الوقت- حوّل الكيان الصهيوني، الذي سعى في السنوات الأخيرة إلى إنشاء أحزمة أمنية خارج حدوده المزعومة عبر توسيع وجوده العسكري على جبهات لبنان وسوريا وغزة، أنظاره الآن إلى الجبهة الشرقية وبدأ تحركات جديدة في الضفة الغربية وعلى طول حدود الأردن.
وفي هذا السياق، أفادت إذاعة الجيش الإسرائيلي بأن جيش الكيان أنشأ، لأول مرة منذ عقود، عدة قواعد ومواقع عسكرية دائمة في المنطقة العازلة بين السياج الحدودي ونهر الأردن. وأشارت الإذاعة، إلى أن إنشاء قواعد عسكرية على الحدود بين الأراضي المحتلة والأردن إجراء "غير مألوف"، مؤكدةً أن إدارة هذه القواعد تقع على عاتق مجموعات من جنود الجيش.
بحسب مسؤولين أمنيين صهاينة، أُنشئت هذه القواعد في منطقة مقابل مستوطنتي تومر وبيزائيل في غور الأردن. وخلافًا للاتفاقيات السابقة مع المزارعين الذين كانوا يعملون في المنطقة لساعات محدودة، تشمل هذه الاتفاقيات الآن وجودًا دائمًا لجنود الاحتياط المقيمين في الموقع والذين يتولون حماية المنطقة.
وفي هذا الصدد، أعلن الجيش الصهيوني: "أُنشئت عدة مواقع عسكرية على الحدود الشرقية على شكل نقاط أمنية، يديرها جنود الدفاع الإقليمي. وقد انتشرت قوات الجيش الإسرائيلي على طول الحدود الشرقية، وتعمل على تعزيز الدفاع الحدودي وضمان أمن السكان المحليين".
ورغم أن السلطات الصهيونية لم تُفصح عن تفاصيل دقيقة حول عدد القوات المتمركزة في هذه القواعد أو مهمتها العملياتية، فإن عودة الوجود العسكري الدائم في هذه المنطقة تحمل دلالات هامة.
وصف دورون كادوش، المراسل العسكري لإذاعة الجيش الإسرائيلي، هذه الخطوة بأنها "بالغة الأهمية"، قائلاً: "تمثل هذه الخطوة عودةً إلى نموذج القواعد الأمنية على طول الحدود. وتأتي هذه المبادرة ضمن جهد أوسع لتعزيز سيطرة إسرائيل على الحدود الشرقية في ضوء التحديات الأمنية الناشئة في المنطقة".
وتكتسب هذه الخطوة أهمية بالغة لأن المنطقة المعنية كانت شبه خالية من أي وجود عسكري إسرائيلي منظم ودائم منذ توقيع اتفاقية وادي عربة للسلام بين إسرائيل والأردن عام 1994، وقد أُغلقت معظم القواعد التي كانت نشطة هناك. والآن، يبدو أن تل أبيب تعود إلى نموذج تخلت عنه منذ عقود. وأكد مسؤولون أمنيون إسرائيليون أن المبادرة رُفضت في السابق من قبل قادة القيادة المركزية، لكن اللواء آفي بلوث، قائد القيادة المركزية، وافق العام الماضي على إنشاء عدة مواقع جديدة.
منع تكرار عملية 7 أكتوبر
ظاهرياً، يركز الطرح الصهيوني على ضرورة مواجهة التهديدات الأمنية. بعد عملية 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وانهيار العديد من افتراضات الكيان الصهيوني الأمنية، شهدت نظرة الكيان لمفهوم "الحدود الآمنة" تحولات جذرية. فقد برز فهم جديد في الأوساط العسكرية مفاده أن مجرد وجود الأسوار الحدودية وأنظمة المراقبة أو الاتفاقات السياسية لا يكفي لضمان الأمن، وأنه يجب تعزيز الوجود المادي والدائم للقوات العسكرية في المواقع الحساسة.
