الوقت - زيارة توم باراك، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي لشؤون العراق وسوريا، إلى بغداد وأربيل، تتجاوز مجرد مشاورات دبلوماسية عادية، إذ تمثّل كشفًا عن هندسة جديدة وشاملة لإعادة تعريف العلاقات بين واشنطن وبغداد.
إن دمج ملفي العراق وسوريا تحت مظلة مبعوث واحد، وهو سفير الولايات المتحدة في تركيا، يعدّ دليلاً واضحًا على هذا التحول في المنهج، حيث لم يعد البيت الأبيض يدير أزمات غرب آسيا بمعزل عن بعضها، بل اتّجه نحو توحيد الاستراتيجية وهندسة بنية القوة في كامل المنطقة.
وتزامنت هذه الزيارة مع اتفاقيات ما بعد الحرب علی إيران، والتطورات الداخلية في العراق وسوريا، إضافةً إلى التحولات الإقليمية في غرب آسيا، فكانت بمثابة إعلان رسمي لخارطة طريق متعددة الأوجه للولايات المتحدة في المنطقة.
وفي قلب هذه البنية الجديدة، يكمن أكثر البنود إثارةً للجدل، وهو «استكمال نزع السلاح الكامل وحلّ جميع الجماعات والفصائل المقاومة خارج إطار الدولة واحتكار السلاح في يد المؤسسات الرسمية».
وما يميّز هذه المرحلة عن المراحل السابقة، هو خطوة غير مسبوقة من مكتب رئيس الوزراء العراقي، حيث أعاد نشر بيان الجانب الأمريكي بحذافيره ودون تلطيف، وهو مؤشر واضح على الضغوط القصوى التي تمارسها واشنطن وقبول الحكومة العراقية بقيادة علي الزيدي بالإطار المفروض عليها.
كما أن الإصرار على «إبعاد العراق عن الصراعات الإقليمية» هو في جوهره رسالة مباشرة إلى محور المقاومة، وبخاصة إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تضغط من خلالها على السلطة العراقية لتجميد نشاط المقاومة، بدلاً من تدخل عسكري أمريكي أو إسرائيلي صريح من السماء أو الأرض العراقية.
ويُظهر التحليل الاستراتيجي أن استهداف الوضع القانوني والميداني لـ«الحشد الشعبي» والفصائل المقاومة لا يقتصر على تقليل قدراتها العسكرية فقط، بل هو مشروع لقطع الجذور الاجتماعية والسياسية والإيديولوجية للمقاومة، وإضعاف أذرعها في العراق.
ومع ذلك، يجب على واشنطن أن تأخذ بعين الاعتبار هذه الحقيقة التاريخية، أن «الحشد الشعبي» كمؤسسة نشأت عن فتوى المرجعية الدينية، كان العمود الفقري لأمن العراق في مواجهة الإرهاب التكفيري، وأن أي إضعاف هيكلي له لن يؤدي إلا إلى خلق فراغ أمني يمهّد لعودة داعش والإرهاب، وهذا قد يكون جزءًا من سياسة الولايات المتحدة للضغط على الحكومة العراقية.
تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية نجاح هذه الاستراتيجية الأمنية، مرهونًا بقطع تبعية العراق الاقتصادية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ومن هذا المنطلق، صمّمت واشنطن برنامجًا متكاملاً من المشاريع الاقتصادية لإحكام حلقات الضغط الاقتصادي على طهران. فالتفاوض مع كبرى شركات النفط مثل «شيفرون» و«أكسلريت إنرجي» لتطوير حقول نفطية استراتيجية كغرب القرنة 2 وناصرية ومكثفات الغاز وغيرها، إلى جانب منح تصاريح تشغيل لشبكة «ستارلينك»، يشكّل ضربةً واحدةً تصيب عدة أهداف في آنٍ واحد.
فـ«ستارلينك» ليس مشروعًا اتصاليًا فحسب، بل أداة متعددة الوظائف تضمن أمن الاتصالات للحكومة الخاضعة لسيطرة الولايات المتحدة، وتستخدم في التجسس المعلوماتي على حدود إيران، بالإضافة إلى إنشاء شبكة مستقلة عن البنى التحتية المحلية لإدارة الأزمات المحتملة.
