الوقت- في مشهد سياسي يعكس عمق الروابط الاستراتيجية وتلاقي المصائر بين صنعاء وطهران، تأتي الرسالة التي بعث بها نائب وزير الخارجية والمغتربين اليمني، عبدالواحد أبوراس، إلى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، لتتجاوز كونها بروتوكولاً دبلوماسياً بمناسبة ذكرى رحيل الإمام الخميني(قدس سره)، لتصبح إعلاناً سياسياً صريحاً عن وحدة الموقف في مواجهة التحديات الوجودية الكبرى. إن هذا التوقيت ليس وليد الصدفة، بل يأتي في ظل تصاعد وتيرة العدوان والمؤامرات التي تستهدف الجمهورية الإسلامية الإيرانية عبر سياسات الحصار الجائر والضغوط العسكرية الممنهجة. من خلال هذه الرسالة، لا يستحضر اليمن إرث الإمام الخميني(قدس سره) كقيمة روحية فحسب، بل يستحضره كمنهج عمل سياسي يقوم على مقارعة الظلم والتحرر من التبعية، وهي المبادئ ذاتها التي باتت تشكل العمود الفقري لمواقف اليمن في وجه الهيمنة الدولية المتصاعدة. إن التأكيد اليمني على التضامن الكامل مع إيران في مواجهة العدوان الأمريكي-الصهيوني يرسخ مفهوم وحدة الساحات ويؤكد أن الصراع ليس مجرد نزاع حدودي أو سياسي عابر، بل هو معركة كبرى بين قوى الاستقلال وقوى الاستكبار العالمي. هذا التلاحم يعيد رسم خارطة التحالفات في المنطقة، مؤكداً أن أي استهداف لإيران هو استهداف لمبدأ التحرر الذي تتبناه شعوب المنطقة، مما يضع المجتمع الدولي أمام واقع جديد يرفض الانصياع للمشاريع التي تسعى لفرض التبعية وإضعاف قوى الصمود في الشرق الأوسط.
فلسفة التحرر كمحرك للسياسة اليمنية
لم تكن إشادة نائب وزير الخارجية اليمني بمناقب الإمام الخميني(قدس سره) مجرد استعادة عابرة للذاكرة التاريخية، بل هي عملية ربط منهجية بين المدرسة الخمينية وبين الواقع السياسي الذي يعيشه اليمن في خضم معاركه الوجودية. إن التركيز المكثف في الرسالة على قيم التحرر من التبعيةوتحقيق الاستقلال يعكس الرغبة اليمنية العميقة في تبني نهج سياسي سيادي لا يخضع للإملاءات الخارجية، وهو ما يتقاطع بشكل مباشر مع تطلعات الدولة اليمنية في استعادة قرارها الوطني. إن مدرسة الإمام الخميني(قدس ره)، كما وصفها أبوراس بدقة، تقوم على فلسفة مناهضة الاستكبار العالمي وترسيخ التضامن بين الشعوب الإسلامية، وهي القيم التي يرى اليمن نفسه حاملاً لرايتها في الوقت الراهن بكل ثبات. من خلال هذا الربط الفلسفي، يحاول الخطاب السياسي اليمني إرسال رسالة استراتيجية مفادها أن النضال ضد الظلم ليس فعلاً عشوائياً أو رد فعل لحظي، بل هو استمرار لمسار فكري ومنهجي طويل يهدف إلى استعادة كرامة الأمة ودعم قضاياها العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية المركزية. إن هذا التماهي الفكري بين صنعاء وطهران يمنح التحالف صبغة سياسة صلبة تتجاوز المصالح السياسية الضيقة لتصبح قضية مبدأ وقيم، مما يصعّب من محاولات الاختراق السياسي أو التفكيك التي تسعى إليها القوى الدولية الساعية للهيمنة على مقدرات المنطقة.
