الوقت - بينما لم يتبقَّ سوى ثلاثة أيام على انطلاق كأس العالم 2026، تُجري الدول المضيفة الاستعدادات النهائية لاستقبال المنتخبات الوطنية والصحفيين والمصورين وملايين مشجعي كرة القدم من جميع أنحاء العالم، بهدف تنظيم هذه البطولة الرياضية الكبرى بأعلى مستويات الجودة والجاذبية، أصبحت القيود التي فرضتها الولايات المتحدة، بصفتها إحدى الدول الثلاث المضيفة للبطولة، على إجراءات إصدار التأشيرات مثيرة للجدل. ويُعزى هذا الجدل بشكل كبير إلى سياسات الهجرة الصارمة ونزعة إدارة ترامب العدائية.
وتُعتبر الشروط المفروضة على المنتخب الإيراني لكرة القدم أحد أبرز الأمثلة على استغلال الحكومة الأمريكية لشروط الاستضافة لتحقيق أهداف سياسية عدائية، وهو ما يتناقض تمامًا مع الروح الرياضية ورسالة السلام التي تحملها هذه البطولة.
انتظر لاعبو المنتخب الوطني وطاقمه الفني أسابيع للحصول على تأشيراتهم من الولايات المتحدة، وسادت مخاوف عديدة بشأن مشاركتهم في كأس العالم في الوقت المحدد. وأخيرًا، وبعد مشاورات ومتابعات مكثفة بين الاتحاد الدولي لكرة القدم ومسؤولين الفيفا، صدرت التأشيرات يوم السبت لـ 26 لاعبًا وعضوًا رئيسيًا في الطاقم الفني.
ومع ذلك، لم تُحل المشكلة بشكل كامل، فبحسب الاتحاد الدولي لكرة القدم، ما زالت الولايات المتحدة ترفض إصدار تأشيرات لـ 15 عضوًا من الاتحاد، وفريق التنسيق، وقسم الدعم والتحليل في المنتخب الوطني، بل إن رئيس الاتحاد، مهدي تاج، لم يتمكن من الحصول على تأشيرة. ويأتي هذا على الرغم من أن هؤلاء الأشخاص يشكلون جزءًا هامًا من الهيكل التنفيذي لكل فريق مشارك في كأس العالم، وأن غيابهم قد يؤثر بشكل مباشر على عملية إعداد ودعم الفرق.
... من المقرر أن يقيم المنتخب الإيراني معسكره التدريبي في تيخوانا بالمكسيك، وأن يخوض مباراته الأولى في لوس أنجلوس يوم 15 يونيو/حزيران. إلا أن القيود المفروضة حالت دون مشاركة المنتخب الإيراني في البطولة بكامل طاقمه الإداري والتنفيذي.
يأتي هذا في وقتٍ أكد فيه مسؤولو الفيفا مرارًا وتكرارًا خلال الأشهر الماضية على عدم مواجهة أي فريق لمشاكل في الحصول على تأشيرات للمشاركة في كأس العالم، وعلى ضرورة تمتع جميع الدول المشاركة بظروف متساوية.
كما أصدر الاتحاد الإيراني لكرة القدم بيانًا شديد اللهجة ردًا على هذه القضية، واصفًا القرار الأمريكي بأنه خطوة سياسية. وجاء في البيان أن الحكومة الأمريكية، في إطار استمرارها لأعمالها العدائية ضد إيران، رفضت منح تأشيرات لبعض أعضاء الجهاز الإداري والتنفيذي للمنتخب الوطني، وأن هذا القرار لا يتوافق مع القوانين الرياضية الدولية.
القيود لا تقتصر على إيران فقط
فإيران ليست الدولة الوحيدة التي واجهت مثل هذه المشاكل، وتشير التقارير المنشورة إلى أن بعض الدول الأخرى واجهت قيودًا مماثلة.
ووفقًا لتقرير صادر عن مجلس العلاقات الخارجية، واجه مشجعو المنتخب الهايتي عقباتٍ كبيرة في حضور البطولات التي تُقام على الأراضي الأمريكية. فُرضت قيودٌ أيضًا على مواطني ساحل العاج والسنغال. كما وردت تقارير عن رفض منح تأشيرات دخول لبعض المشجعين في المغرب.
ووجّهت الولايات المتحدة تحذيرًا غير مسبوق لاتحاد كرة القدم في جمهورية الكونغو الديمقراطية بشأن تفشي سلالة جديدة من فيروس إيبولا في أفريقيا، محذّرةً من أن عدم الالتزام الصارم بالبروتوكولات الطبية قد يُكلّف المنتخب حلمه بالفوز بكأس العالم.
