الوقت - قبل نحو عشرة أيام، وبعد سيطرة جزئية للجيش الصهيوني على قلعة الشقيف شمال نهر الليطاني في جنوب لبنان، أصدر نتنياهو أوامر بشن هجوم على بيروت والضاحية، لكن إيران وجّهت تحذيراً صارماً مما أدى إلى تعليق الهجوم. وكان سبب تحذير إيران أن وقف الحرب في جنوب لبنان، يشكّل جزءاً مهماً من إطار المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة.
وبعد توقفٍ استمر خمسة أيام، أعاد نتنياهو إصدار أوامر الهجوم على الضاحية وبيروت، فقصفت القوات الجوية الإسرائيلية مبنى زعمت أنه تابع لحزب الله، رغم خلوه من أي شخص في حينها. وكان هذا الفعل العدواني – وإن بدا صغيراً – كافياً لتحقيق التهديد الإيراني المعلن، فحلّقت صواريخ إيران القوية مستهدفةً مواقع محددة في شمال الأراضي المحتلة.
رغم ادعاء ترامب بأنه لم يكن موافقاً على هجوم "إسرائيل" على الضاحية، نفى بعض الإعلام الصهيوني هذا الادعاء، وتحليلياً كان الهجوم بتنسيق ومعرفة ترامب. ومع اختلاف أهداف نتنياهو عن ترامب، إلا أن كلاهما كان لهما مصالح مشتركة في هذا الهجوم.
سعى نتنياهو من خلال هذا الهجوم إلى تحسين موقعه الداخلي في الأراضي المحتلة، خصوصاً في شمالها، وصنع إنجاز يبرئه من اتهامات العجز التي توجّهها له المعارضة، ليبقى اللاعب الأقوى في انتخابات الكنيست القادمة. أما ترامب فكان يأمل، عبر تجاوز الخطوط الحمراء لإيران في قضية لبنان، أن يكسر كبرياءها وثقتها بنفسها، ويفتح الطريق الضيق والمعقد للمفاوضات الذي أصبح مستحيلاً بسبب تمسك إيران بمبادئها، كما كان يهدف إلى فصل إيران عن حزب الله، مما يؤدي إلى تفكك وحدة الساحات.
لكن تحليق صواريخ إيران ونجاحها في إصابة أهداف محددة في الأراضي المحتلة أحبط أهداف نتنياهو وترامب، وبذلك لم تتحقق مصالحهما المشتركة.
منفّذ عملية "النصر"، أي إيران، من خلال تنفيذ هذه العملية الشجاعة والذكية، كسر السُنَّة الشيطانية والبلطجية التي حكمت المنطقة، والتي أرساها الصهاينة، فكانوا يعتدون متى شاءوا وأينما شاءوا بلا خوف من العقاب، مرتكبين جرائمهم عبثاً وبتصرفات انفرادية. لكن إيران استبدلت تلك السُنَّة الشيطانية بقاعدة جديدة، وهي الرد القوي والحاسم على أي اعتداء.
يبدو أن المهلة التي مدتها خمسة أيام لـ "إسرائيل" لتعليق هجومها على الضاحية كانت فرصةً لدراسة أبعاد التهديد الإيراني، ولكن وفقاً لبعض الأنباء، فإن الصهاينة، متغطرسين على تلك السُنَّة الشيطانية السابقة وربما مصدّقين بعض ادعاءات ترامب حول إضعاف القوة العسكرية الإيرانية، وقعوا في خطأ حسابي مكلف، حتى إنهم قبل دقائق قليلة من الهجوم الإيراني القوي كانوا يعتقدون أن تهديد إيران مجرد تهويل ولن يُنفَّذ.
أما الخطأ الحسابي الثاني لنتنياهو فكان عندما ظنّ، بعد تلقيه ضربات ساحقة ومدمرة، أنه يمكنه وقف هجمات إيران عبر جرّ الحرب إلى البنية التحتية. وبناءً على هذا الاعتقاد الخاطئ، شنّ هجوماً على مجمع البتروكيماويات في مدينة "ماهشهر"، لكنه تلقى رداً ثقيلاً ومعادلاً في مجمعات البتروكيماويات وحقول الطاقة في حيفا، فأدرك بسرعة أنه وصل إلى طريق مسدود عسكرياً، وأنه إذا استمرت الحرب، فسيفقد أثمن أصوله في وقت قصير جداً.
وحال ترامب لم يكن أفضل من ذلك. فصوت الانفجارات العنيفة لصواريخ إيران التي أصابت أهدافاً مهمةً في الأراضي المحتلة بدأ يصل تدريجياً إلى أسواق النفط، في حين بدأت أنصار الله في اليمن بإطلاق صاروخين على الأراضي المحتلة وإغلاق مضيق باب المندب أمام السفن المرتبطة بـ "إسرائيل"، مما يعني تصاعد وتيرة المعركة، التي لا تزال حتى الآن ليس في صالح أي من نتنياهو أو ترامب.
لذلك، رفعوا الراية البيضاء أسرع مما كان متوقعاً، واتضح أن صواريخ إيران قد أوصلت رسالتها بوضوح. ونأمل أن يعمّ هذا الإحساس بالقوة والاقتدار قريباً كل أرجاء لبنان، إن شاء الله.