وحدة المواجهة.. صمود طهران في عين العاصفة
تنتقل الرسالة اليمنية من البعد الفكري والقيمي إلى البعد الميداني والواقعي المباشر، عبر تسليط الضوء بوضوح على ما تتعرض له الجمهورية الإسلامية من عدوان غاشم وحصار جائر. إن توصيف أبوراس للوضع الإيراني يعكس إدراكاً يمنياً عميقاً لحجم التحديات الوجودية التي تواجهها طهران، والتي تتمثل في تحالف استراتيجي غير مسبوق بين الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي لفرض حصار اقتصادي وعسكري خانق يهدف إلى كسر إرادة الدولة. ومع ذلك، فإن التحليل اليمني يبرز نقطة جوهرية تمثل جوهر الصراع، وهي فشل المعتدين في تحقيق أهدافهم المرسومة، معزوماً إلى استبسال القوات الإيرانية ووحدة الشعب الإيراني خلف قيادته. إن استخدام مصطلح الصخرة الصلبة لوصف الصمود الإيراني يشير إلى رؤية يمنية ترى في إيران حائط صد منيع يمنع تمدد المشاريع الاستعمارية في الشرق الأوسط. هذا التحليل يوضح أن اليمن لا ينظر إلى إيران كدولة تمر بأزمة عابرة، بل كدولة تقود معركة صمود استراتيجية كبرى، وأن فشل المؤامرات الموجهة ضدها هو انتصار لمبدأ المقاومة ككل في المنطقة. إن هذا التضامن ليس مجرد تعاطف دبلوماسي، بل هو اعتراف بفاعلية النموذج الإيراني في الصمود أمام الضغوط المزدوجة، مما يعزز من ثقة كافة قوى المقاومة في قدرتها على تجاوز مرحلة الحصار والعدوان والوصول إلى الاستقرار والسيادة الكاملة.
التضامن اليمني.. رسالة استراتيجية لكسر الهيمنة
في ختام رسالته، وضع أبوراس النقاط على الحروف بتجديد التأكيد الحاسم على الوقوف والتضامن الكامل مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية وشعبها الشقيق. هذه الخاتمة ليست مجرد جملة بروتوكولية ختامية، بل هي تعهد استراتيجي يحدد ملامح العلاقة المستقبلية والمصير المشترك بين اليمن وإيران في ظل الصراع الإقليمي المحتدم. إن التأكيد على التضامن في مواجهة العدوان الأمريكي الصهيوني يضع اليمن في قلب المعادلة الإقليمية، ويؤكد أن صنعاء لن تقف موقف المتفرج تجاه أي استهداف لعمقها الاستراتيجي في طهران. هذا الموقف يعزز من مفهوم وحدة الصف في مواجهة القوى التي تسعى لإعادة تشكيل المنطقة وفق مصالحها الاستعمارية، ويؤكد أن جبهة المقاومة تمتلك من التماسك والتنسيق ما يكفي لمواجهة كافة التهديدات المركبة. إن هذا التضامن يحمل في طياته دلالات جيوسياسية هامة؛ فهو يربط الجبهة اليمنية بالعمق الإيراني برباط من المصير المشترك، ويشير بوضوح إلى أن أي محاولة لإضعاف أحد طرفي هذا المحور ستواجه بردود فعل وتنسيق عالٍ. في نهاية المطاف، تظهر الرسالة اليمنية أن الصراع القادم ليس مجرد صراع عسكري، بل هو صراع إرادات كبرى، حيث يثبت اليمن أن موقفه من إيران هو موقف مبدئي نابع من إيمان عميق بضرورة كسر قيود التبعية والوقوف في وجه الظلم العالمي.
المآلات السياسية.. خارطة طريق للمقاومة
إن قراءة هذه الرسالة في سياقها التاريخي والسياسي تفتح الباب أمام استنتاج مفاده أن المنطقة تشهد ولادة نظام أمني جديد يعتمد على التحالفات المبدئية بدلاً من التحالفات المصلحية المتقلبة. إن التلاحم اليمني الإيراني الذي جسدته الرسالة يشير إلى أن استراتيجية الحصار والضغط التي تنتهجها واشنطن وتل أبيب قد أثبتت فشلها في تحقيق التغيير السياسي المطلوب، بل أدت إلى نتائج عكسية تمثلت في مزيد من التلاحم والوحدة بين دول المقاومة. إن هذا التوجه نحو تعزيز التضامن يعني أن القوى الاستكبارية ستواجه مستقبلاً جبهات أكثر تماسكاً وأكثر قدرة على المناورة السياسية والعسكرية. كما أن الربط بين ذكرى الإمام الخميني وبين الواقع الميداني يعني أن المرجعية الفكرية لهذا التحالف ستظل هي البوصلة التي توجه التحركات في الأزمات، مما يضمن استمرارية هذا التوجه حتى في أصعب الظروف. إن اليمن، بوقوفه إلى جانب إيران، يعلن صراحة عن انحيازه لقطب عالمي جديد يسعى لتعدد الأقطاب وإنهاء عصر الهيمنة الأحادية. هذا التحول الاستراتيجي يتطلب من كافة القوى الإقليمية إعادة تقييم حساباتها، حيث أن معادلة القوة لم تعد محصورة في الترسانات العسكرية فحسب، بل أصبحت تعتمد بشكل أساسي على مدى قدرة الشعوب على التحرر من التبعية والالتفاف حول مبادئ الصمود والكرامة الوطنية.
