الوقت - وسط تزايد التكهنات حول اتفاق محتمل بين إيران وأمريكا، أثار إعلان سفر باقر قالیباف، رئيس البرلمان الإيراني ورئيس الفريق التفاوضي الإيراني في مفاوضات إسلام آباد، وعباس عراقجي وزير الخارجية إلى قطر، اهتماماً خاصاً بملف الأموال الإيرانية المجمدة في الدوحة، باعتباره أحد أهم شروط طهران في أي اتفاق محتمل، وجزءاً من ملف المفاوضات التي يحملها الوفد الإيراني في هذه الزيارة.
لقد طرحت إيران ضمن شروطها العشرة لإبرام الاتفاق ضرورة رفع جميع العقوبات الأولية والثانوية وقرارات مجلس الأمن المتعلقة بها بشكل كامل، وعلى هذا الأساس يجب تحرير الأموال المجمدة للشعب الإيراني والتي لم يكن بالإمكان تحويلها إلى البنك المركزي بسبب العقوبات المصرفية.
حتى الآن، لم تؤكد الحكومة رقمًا دقيقًا لحجم هذه الأموال، لكن بناءً على آخر التقديرات، تبلغ الأصول الإيرانية المجمدة حوالي 100 مليار دولار. ومن بين هذه الأموال، هناك مبلغ كبير مجمد في البنوك القطرية ويُقدّر بنحو 12 مليار دولار.
هذه الأموال ليست أصولاً مصادرةً من قبل قطر، بل هي أموال إيران الموجودة في النظام المالي الدولي والتي توقفت أو عُلّقت تحويلاتها بسبب العقوبات. وتعود قصة تحويل الأموال الإيرانية إلى قطر إلى سنوات ماضية، إلى فترة رئاسة جو بايدن التي تزامنت مع فترة رئاسة الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي.
في بداية عمل حكومة رئيسي، كان الموقف الرسمي يتمثل في أن «الاقتصاد لا يجب أن يُربط بالمفاوضات». وفي ذلك الحين، كانت الولايات المتحدة تدعي أن تحرير الأموال ممكن فقط مقابل «الاتفاق النووي»، بينما كانت إيران تصر على أن الأموال ملك للشعب الإيراني دون شروط أو قيود.
في النهاية، انفصل موضوع تحرير الموارد المالية عن القضية النووية، وتم التعامل مع تحرير الأموال كمحفز لاتفاق غير نووي، وهو تبادل الأسرى من ذوي الجنسيتين.
في تلك الفترة، كانت قطر (إلى جانب عُمان) واحدةً من أبرز اللاعبين الوسيطين في المفاوضات النووية، حيث طُرح في مرحلة من هذه المفاوضات موضوع تحرير الأصول الإيرانية المجمدة في كوريا الجنوبية، والتي بلغت قيمتها 7 مليارات دولار، كخطوة تدريجية نحو التوصل إلى اتفاق.
كانت كوريا الجنوبية تمتنع عن تحرير هذه الأموال بسبب العقوبات الثانوية المفروضة من الولايات المتحدة، مما أدى إلى تحول هذه القضية إلى تحدٍ دبلوماسي كبير بين طهران وسيول، حتى أن الحرس الثوري الإيراني في مارس 2021 اتخذ إجراءً عقابيًا باحتجاز ناقلة نفط كورية جنوبية مخالفة في الخليج الفارسي، وهو الإجراء الذي كان له دور كبير في دفع الكوريين للتعاون في نقل هذه الأموال إلى البنوك القطرية. وكانت كوريا الجنوبية هي المشتري الوحيد لمكثفات الغاز الإيراني، التي جمدت أموال شحناتها في كوريا الجنوبية بعد العقوبات الأمريكية.
وفي صيف عام 2023، تم تحويل هذا المبلغ إلى البنوك القطرية، لكن هذا لم يكن نهاية القصة؛ فقد تغير المشهد السياسي فوراً بعد هجوم 7 أكتوبر 2023 والتطورات في غزة، حيث أعلنت الولايات المتحدة عن إعادة فرض قيود على وصول إيران إلى هذه الأموال، أو بمعنى آخر، تجميدها مجددًا.
مع ذلك، في الأيام الأخيرة، ومع تزايد الحديث عن احتمال التوصل إلى نوع من الاتفاق الأولي من قبل مسؤولي البيت الأبيض، أطلق المتشددون المحبون للحرب واللوبي الصهيوني، الذين يصرون بشدة على جرّ ترامب إلى حرب جديدة نيابةً عن "إسرائيل"، موجةً من الانتقادات تحت شعار «الخوف من اتفاق ضعيف»، وجعلوا قضية تحرير الأموال الإيرانية المجمدة في مركز هجماتهم ضمن هذه المفاوضات.
وفي سبيل هذا الهدف، الذي يشمل بعض وسائل الإعلام الديمقراطية أيضاً، أعادوا نشر انتقادات ترامب الصريحة السابقة ضد ما اعتبروه تنازلات كبيرة من أوباما لإيران، مثل السماح لطهران بالوصول إلى جزء من أصولها المجمدة.
وفي هذا السياق، بعد أن أفادت صحيفة «أكسيوس» يوم السبت نقلاً عن مسؤول في إدارة ترامب بأن الأصول الإيرانية المجمدة قد تُحرر مقابل اتفاق مناسب، ردّ ترامب بشدة ونفى ذلك تمامًا، قائلاً إنه لن يسلم «نقودًا نقديةً» إلى طهران أبداً.
وقال: «المنتقدون الذين يدعون اتباع نهج معتدل مخطئون تمامًا. هل تعتقدون حقًا أنه بعد كل ما قلته بأن إيران لن تمتلك أسلحة نووية أبداً، سأصبح رئيسًا ثم أمنحهم فقط أموالًا نقديةً؟»
وبينما تسود هذه التناقضات الواضحة، يبقى علينا الانتظار لنرى هل هؤلاء المنتقدون لترامب هم الذين يقولون الحقيقة، وأن البيت الأبيض سيضطر إلى السماح لإيران بالوصول إلى أصولها المجمدة، أم أن إصرار البيت الأبيض على المطالب المفرطة سيجعل فخ المتشددين المحبين للحرب يعمل بشكل جيد لتعطيل الدبلوماسية؟
