له أن العمليات المشتركة بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" ضد إيران، تمثّل أول استخدام واسع النطاق لأنظمة استهداف معتمدة على الذكاء الاصطناعي التوليدي ضد دولة ذات سيادة، وأنها تحولت عملياً إلى مختبر لـ"الحرب الخوارزمية". ويرى الكاتب أن هذه الحرب تكشف كيف قلّص الذكاء الاصطناعي القيود التقليدية للعمليات العسكرية، وفي الوقت ذاته أثارت تساؤلات جوهرية حول مدى إشراف البشر على قرارات الحرب، ودور الشركات الخاصة التقنية في الصراعات، واحترام القانون الدولي الإنساني.
فعالية الذكاء الاصطناعي في الحرب
وفقاً لتقرير معهد بلومزبري للمعلومات والأمن، كانت حرب إيران الفرصة الحقيقية الأولى لتقييم أداء أنظمة الذكاء الاصطناعي على نطاق حرب تقليدية بين دول. ويشير الكاتب إلى أن "إسرائيل" قد استخدمت هذه التقنيات سابقاً في غزة خلال الفترة من 2023 إلى 2025، لكن حرب إيران تختلف في كون الطرف المقابل يمتلك جيشاً تقليدياً منظماً، وأنظمة دفاعية متقدمة، وبنية تحتية عسكرية واسعة.
يدّعي التقرير أن الولايات المتحدة و"إسرائيل" رصدتا في أول 24 ساعة أكثر من ألف هدف، وخلال أسبوع أكثر من ألفي هدف، باستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي، وهو ما لم يكن ممكناً من قبل بالنسبة للمحللين البشريين بسبب السرعة الهائلة.
يوضّح التقرير أن الولايات المتحدة استخدمت نظاماً يُسمى “النظام الذكي مافن”، وهو نظام ذكاء اصطناعي طوّرته شركة “بالانتير”، ويعتمد في عمله على نموذج اللغة “كلود” التابع لشركة “أنتروبيك”. وتتمثّل مهام هذا النظام في تحليل كميات هائلة من المعلومات، واقتراح إحداثيات الأهداف، وتحديد نوع السلاح المناسب، وتقييم أولي لمدى توافق الهجوم مع القانون الدولي، بالإضافة إلى تقديم خيارات متنوعة للقائد البشري.
كما يشير التقرير إلى أن إدارة ترامب قررت لاحقاً التخلي عن استخدام “كلود”، نظراً لأن “أنتروبيك” لم تمنح إذناً بالاستخدام غير المحدود لتقنيتها في الأسلحة الآلية، مما دفع الحكومة إلى التوجه نحو استخدام تقنية “أوبن إيه آي” (OpenAI).
وبحسب التقرير، فإن الذكاء الاصطناعي لا يقوم بإطلاق النار مباشرةً، بل يُنتج اقتراحات عملياتية، ويُترك القرار النهائي للبشر.
استخدام الصهاينة للذكاء الاصطناعي في الحرب
يشير معهد بلومزبري للمعلومات والأمن في تقريره إلى استخدام الكيان الصهيوني للذكاء الاصطناعي في الحرب ضد إيران. ويذكر التقرير أن "إسرائيل" تمتلك نظامين رئيسيين للذكاء الاصطناعي: نظام “غوسبل” لتحديد البنى التحتية العسكرية، ونظام “لاوندر الذكي” لتحديد الأشخاص المشتبه فيهم بناءً على الاتصالات، والشبكات الاجتماعية، وأنماط السلوك. وقد ذكر أن هذه الأنظمة تحلل كميات هائلة من البيانات الاستخباراتية، والصور الفضائية، والاتصالات، وتقترح الأهداف المحتملة، كما استُخدمت في تتبع القادة الكبار في إيران. ويقال إن هذه التكنولوجيا تُصنّف كـ"ذكاء اصطناعي تنبؤي"، أي أن النظام يسعى أيضاً إلى توقع سلوك الأفراد المستقبلي.
كيف ساعد الذكاء الاصطناعي المعتدين؟
تشير تقارير أخرى نشرتها وسائل الإعلام الأمريكية حول استخدام الذكاء الاصطناعي، إلى أن أبرز تحول في حرب إيران كان الزيادة الهائلة في سرعة دورة الاستهداف. ففي السابق، كان إنتاج عشرات الأهداف يستغرق أسابيع أو شهور، أما خلال الحرب ضد إيران فقد تم إنتاج مئات الأهداف يومياً، مما سهّل على المعتدين مهمة التعرف على الأهداف. وقد أدت هذه السرعة في العمليات الحربية باستخدام الذكاء الاصطناعي، إلى تجاوز أحد القيود القديمة للعمليات العسكرية، وهو نقص الأهداف القابلة للهجوم إلى حد كبير. ويقول العديد من الخبراء إن الحروب القادمة ستكون في جوهرها سباقاً على سرعة معالجة البيانات، وأن الحرب المستقبلية لن تقتصر على الدول فحسب، بل ستكون الشركات التكنولوجية أيضاً من اللاعبين الأساسيين فيها.