وفي نفس السياق، يأتي دعم إعادة تأهيل خط أنابيب كركوك-بانياس الاستراتيجي، وهو مشروع يهدف إلى ربط الطاقة العراقية بالبحر الأبيض المتوسط، مما يقلّل من تأثير ذريعة مضيق هرمز، فضلاً عن منع الانهيار الاقتصادي الكامل لسوريا تحت حكم أحمد الشرع.
تربط هذه المشاريع اقتصاد العراق ببراعة بمصير العقوبات المفروضة على محور المقاومة، وبتصميم ممر اقتصادي في شرق البحر المتوسط، تسعى واشنطن إلى استبدال طرق التجارة والطاقة الإقليمية لصالح الغرب.
ولتنفيذ هذه الخطة المعقّدة، تحتاج واشنطن إلى تحييد أو استمالة هياکل السلطة الداخلية في العراق، ولهذا السبب فعّلت في آنٍ واحد الأدوات السياسية والقضائية. فقد كان توجيه دعوة رسمية من دونالد ترامب للسوداني لزيارة البيت الأبيض، خطوةً سياسيةً حاسمةً أكسبت حكومته شرعيةً دوليةً مهمةً لدفع مشاريع مثيرة للجدل مثل نزع سلاح فصائل المقاومة.
وفي الوقت ذاته، كشفت زيارة المبعوث الخاص توم باراك إلى فائق زيدان، رئيس المجلس القضائي الأعلى العراقي، عن أبعاد خفية لهذه الخطة الجديدة. إذ تدرك أمريكا جيدًا أن تجاوز العقبات القانونية يتطلب تقديم تفسيرات قانونية جديدة للدستور لحل فصائل المقاومة، والمصادقة على عقود اقتصادية ضخمة دون معارضة سياسية، وهو ما يستوجب استمالة الجهاز القضائي.
في أربيل أيضًا، تم الضغط لحل الجمود السياسي وتشكيل حكومة جديدة في إقليم كردستان، والتقليل من حدة التوتر بين الحكومة الفيدرالية والإقليم، في محاولة لتوحيد الجبهة الداخلية لمواجهة الضغوط المستقبلية، واستخدام ورقة الأكراد في الصراعات الحدودية والطاقوية ضد الموقع الإقليمي لإيران.
هذه الهندسة السياسية والاقتصادية والأمنية والقضائية وغيرها، تظهر بجلاء أن واشنطن تسعى إلى تغييرٍ هيكلي للنظام العراقي عبر تفعيل جميع الأدوات الداخلية والخارجية في آن واحد.
في حقيقة الأمر، لا تكمن مهمة باراك في مجرد إنذار نهائي بسيط، بل في إعادة تعريف العقد الاجتماعي-الأمني للعراق على أساس نموذج التبعية المطلقة. والفرق الجوهري مع تعاملات الولايات المتحدة السابقة مع حكومات الزيدي، يكمن في أن الأخير عُرض عليه «حزمة متكاملة»: ضمان بقاء وشرعية دولية لحكومته مقابل التنفيذ الكامل لشروط أمريكا.
على خلاف الماضي، حين كان دعم واشنطن مشروطًا ومتقطّعًا، جاء باراك بخطة تثبيت طويلة الأمد من خلال ربط اقتصاد العراق (بالتحذير والإغراء) بحكومة الزيدي، مخاطبًا إياه ليس كرئيس وزراء فقط، بل كشريك رئيسي في الهندسة الجديدة للشرق الأوسط.
إن اختيار هذا التوقيت قبيل زيارة الزيدي إلى واشنطن، كان مناورةً متعددة المستويات: صياغة مسودات جدول الأعمال والبيانات لتحويل الزيارة إلى «مراسم توقيع»، وتقديم الحلول والتعليمات وخيارات القرار للزيدي خلف الأبواب المغلقة، وعدم معارضة الزيدي لمطالب ترامب في واشنطن، وإرسال رسالة نفسية إلى محور المقاومة والقادة العراقيين تفيد بدخول المشروع مرحلة التنفيذ، ودعم واشنطن للقادة الموالين في العراق.
تنشأ المخاوف من المشاورات المغلقة تحديدًا لهذا السبب: تجاوز الرقابة البرلمانية، وقبول التزامات تفوق الصلاحيات القانونية، واستخدام الابتزاز الاقتصادي كأسلوب لنزع السلاح السياسي، واحتمال الاتفاق على خارطة طريق جيوسياسية تُحوّل التوجه الاستراتيجي للعراق نحو الغرب.