بالإضافة إلى ذلك، واجه مواطنو عدد من الدول الأفريقية شروطًا مالية أكثر صرامة للحصول على تأشيرات سياحية أمريكية. ووفقًا لمجلس العلاقات الخارجية، سيُطلب من مواطني ساحل العاج والسنغال تقديم المزيد من الأدلة على مواردهم المالية، ووضعهم الوظيفي، واعتمادهم الاقتصادي على الآخرين لإثبات عودتهم إلى بلدانهم بعد انتهاء البطولة. ويقول منتقدون إن هذه السياسة قد تُصعّب على المشجعين من الدول ذات الدخل المنخفض حضور المباريات.
وقد بدأت تظهر بوادر تطبيق هذه القيود في الولايات المتحدة، حيث خضع أيمن حسين، مهاجم المنتخب العراقي، لساعات من الاستجواب والتفتيش الأمني عند دخوله الولايات المتحدة، كما واجه عدد من أعضاء الوفد العراقي ظروفًا مماثلة.
كما مُنع طلال صلاح، مصور المنتخب العراقي، من دخول الولايات المتحدة بعد نحو عشر ساعات من الاستجواب والتفتيش في مطار شيكاغو، وهو ما أثار انتقادات واسعة النطاق لمعاملة أعضاء الفرق المشاركة في كأس العالم.
وفي هذا السياق، انتقدت رابطة كتاب الرياضة العالمية المشاكل التي يواجهها الصحفيون والمصورون، واحتجت على هذه القضية، ودعت الحكومة الأمريكية إلى تسهيل إجراءات إصدار التأشيرات ودخول الإعلاميين حتى لا تتعرقل التغطية الإخبارية لهذا الحدث الرياضي الكبير.
سياسات ترامب للهجرة تُلقي بظلالها على كرة القدم
تأتي القيود المفروضة على بعض الفرق المشاركة في كأس العالم في ظل تطبيق إدارة دونالد ترامب سياسات هجرة أكثر صرامة ضد مواطني عدد من الدول في الأشهر الأخيرة، وقد امتد هذا النهج ليشمل كأس العالم، حيث تستغل واشنطن فرصة استضافة هذا الحدث الكبير لتطبيق سياساتها المتعلقة بالهجرة.
رفض المسؤولون الأمريكيون الانتقادات، ويحاولون تبرير القيود بدوافع أمنية. صرّح باولو زامبولي، الممثل الخاص للولايات المتحدة للشراكات العالمية، بأن هذه القيود تهدف إلى حماية الأمن الداخلي الأمريكي، ولا علاقة لها بالرياضة أو بدول بعينها.
كما صرّح توم هومان، رئيس إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية، بأن الوكالة ستركز على الأمن القومي وحماية البطولة خلال كأس العالم. وأوضح أن الهدف الرئيسي لضباط الهجرة خلال البطولة ليس احتجاز المهاجرين غير الشرعيين، بل منع التهديدات الأمنية المحتملة، ولكن في حال ربطت مسائل أمنية بوضع الهجرة للأفراد، فسيتم اتخاذ الإجراءات اللازمة.
مع أن المسؤولين الأمريكيين يبررون هذه الإجراءات بحماية الأمن القومي فقط، إلا أن النتيجة العملية لهذه السياسات هي خلق المزيد من العقبات أمام بعض الدول، والجماهير، والصحفيين، وحتى أعضاء القوافل الرياضية.
تقوم فلسفة كأس العالم على ضرورة أن توفر الدولة المضيفة ظروفًا متساوية وعادلة لجميع الفرق والمشاركين، وأن تتجنب أي إجراء قد يُوحي بالتمييز أو المعاملة التفضيلية بناءً على اعتبارات سياسية.
يزداد هذا الوضع غرابةً عند مقارنته بسلوك الدول المضيفة السابقة لكأس العالم. ففي النسخ الماضية، سعت الدول المضيفة عادةً إلى إبراز صورة إيجابية لثقافتها ومجتمعها وكرم ضيافتها لدى ملايين الزوار الأجانب، لكنّ العديد من التقارير الإعلامية ركّزت الآن على قضايا التأشيرات، ومخاوف الهجرة، وقيود الدخول إلى الولايات المتحدة، بدلاً من التركيز على حماس البطولة.
عموماً، ينبغي أن يكون كأس العالم احتفالاً بالشعوب ورمزاً للتضامن يتجاوز الحدود السياسية، لكنّ العقبات التي تضعها الولايات المتحدة تُظهر أن السياسة قد توغلت في عالم كرة القدم أكثر من أي وقت مضى، وإذا استمر هذا التوجه، فسيتحوّل أكبر حدث رياضي في العالم إلى مسرح لعرض الانقسامات السياسية وقيود الهجرة، بدلاً من أن يكون رسالة صداقة بين الأمم.