انتقادات استخدام الذكاء الاصطناعي في الحرب
مع ذلك، ينتقد العديد من الخبراء الاستخدام الواسع للذكاء الاصطناعي في الحروب، معتبرين أن هذا الاستخدام قد يضعف مبدأ التمييز بين العسكريين والمدنيين في الصراع، ويجعل مسؤولية اتخاذ القرارات الحربية غامضةً، إذ تعتمد الخوارزميات على الاحتمالات الإحصائية لا على اليقين القانوني.
وبعبارة بسيطة، إذا اختار نظام الذكاء الاصطناعي هدفاً خاطئاً، فلا يتضح من هو المسؤول: هل المبرمج، أم الشركة المصنعة، أم القائد العسكري؟
كما أن من أبرز الانتقادات أيضاً الاعتماد المفرط للبشر على مخرجات الذكاء الاصطناعي، مما يدفع القادة إلى الثقة باقتراحات النظام حتى وإن كانت خاطئةً.
فضلاً عن ذلك، يشكّل غياب الشفافية في هذه الأنظمة مشكلةً كبيرةً، لأن غالبية الخوارزميات العسكرية سرية، ولا يمكن فحص الأسباب التي أدت إلى اختيار هدف معين بشكل مستقل، مما يصعب التحقيق القانوني والمساءلة بعد العمليات.
وفي النهاية، يحذّر المنتقدون من أن الاستخدام المكثف للذكاء الاصطناعي في الحروب قد يزيد من خطر سقوط ضحايا مدنيين، وعلى الصعيد الأوسع قد يسرّع من سباق التسلح ويخفض من عتبة بدء الحروب، نظراً لأن اتخاذ القرار العسكري أصبح أسرع وأقلّ تكلفةً.
الاستخدام الخطير للذكاء الاصطناعي في الحرب ضد إيران
أشار بعض الخبراء إلى أن إحدى أهم وظائف الذكاء الاصطناعي في الحرب الأخيرة، والتي برزت لاحقاً في سياق استشهاد السيد حسن نصرالله، والشهيد هاشم صفي الدين وقادة المقاومة الآخرين، كانت تنفيذ عمليات تقاطع البيانات الاستخبارية عبر الذكاء الاصطناعي.
وسعت قناة الجزيرة في تقرير لها إلى الكشف عن كيفية تحوّل عمالقة التكنولوجيا مثل أمازون، مايكروسوفت، جوجل وأوراكل، الذين كانوا يعلنون على الملأ عن دعمهم لخصوصية المستخدمين ومعارضتهم للتدخل العسكري، إلى العمود الفقري لآلة الحرب الأمريكية خلف الكواليس.
وفي أهم فصول تقرير الجزيرة، تم الكشف عن الدور المباشر للتقنيات التجارية في العمليات العسكرية ضد إيران. فوفقاً للتقرير، تم تحويل برنامج ذكاء اصطناعي كان مخصصاً في الأصل لمعالجة اللغة الطبيعية والرد على استفسارات المستخدمين، إلى أداة لتحديد وترتيب الأولويات للأهداف العسكرية خلال الحرب.
هذا البرنامج المعروف باسم «كلود» والذي طوّرته شركة «أنتروبيك»، يُستخدم ضمن نظام «مافن». وقد تم تطوير نظام مافن من قبل شركة «بالانتير» بالتعاون مع البنتاغون، ويلعب دوراً حيوياً في معالجة البيانات الاستخبارية، حيث يجمع ويحلل البيانات المستقبلة من الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة وأنظمة التجسس ضمن منصة موحدة.
ويعتمد هذا النظام في عمله على بنى تحتية سحابية ضخمة توفّرها شركات أمازون (من خلال خدمة الحوسبة السحابية AWS) ومايكروسوفت (عبر خدمة Azure). بمعنى آخر، تُخزن بيانات ساحة المعركة على خوادم أمازون ومايكروسوفت، ثم تُحلل بواسطة نظام «كلود».
تكمن مهمة هذا البرنامج في تحليل كمٍّ هائل من الصور الفضائية، وبيانات التمركز، وإشارات الاتصالات خلال أجزاء من الثانية، لتمكين العسكريين من اختيار أفضل الأهداف واقتراح السلاح الأنسب لكل منها. وبعبارة أخرى، أداة صممت لأغراض مدنية تحولت إلى طبقة أساسية في سلسلة الاستهداف العسكري.
يقول الباحث كريغ جونز من جامعة نيوكاسل: «إن آلة الذكاء الاصطناعي تقدّم توصيات بشأن الأهداف بسرعة تفوق قدرة التفكير البشري». وهذا يعني أن عمليات كانت تستغرق أسابيع في الماضي، أصبحت الآن تُنجز في غضون دقائق، معتمدةً على هذه البنى التحتية التجارية.
وكانت النتيجة سرعةً مذهلةً لم يسبق لها مثيل. ففي أول 24 ساعة من الحرب ضد إيران، تم استهداف عدد كبير من الأهداف.
أي أنه إذا كان إعداد وتنفيذ هذا الكمّ الهائل من الضربات يتطلب سابقاً أسابيع أو شهوراً، فقد تحققت كلها الآن خلال أيام معدودة بفضل هذه التقنيات. والأمر الأكثر إثارةً للاهتمام أن نظام «مافن» الذي انسحبت منه شركة جوجل في عام 2018 احتجاجاً من موظفيها، لم يُلغَ، بل استكملته شركة أخرى تُدعى «بالانتير»، وأصبح اليوم النواة الأساسية لمنظومة الاستهداف الأمريكية.
