الوقت - في حين لم يتبدد بعد غبار الاشتباكات الأخيرة في المنطقة، فاجأت الأخبار الواسعة الانتشار بشأن اقتراب الطرفين من توقيع اتفاق سلام العالم بأسره. وكانت مصادر هذه الأخبار هذه المرة دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، الذي سبق له مراراً أن تحدث عن قرب التوصل إلى اتفاق مع إيران، لكن كل مرة كانت القصة تنكشف من جهة أخرى.
هذه المرة أيضاً لجأ ترامب إلى تكتيكه المعتاد: إعلان تهديد كبير أولاً، ثم التراجع عن مواقفه. فقد ادعى على شبكة التواصل الاجتماعي “تروث سوشال” أنه بسبب تقدم المفاوضات مع إيران وموافقة الأطراف الإقليمية المختلفة على إطار الاتفاق، أصدر أمراً بإلغاء الهجمات والقصف المخطط ضد إيران. كما أعلن أن نص الاتفاق قد تم الانتهاء منه، ومن المحتمل أن يُقام حفل التوقيع في الأيام المقبلة في أوروبا.
تأتي هذه التصريحات في وقتٍ تشهد فيه المنطقة تحركات دبلوماسية مهمة خلال الأيام الأخيرة، حيث تعدّ زيارة الوفد القطري إلى طهران واجتماعه مع كبار مسؤولي الجمهورية الإسلامية، واحدةً من أبرز علامات تفعيل قنوات الوساطة.
وبالتزامن مع تصريحات ترامب، أضافت بعض وسائل الإعلام البارزة وقوداً لموجة التكهنات بنشرها أخباراً عن بنود الاتفاق المزعوم نقلاً عن مصادر مطلعة.
فقد أفاد موقع “أكسيوس” بأن اتفاقاً أولياً تم التوصل إليه عقب المفاوضات بين المسؤولين الإيرانيين والوسيط القطري، وأن الأطراف المعنية تدرس حالياً التفاصيل النهائية وتحدد موعد التوقيع. ووفقاً لمصادر “أكسيوس”، أخبر المسؤولون الإيرانيون عدة دول بأن المفاوضات في طهران أسفرت عن اتفاق مبدئي، لكن المرشد الإيراني الأعلی السيد مجتبى خامنئي يجب أن يمنح الموافقة النهائية.
كما زعم نورالدين الدغير، مراسل قناة الجزيرة في طهران، أن كل شيء بات حاسماً ونهائياً بشأن الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة. ونقلت قناة “العربية” عن مصادر قولها إن السيد عباس عراقجي سيزور باكستان يوم السبت المقبل.
ويأتي ذلك في وقتٍ استرعى فيه إعلان المكالمة الهاتفية بين الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير قطر، وترامب انتباه المراقبين، حيث أورد بيان رسمي صادر عن ديوان أمير قطر أن الطرفين ناقشا نتائج المشاورات الأخيرة، والتفاهمات التي تم التوصل إليها بين طهران وواشنطن.
ادعاءات إعلامية حول 14 بنداً في الاتفاق
على الرغم من أن المسؤولين في طهران وواشنطن لم يتحدثوا عن تفاصيل أبعاد هذا الاتفاق المحتمل، إلا أن الأخبار غير الرسمية تشير إلى أن هذا الاتفاق مكتوب في 14 بنداً يغطي الجزء الأكبر من المطالب التي طرحتها إيران خلال الأشهر الماضية.
من بين البنود الرئيسية التي وردت في هذا الاتفاق: التوقف الفوري عن الاشتباكات في جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، التزام الولايات المتحدة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لإيران، رفع الحصار البحري تدريجياً، انسحاب القوات الأمريكية من محيط حدود إيران، إعادة فتح مضيق هرمز وفق الترتيبات التي ترغب بها طهران، تعليق العقوبات النفطية والبتروكيميائية، تحرير جزء من الأصول الإيرانية المجمدة، وبدء مفاوضات شاملة حول الملف النووي.
كما تفيد هذه التقارير بأن الولايات المتحدة وحلفاءها يعتزمون تقديم خطط للمشاركة في إعادة إعمار الاقتصاد الإيراني بقيمة تتجاوز 300 مليار دولار. علاوةً على ذلك، سيلتزم الطرفان خلال فترة زمنية لا تتجاوز 60 يوماً بإجراء المفاوضات النهائية بشأن رفع العقوبات بشكل كامل، ومصير المواد المخصبة، ومستقبل البرنامج النووي الإيراني.
تجدر الإشارة إلى أن إيران ستعيد التزامها باتفاقية عدم انتشار الأسلحة النووية، وعدم إنتاج أسلحة نووية. كما سيتم تشكيل آلية رقابية لتطبيق الاتفاق، وسيتم اعتماد الاتفاق النهائي من خلال قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي.
في الختام، لن تبدأ المفاوضات النهائية قبل تحرير نصف الأموال الإيرانية المجمدة، وتعليق العقوبات النفطية، ورفع الحصار البحري، كما تم استبعاد النقاش حول برنامج إيران الصاروخي ودعمها لجماعات المقاومة نهائياً من جدول الأعمال.
طهران تتوخى الحذر تجاه ادعاءات البيت الأبيض
ما يلفت الانتباه أكثر من كل شيء هو النهج الحذر الذي تتبناه طهران تجاه موجة الأخبار المتعلقة بالاتفاق، فعلى عكس المسؤولين الأمريكيين وبعض وسائل الإعلام، لم تؤكد السلطات الإيرانية رسمياً هذه التقارير حتى الآن.