ويُعدّ منع تهريب الأسلحة إلى الضفة الغربية أحد الأسباب التي تبرر بها قوات الاحتلال انتشارها على الحدود الأردنية. وفي هذا الصدد، أعلن جيش الدفاع الإسرائيلي والشرطة الإسرائيلية في بيان مشترك يوم الجمعة (12 يونيو/حزيران) أن قوات الأمن التابعة للكيان أحبطت محاولة تهريب عشرات الأسلحة في منطقة غور الأردن هذا الأسبوع، وألقت القبض على مشتبه به متورط في القضية.
وجاء في البيان: "تواصل قوات الأمن مكافحة تهريب الأسلحة التي قد تقع في أيدي الإرهابيين والعناصر الإجرامية، وهي منتشرة على طول الحدود الشرقية لضمان سلامة المدنيين الإسرائيليين".
يزعمون أن بعض الأسلحة التي تستخدمها الفصائل الفلسطينية في الضفة الغربية دخلت المنطقة عبر هذا الطريق. كما أشير إلى بعض الحوادث الأمنية على الحدود المشتركة بين الأردن والأراضي المحتلة، بما في ذلك العمليات المسلحة عند المعابر الحدودية، كدليل على هشاشة الجبهة الشرقية.
ويُعدّ تشكيل فرقة "جلعاد" أو الفرقة 96 لحماية الحدود الشرقية، وزيادة الدوريات العسكرية، وتعزيز البنية التحتية الأمنية على طول نهر الأردن خلال العام الماضي، جزءًا من هذه الاستراتيجية الجديدة.
ووفقًا لموقع "كسر الدفاع"، كانت إحدى أولى مهام الفرقة 96 تعزيز التحصينات على طول نهر الأردن، الذي يمر عبر أراضٍ زراعية تمتد شمال البحر الميت.
وقد صرّح قادة صهاينة علنًا بأن أحد دروس عملية اقتحام الأقصى هو ضرورة التواجد الدائم للقوات العسكرية على الحدود. وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن سابقًا أن نشر فرقة جلعاد في غور الأردن كان جزءًا من الدروس المستفادة من أحداث 7 أكتوبر.
أوضح إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، هذا الموقف قبل بضعة أشهر، قائلاً: "يجب علينا التحرك وتحييد التهديدات قبل أن تصل إلى أبوابنا. سنعزز قواتنا حيثما لزم الأمر لمواصلة مواجهة الإرهاب ومنع ظهور التهديد التالي".
بالإضافة إلى ذلك، يُستشهد بحادثة سبتمبر/أيلول 2024 عند معبر "اللنبي" أو جسر الملك حسين، والتي أسفرت عن مقتل ثلاثة ضباط إسرائيليين، في الأوساط الأمنية في هذه المنطقة كمؤشر على تفعيل الجبهة الشرقية.
تجدر الإشارة إلى أن السلطات الإسرائيلية تخشى بشدة تفعيل جبهة المقاومة في الضفة الغربية، وتخشى أنه في ظل الوضع الحرج والمتوتر في المنطقة، حيث تخوض إسرائيل عدة جبهات قتال، فإن تفعيل الجبهة في الضفة الغربية قد يُلحق ضرراً بالغاً بأمن المستوطنين.
الأهمية الاستراتيجية لوادي الأردن
إن حصر أهداف تل أبيب في مكافحة تهريب الأسلحة أو المخاوف الأمنية لا يُعطي صورة كاملة للواقع. تكمن الأهمية الحقيقية لهذه التطورات في الموقع الجيوسياسي لوادي الأردن، الذي يُعدّ أحد أهمّ ركائز عقيدة الأمن القومي الإسرائيلي منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967.
يُغطي وادي الأردن نحو ثلث مساحة الضفة الغربية، ويُعتبر، من وجهة نظر معظم الدوائر السياسية والأمنية في الكيان الصهيوني، "حدوده الدفاعية الطبيعية" في مواجهة العالم العربي. وقد اعتقد العديد من الاستراتيجيين الإسرائيليين على مدى العقود الماضية أن أي انسحاب من هذه المنطقة من شأنه أن يُضعف العمق الاستراتيجي للكيان ويُمهّد الطريق للتغلغل في الضفة الغربية. لهذا السبب، وحتى خلال فترات مفاوضات المصالحة بين تل أبيب والفلسطينيين، كانت مسألة السيطرة على وادي الأردن تُعتبر دائمًا من أهمّ الخطوط الحمراء لتل أبيب.
