الوقت - أُغلق مضيق هرمز إثر الهجوم المشترك الذي شنته الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني على إيران، ليصدم الاقتصاد العراقي بأحد أعنف الصدمات في تاريخه. هذا المضيق الحيوي الذي يمرّ منه يومياً أكثر من عشرين مليون برميل نفط، أُغلق فجأةً أمام صادرات بغداد النفطية، مما وضع دولةً تعتمد على النفط في تمويل 90% من ميزانيتها في مأزق استراتيجي حاد في مجال تصدير الطاقة.
قبل هذه الأزمة، كان العراق يصدّر نحو 3.4 مليون برميل نفط يومياً، معظمها عبر ميناء البصرة ومسار مضيق هرمز. لكن مع إغلاق هذا الممر الدولي، تراجعت صادرات العراق خلال أيام قليلة إلى أقل من ثلث مستواها، وانخفض الإنتاج النفطي من 4.3 ملايين برميل يومياً إلى نحو 1.3 مليون برميل. وقدّرت الخبراء الخسائر اليومية بين 260 و280 مليون دولار.
بعد ذلك، اضطرّت الحكومة العراقية إلى إيقاف الإنتاج في الحقول الرئيسية مثل الرميلة وغرب القرنة 2، كما لجأت إلى تقديم خصومات تصل إلى 33 دولاراً للبرميل الواحد لجذب المشترين للنفط المتبقي لديها.
وعلى عكس الدول الخليجية مثل السعودية والإمارات وقطر، لم يكن لدى العراق خطط كبيرة لتقليل اعتماده على مضيق هرمز قبل إغلاقه، إذ حرمت سنوات الحرب الخارجية والداخلية البلاد من فرص تطوير البنية التحتية. ومع ذلك، أدركت بغداد في لحظة الأزمة أنه لا يوجد أي طريق بديل عملي لتصدير الطاقة. ويبدو أن هذه الصدمة دفعت السياسيين العراقيين إلى التخلي جزئياً عن الأفكار القديمة، مثل التنمية عبر الخليج الفارسي، والتوجه بدلاً من ذلك نحو بناء مسارات بديلة لنقل الطاقة في أوقات الأزمات.
في الوضع الراهن، اتخذ العراق مساراً مزدوجاً في مواجهة أزمة المضيق. المحور الأول والفوري كان إحياء خط أنابيب كركوك – جيهان القديم في تركيا. وبعد شهور من الخلافات السياسية بين الحكومة العراقية وإقليم كردستان، توصّل الطرفان إلى اتفاق منتصف مارس 2026، وأُعيد تشغيل هذا المسار الشمالي. والهدف الحالي هو زيادة طاقته إلى 770 ألف برميل يومياً، أي نحو ثلاثة أضعاف الحالة السابقة. إلى جانب ذلك، بلغت صادرات النفط عبر البر بواسطة الشاحنات من مسارات متعددة في فترات معينة، نحو 350 ألف برميل يومياً.
والمحور الثاني، وهو أكثر استراتيجيةً لكنه أيضًا أكثر طموحًا وتكلفةً، يتمثّل في إنشاء خطوط نقل جديدة ذات طاقة أكبر. هنا يبرز خياران مهمان: الأول هو خط أنابيب البصرة – جيهان، وهو مشروع يعني عمليًا إنشاء خط أنابيب جديد يمتد من جنوب العراق إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط في تركيا. وقد اقترح فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، هذا المشروع رسميًا في منتصف أبريل 2026. وفي مقابلة مع صحيفة حرييت، أكد بيرول أن «مزهرية هرمز قد انكسرت مرةً واحدةً وإصلاحها صعب»، واعتبر هذا المشروع ليس مجرد مبادرة بنية تحتية عادية، بل ضرورة استراتيجية للعراق وتركيا، وأصلًا حيويًا لأمن إمدادات الطاقة في أوروبا.
والخيار الثاني يتعلق بخط أنابيب بديل يمتد من الشرق إلى الغرب، يمكنه ربط البصرة بميناء ينبع في غرب المملكة العربية السعودية، بالقرب من البحر الأحمر. ورغم أن هذا المشروع لا يزال في إطار التكهنات، إلا أنه يحمل مزايا مقارنةً بالخيار التركي.
إن تنفيذ هذه المشاريع يشكّل تحديًا عسيرًا للحكومة العراقية. أولاً، أزمة الثقة بين بغداد وأربيل لم تُحل بعد، ومن الممكن أن يتوقف تصدير النفط عبر المسار الشمالي في أي لحظة. ثانيًا، تُقدّر الاستثمارات المطلوبة لخط الأنابيب الجديد بعشرات المليارات من الدولارات، وسيستغرق إنجازه سنوات طويلة، مما يستلزم استثمارًا مشتركًا على الأقل بين دولتين. ثالثًا، التهديدات السياسية والأمنية لا تزال مرتفعةً، إذ يواجه رئيس الوزراء العراقي الجديد تحديًا سياسيًا بالغ الأهمية يتمثل في تحديد مصير القوات العسكرية الداخلية ودمجها ضمن الجيش الوطني، وهذه القوات تتمتع بقدرات عملياتية متفاوتة وانتماءات سياسية مختلفة، مما قد يجعل كل منها يسعى لتحقيق مصالح مجموعته السياسية، وهذا الواقع الداخلي يتناقض بشكل جوهري مع إقامة مشاريع كبرى واستراتيجية.
في النهاية، يبدو أن العراق يقف اليوم عند مفترق طريق تاريخي: إما أن يستثمر بشكل عاجل في المحاور الشمالية والغربية لتقليل مخاطر التصدير، أو أن يضيع فرصة الاستثمارات المشتركة بسبب انشغال الحكومة الجديدة في الصراعات السياسية الداخلية.
وقد أظهرت التجربة خلال الأشهر الثلاثة الماضية أنه لا يمكن التطلع إلى استقرار سريع في المنطقة، ولذلك، ومع سعي جميع الدول الخليجية اليوم إلى إيجاد ممرات جديدة للطاقة، لا يستثني العراقيون أنفسهم من هذا السياق.