لا بد من اعتبار هذه الزيارة «انقلابًا دبلوماسيًا هادئًا» للولايات المتحدة لتحويل الحكومة العراقية إلى أداة شاملة لسياسات واشنطن، تمهيدًا لزيارة الزيدي إلى واشنطن.
ومع ذلك، يواجه طريق تنفيذ هذه الخطة تحديات هيكلية جسيمة. أول وأهمّ خطأ في حسابات أمريكا، هو تقييمها التقليلي لطبيعة فصائل المقاومة العراقية. فهذه الجماعات ليست ظاهرةً مستوردةً أو مرتزقةً، بل هي جزء أصيل من النسيج الاجتماعي والسياسي والاعتقادي العراقي، متجذرةً في مقاومة الاحتلال والإرهاب التكفيري.
إن رأس مالها الحقيقي ليس فقط القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة، بل الشرعية الدينية المستمدة من فتوى المرجعية، والقبول الشعبي، والارتباط العميق بالهوية الوطنية العراقية. کما أن إعلان بعض الفصائل احتمالية فصل السلاح، هو تغيير تكتيكي ذكي للحفاظ على كيان المقاومة في وجه موجة الضغوط، ولا يجب تفسيره على أنه انهيار لخطاب المقاومة.
والتحدي الثاني يكمن في هشاشة البنية الأمنية للعراق أمام الفراغ الذي سينشأ نتيجة إضعاف «الحشد الشعبي». فـ«الحشد الشعبي» هو العمود الفقري للأمن في معركة مواجهة داعش، وإضعافه سيمهّد الطريق لعودة الإرهاب، التي قد تهدّد أمن الولايات المتحدة وحلفاءها أيضاً. في النهاية، ما دام هناك دعم شعبي، وتماسك داخلي، وتنسيق إقليمي بين مكونات محور المقاومة، ومكانة رفيعة للمرجعية الدينية، فإن مشروع الإقصاء الكامل للمقاومة من معادلات العراق ليس إلا وهماً استراتيجياً عابراً.
إن زيارة الزيدي المرتقبة إلى واشنطن ستكون اختباراً كبيراً لمدى قدرة السلطة في العراق على الصمود أمام الإملاءات الأمريكية، وولائها لدماء شهداء المقاومة. وفي هذه الظروف الدقيقة، يكمن التحدي الأكبر أمام جبهة المقاومة ليس فقط في الضغوط الأمنية، بل في التآكل التدريجي للرأس المال الاجتماعي، وانخفاض الشرعية السياسية، وخلق انقسامات داخلية من خلال حرب مركبة شاملة.
ما يتشكّل اليوم في العراق هو جزء من خطة طويلة الأمد لإعادة ترتيب بنية السلطة، ومواجهة هذا تتطلب ثورةً استراتيجيةً في الأساليب ترتكز على عدة مبادئ رئيسية:
أولاً، الحفاظ وتعزيز التماسك الداخلي، الذي يعدّ نقطة الضعف الأساسية للمقاومة أمام النفوذ والضغط الخارجي، إذ يمكن للخلافات الداخلية أن تقضي عليه بسهولة.
ثانياً، تجديد الشرعية باستمرار عبر رفع دور المقاومة الوطنية في البناء، وتأمين الأمن، والدفاع عن سيادة العراق، من مجرد إنجاز تاريخي إلى خطاب حيّ ومتجدد في المجتمع.
ثالثاً، التعامل بذكاء مع الحكومة والمشاركة الفاعلة في العمليات السياسية، إذ يشكّل ذلك الحصن الأهمّ في مواجهة مشروع نزع السلاح السياسي.
رابعاً، تجاوز النظرة الضيقة، وفهم أن الأبعاد الاقتصادية والإعلامية والقانونية لهذه المعركة، باتت اليوم لا تقلّ أهميةً عن القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة.
وفي الختام، إن مستقبل العراق لن يُكتب في غرف المفاوضات بين بغداد وواشنطن، بل في شوارع بغداد، وفي صمود الشعب الذي وقف على مدى عقدين في وجه الاحتلال والإرهاب. لذا، فإن الحفاظ على هذه الروح وتحويلها إلى مطلب استراتيجي، هو الضمان الأكيد لفشل مشروع الشرق الأوسط الجديد الأمريكي الصهيوني، وتثبيت المكانة التاريخية والوطنية لحركات المقاومة في معادلات مستقبل غرب آسيا.