كما أكّد بنيامين نتنياهو مرارًا وتكرارًا على ضرورة احتفاظ إسرائيل بالسيطرة الأمنية على وادي الأردن في أي اتفاق مُحتمل في المستقبل. من هذا المنظور، يمكن اعتبار القواعد الجديدة جزءًا من مساعي تل أبيب لإعادة ترسيخ وجودها الميداني في منطقة لا تقتصر أهميتها على الأمن فحسب، بل تتعداها إلى أهمية سياسية وجغرافية خاصة بالنسبة للكيان.
وتزداد أهمية هذه المسألة عند ربطها بالتوجه المتزايد نحو بناء المستوطنات في الضفة الغربية. ففي السنوات الأخيرة، انتهجت الحكومات اليمينية في تل أبيب سياسة توسيع المستوطنات اليهودية بوتيرة متسارعة، وكان غور الأردن من أهم المناطق المستهدفة في هذه السياسة.
ويرى بعض المحللين أن إنشاء بنية تحتية أمنية جديدة، وبناء قواعد عسكرية، ونشر قوات دائمة في هذه المنطقة، قد يمهد الطريق لترسيخ الوجود الاستيطاني وتطوير مشاريع مستقبلية. وفي هذا السياق، أفادت وسائل إعلام عبرية يوم السبت بأن حكومة نتنياهو بدأت ببناء مستوطنات جديدة في 60 موقعًا شاغرًا في الضفة الغربية.
وقد أظهرت تجربة العقود القليلة الماضية وجود علاقة تكاملية بين توسيع الوجود الأمني وتطوير المستوطنات. يُوفر وجود الجيش الأمن اللازم لتطوير المستوطنات، ويُتيح توسع هذه المستوطنات ذريعةً لزيادة الوجود العسكري. ولهذا السبب، يعتقد بعض المراقبين أن القواعد الجديدة ليست مجرد استجابة للتهديدات الأمنية، بل هي جزء من مشروع تل أبيب طويل الأمد لتغيير الواقع تدريجيًا في شرق الضفة الغربية.
من جهة أخرى، يُمكن تحليل تصاعد عنف المستوطنين المتطرفين في الأشهر الأخيرة، والذي يتزامن مع العمليات العسكرية المكثفة للجيش الصهيوني في الضفة الغربية، في إطار استراتيجية أوسع لتغيير التركيبة السكانية والجغرافية للمنطقة.
الآثار الأمنية على الأردن
لهذا التوجه تبعاتٌ بالغة الأهمية على الأردن أيضًا. فعلى مدى العقود الماضية، كان الأردن من أبرز الداعمين للحفاظ على الوضع الراهن في غور الأردن، وتابع أي تغيير في التوازن الجيوسياسي للمنطقة بحساسية بالغة.
من وجهة نظر أمان، فإن سيطرة إسرائيل الكاملة على غور الأردن لن تُضعف فقط فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة، بل قد تُؤدي أيضاً إلى عواقب أمنية وسياسية مباشرة على الأردن. إن توسيع الوجود العسكري لتل أبيب قرب حدود الأردن يُقلل من عمقها الاستراتيجي ويُضعف دور عمّان في المعادلة الفلسطينية.
لذا، فإن غور الأردن ليس مجرد حدود جغرافية، بل يُعتبر ممراً طبيعياً للضفة الغربية للتواصل مع العالم العربي في جميع الخطط المتعلقة بإقامة دولة فلسطينية. وبالتالي، فإن أي تعزيز للوجود العسكري في هذه المنطقة يعني عملياً زيادة سيطرة تل أبيب على طريق التواصل الوحيد للفلسطينيين مع الشرق.
ومن أهم المخاوف احتمال تصعيد الضغط على الفلسطينيين وظهور موجات هجرة جديدة إلى الأردن، وهو ما قد يُهدد التوازن الديموغرافي والاجتماعي للبلاد. لهذا السبب، يعتقد العديد من المراقبين أن استمرار سياسات إسرائيل التوسعية في الضفة الغربية سيشكل تهديدات خطيرة ليس فقط لمستقبل القضية الفلسطينية، بل أيضاً لاستقرار الأردن ومصالحه الاستراتيجية.
