الوقت - في الجولة الجديدة من الهجمات التي يشنها الاحتلال الصهيوني على جنوب لبنان، تعرضت مدينة صور التاريخية يوم الثلاثاء لقصف عنيف بعد إصدار أوامر إخلاء قسرية وتحذيرات متكررة لسكانها بضرورة مغادرة منازلهم. وبعد ساعات، أفادت وكالة فرانس برس بأن 99% من سكان المدينة قد غادروا هاربين إلى المناطق الشمالية من البلاد.
يأتي ذلك في وقتٍ شهد جنوب لبنان في الأسابيع الأخيرة تصاعداً تدريجياً في تحذيرات الإخلاء التي أصدرتها القوات الصهيونية، وهو مسار تقدم الآن ليصل إلى عمق الأراضي اللبنانية حتى صيدا ومنطقة نهر الزهراني.
كانت هذه التحذيرات سابقاً تركز على القرى الحدودية وجنوب نهر الليطاني، لكنها اليوم تشمل تحذيرات لإخلاء المنازل في جنوب نهر الزهراني والتوجه نحو الشمال. وتشمل هذه المنطقة مدناً تعدّ أبعد نسبياً عن خط المواجهة، منها سكان تسع مدن في مناطق صيدا والنبطية، وهي: قاقاية الصنوبر، كوثرية الصياد، المروانية، الغسانية، تفاحته، ارزعي، البابلية، أنصار والبصارية.
يرى المراقبون أن "إسرائيل" تتبع سياسةً تتجاوز الأهداف العسكرية المباشرة، فهي تسعى إلى إعادة تشكيل التركيبة السكانية بطريقة تخدم ترتيباتها الأمنية طويلة الأمد في جنوب لبنان.
وتكتسب هذه المنطقة أهميتها من طبيعتها الجغرافية، حيث تتشابك التلال مع الوديان والأحراش، مما يوفّر بيئةً مثاليةً لحرب العصابات، ويمنح المقاتلين القدرة على الاختباء والمناورة سواء عبر تضاريس الأرض الطبيعية أو عبر شبكة الأنفاق والمنشآت تحت الأرض.
وفي هذا السياق، قال العقيد نضال أبو زيد، الخبير العسكري والاستراتيجي في حديثه مع قناة الجزيرة، إن القصف المتكرر لجنوب لبنان وخاصةً مدينة صور من قبل "إسرائيل" لا يهدف فقط إلى أهداف عسكرية، بل يعكس أيضاً مساراً لتغيير ديموغرافي واسع في المنطقة.
واعتبر هذا الخبير أن القصف المتواصل للأحياء الجنوبية واستهداف صور، يمثّلان نمطاً عملياتياً يركز على المناطق ذات الكثافة السكانية المرتبطة بالقاعدة الاجتماعية للحزب، مما يعزّز فرضية تهجير السكان وتغيير التركيبة السكانية.
حرب الجسور؛ من الليطاني إلى الزهراني
من بين المواضيع التي لفتت انتباه المراقبين للتطورات باعتبارها دليلاً على تمهيد الکيان لتغييرات جوهرية في التركيبة السكانية جنوب لبنان، تبرز ظاهرة الهدم الممنهج للجسور على نهر الليطاني، والتي تتكرر الآن على نهر الزهراني.
لم يكن نهر الليطاني مجرد مجرى مائي عادي في لبنان، بل شكّل عبر تاريخه الحديث أحد أهم عناصر المشهد الجيوسياسي والاقتصادي في البلاد. فهو أطول أنهار لبنان بطول يقارب 170 كيلومتراً، ينبع من وادي البقاع قرب بعلبك، ثم يتجه جنوباً ثم ينعطف غرباً ليصبّ في البحر الأبيض المتوسط شمال مدينة صور.
وتكمن خصوصية نهر الليطاني ليس فقط في طوله أو مساره، بل في كونه نهرًا لبنانيًا خالصًا يجري بأكمله داخل الأراضي اللبنانية، مما جعله دائماً جزءًا لا يتجزأ من مفهوم السيادة المائية والاقتصادية للبنان.
يمثّل الليطاني أهميةً بالغةً على المستويات الاقتصادية، والطاقة، والاستراتيجية. اقتصادياً، يشكّل النهر شرياناً حيوياً للزراعة، حيث يروّي مساحات واسعة من أراضي وادي البقاع وجنوب لبنان، لا سيما سهول القاسمية، ليكون بذلك قاعدةً صلبةً لاستمرار الإنتاج الزراعي وتحقيق الأمن الغذائي في البلاد.
ويعتمد جزء كبير من الطاقة الكهرمائية اللبنانية على هذا النهر، خصوصاً بفضل سدّ قرعون الذي يُعد من أبرز المشاريع المائية في لبنان، مما يمنح النهر بعداً تنموياً يتجاوز كونه مجرد مصدر طبيعي ليصبح جزءاً من البنية التحتية الحيوية للدولة.