في واحدة من التصريحات النادرة، شدّد إسماعيل بقائي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، رداً على مزاعم ترامب، على أنه رغم أن الجزء الأكبر من نص المفاوضات كان جاهزاً منذ وقت طويل، فإن التغيرات المتكررة في مواقف الجانب الأمريكي أعاقت إتمام الاتفاق. وأضاف أن إيران لم تُظهر أي مرونة في خطوطها الحمراء، وأن ما يطرح حول الاتفاق ما هو إلا تكهنات ولم يُحسم بعد. وأكد أن وضع مضيق هرمز أصبح أكثر خطورةً بسبب الإجراءات الأمريكية، وأن إيران لم تصل بعد إلى استنتاج نهائي بشأن الاتفاق.
كما أضاف بقائي أن عملية اتخاذ القرار في البلاد واضحة تماماً، وأن الجهات المختصة في النظام يجب أن تتوصل إلى توافق بشأن كل بند من نص الاتفاق وأي تفاهم محتمل، وبمجرد التوصل إلى قرار نهائي سيتم الإعلان عنه رسمياً دون تأخير.
هذا الموقف يعكس بوضوح أنه على الرغم من الأجواء الإعلامية التي تشي بقرب توقيع الاتفاق، لا يزال هناك فجوة كبيرة بين الطرفين حول بعض القضايا المحورية، وهي قضايا قد تتحول في المراحل النهائية من المفاوضات إلى أبرز العقبات التي تعيق التوصل إلى اتفاق.
واشنطن لا تزال غير جديرة بالثقة
يشتهر ترامب بتغيّر مواقفه المتكرر، وأحياناً بما يصل إلى 180 درجة، حيث يمزج بين الحقيقة والكذب ليُربك خصومه، مستغلاً هذا الالتباس لدفع مخططاته المفاجئة والأصلية قدمًا. وهذه المرة، وبعد ساعات قليلة من إعلان تفاؤله بشأن إتمام نص الاتفاق، انقلب على طهران بلغة حادة قال فيها: «الأوضاع التي سربتها إيران إلى وسائل الإعلام المضللة لا تمت بصلة إلى الشروط المكتوبة التي تم الاتفاق عليها. ما قالوه، بما في ذلك تصريحاتهم الضعيفة والمثيرة للشفقة حول وجود اتفاق، لا علاقة لها بالحقيقة. لا وجود لأي صفقة بحسن نية معهم. وهذا أمر مذهل».
إن غضب ترامب له أسباب واضحة؛ إذ تتعارض بعض البنود الرئيسية التي نشرتها وسائل الإعلام بشكل صريح، مع الخطوط الحمراء التي وضعها البيت الأبيض سابقًا حول أي صفقة مع إيران.
ومن أبرز نقاط الخلاف موضوع مخزون اليورانيوم المخصب لدى إيران، حيث أكد ترامب مرارًا أن مخزون اليورانيوم بنسبة تخصيب 60% يجب أن يُنقل خارج الأراضي الإيرانية، بل واقترح نقله إلى الولايات المتحدة. وفي المقابل، تعارض طهران بشدة نقل هذه المواد إلى أمريكا أو حتى إلى دولة ثالثة.
خلاف آخر يتعلق بوضع مضيق هرمز، إذ أعلنت إيران بعد التطورات الإقليمية الأخيرة أن الوضع الأمني لهذا الممر المائي لن يعود إلى ما كان عليه قبل الحرب، وأن عبور السفن يجب أن يتم وفق ضوابط وترتيبات جديدة تحددها طهران، بينما تصر واشنطن على الحفاظ على حرية الملاحة الكاملة وفقًا للشروط السابقة، وترفض أي قيود أو فرض رسوم على السفن.
كما يمثّل ملف تحرير الأصول الإيرانية المجمدة نقطة خلاف مهمة أخرى، فقد أعلن ترامب مرارًا رفضه إعادة هذه الأموال، وأوردت بعض التقارير الإعلامية أن البيت الأبيض يدرس تخصيص هذه الأصول للدول العربية المتضررة من الحرب الأخيرة.
إلى جانب هذه الخلافات الفنية والسياسية، يظل موضوع الثقة من أكبر العقبات التي تعترض الاتفاق المحتمل.
وتزداد هذه الحالة من عدم الثقة وضوحًا حينما يؤكد مسؤولون في الجمهورية الإسلامية مرارًا على تاريخ خيانة البيت الأبيض مرتين للدبلوماسية وطاولة المفاوضات، وأن الولايات المتحدة واصلت أعمالها العدائية العسكرية ضد إيران وجبهة المقاومة حتى خلال فترة الهدنة، ولهذا السبب لا تزال السلطات الإيرانية تصف قواتها المسلحة بأنها في حالة حرب وعلى أهبة الاستعداد الكامل.
وتُظهر التطورات الأخيرة أن وجهة نظر المراقبين ووسائل الإعلام الدولية ترى أن فرص التوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة، قد تعززت أكثر من أي وقت مضى منذ حرب الـ 12 يومًا، لكن استمرار بعض الخلافات الاستراتيجية لا يزال يمنع التوصل إلى استنتاج حاسم بشأن مصير المفاوضات.
وعليه، في ظل هذه الظروف الراهنة، ومع بروز الخلافات الحادة، إضافةً إلى الحرب السردية التي تهيمن على أجواء ما بعد الهدنة المؤقتة، تبقى أي تقييمات حول إمكانية وطبيعة الاتفاق مجرد أحكام مسبقة.
ومع ذلك، لا شك أن مثل هذا الاتفاق سيُشكل نقطة تحول جيوسياسية وأمنية بالغة الأهمية في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، وسيترك أثرًا كبيرًا على موازين القوة واستقرار المنطقة.