وعلى الصعيد الاستراتيجي، يُعد نهر الليطاني أكبر خزان للمياه العذبة في لبنان، ما يجعله عنصراً محورياً في معادلة أمن المياه، خصوصاً في منطقة تعاني من تحديات متزايدة في الموارد المائية.
في هذا السياق، اكتسب النهر بُعداً سياسياً وعسكرياً بارزاً، إذ شكّل عبر عقود خط تماس حساساً في رسم حدود الصراع مع الكيان الصهيوني. وتمتد المنطقة من نهر الليطاني حتى الحدود الدولية مع الأراضي المحتلة، وتعرف بـ«الخط الأزرق»، وهو أحد أكثر المناطق حساسيةً في المعادلات العسكرية في جنوب لبنان.
واستناداً إلى هذه الأبعاد الجيوسياسية المتعددة، حوّل الجيش الصهيوني منذ بدء عملياته العسكرية في الأراضي اللبنانية جسور نهر الليطاني، ومنها جسري القاسمية وزهراني، إلى أهداف عسكرية رئيسية.
يقع جسر القاسمية على الطريق الساحلي الذي يربط بين صيدا وصور، على بعد نحو 6 كيلومترات من صور و30 كيلومتراً من صيدا. ويعدّ هذا الجسر أحد أهم شرايين جنوب لبنان، وهو واحد من خمسة جسور رئيسية تربط ضفتي نهر الليطاني. ومع تدمير هذه المعابر، يتحول جنوب لبنان من منطقة جغرافية متماسكة إلى مناطق معزولة ومجزأة، كما هو الحال الآن في المرجعيون، الخيام، وادي الحجير، وسهل القاسمية.
ولا يقتصر أثر استهداف الجسور على البعد العسكري فحسب، بل يحمل تداعيات إنسانية مباشرة، إذ تُعد المناطق المحيطة بهذه الجسور الممر الرئيسي لتوفير الغذاء والإمدادات الطبية إلى مدينة صور ومحيطها. ولا يزال نحو 20% من سكان جنوب الليطاني يقيمون في مناطقهم، وإذا ما انقطعت هذه الطرق، فإن أزمةً معيشيةً خانقةً ستطال مئات الآلاف.
وبتعطل حركة النقل، يواجه الاقتصاد المحلي ركوداً من التجارة إلى العمل اليومي والزراعة، مما يدفع سكان هذه المناطق نحو الهجرة القسرية.
في الحقيقة، يعمل الکيان بشكل منهجي على تدمير البنى التحتية التي تتيح استمرارية الحياة اليومية للسكان، ممهّداً بذلك لزوال الأمل في مستقبل مستقر لهم.
ضمّ جنوب لبنان إلى جبل حرمون في الجولان المحتل
في حين يبرّر صانعو القرار وقادة الجيش الصهيوني الدفع نحو شمال نهر الليطاني وإجبار السكان المحليين على إخلاء مناطق جنوب نهر الزهراني بذريعة منع حزب الله من تنفيذ أي عمليات، فإنّ تهجير الناس واستهداف الجسور يشيران إلى سيناريو أكبر وخطة شاملة تتجاوز حدود لبنان.
تخبرنا الخرائط أن مشروعاً أوسع نطاقاً قيد التنفيذ. نهر الزهراني يقع على بعد 20 كيلومتراً شمال نهر الليطاني. ويتمتع نهر الزهراني بخصوصية استراتيجية؛ فإذا رسمنا خطاً مستقيماً من النهر باتجاه الشرق، سنصل إلى جبل حرمون في سوريا. بعد سقوط نظام الأسد، استغلت "إسرائيل" فراغ السلطة وتقدمت نحو مساحات إضافية حول الجولان المحتل، حيث سيطرت على جبل حرمون وأقامت هناك قاعدةً عسكريةً. وبعبارة أخرى، ربطت الجولان بجبل حرمون.
في المفاوضات التي جرت بين دمشق وتل أبيب تحت إشراف الولايات المتحدة، بذل الاحتلال الصهيوني كل جهوده لاستبعاد الانسحاب من جبل حرمون من جدول المفاوضات، وفرضه كواقع جديد على السوريين.
وإذا ما وصل الجيش المحتل إلى نهر الزهراني، ستصبح الأراضي التي يحتلها في سوريا (الجولان وجبل حرمون) متجاورةً بشكل مباشر مع المناطق الجديدة التي سيحتلها في لبنان. لذلك، من المرجح أن تسعى "إسرائيل" من خلال ربط جنوب لبنان بجنوب سوريا (مساحة تصل إلى 4000 كيلومتر مربع) إلى ضمّها إلى أراضيها.
