الوقت - مع مرور ما يقارب الثلاثة أشهر على الجريمة التي ارتكبتها أمريكا والكيان الصهيوني في هجومهما على مدرسة «شجرة طيبة» في ميناب، لا يزال وقع هذه المأساة حديث الأذهان وندبها حية في ذاكرة الشعب الإيراني، ولن تمحى أبداً.
ورغم إقامة عدة مراسم تأبينية لتكريم شهداء هذه المدرسة، فقد عُقد مؤخراً حفل إحياء ذكرى آخر على أنقاض مدرسة "شجرة طيبة"، هذا الحفل الذي وُجه للحفاظ على ذكرى الشهداء حية، ولإعادة سرد قصة ذلك اليوم المؤلم والمُر.
في هذا السياق، نظم الحراك الدولي «1+168» تحت شعار «أنا صوت ميناب» يوم الخميس الماضي مراسم في مدرسة "شجرة طيبة" بحضور عائلات شهداء التلاميذ، ومجموعة من الناشطين الإعلاميين والصحفيين من وسائل الإعلام الأجنبية. هذه المدرسة التي تحولت بفعل الهجوم إلى مسرح دم ودمار، حيث استشهد عشرات التلاميذ وعدد من المعلمين، وتحولت فصول الدراسة إلى مشاهد مأساوية.
بعد انتهاء الحفل والمؤتمر الصحفي، توجّهت عائلات الشهداء والحاضرون إلى مقبرة شهداء التلاميذ، حيث تجمّع الآباء والأمهات الثكالى والأشقاء والأقارب إلى جانب قبور أبنائهم في مساء ظهر يوم الخميس، وهم يحيون ذكرى أحبائهم بدموع، وأدعية، وتلاوة من القرآن الكريم.
فبعضهم لم يزل يبكي على فقدان ابنته التلميذة، وآخر جلس على قبر ولده الوحيد، وأب ثالث فقد زوجته وطفله في تلك الجريمة الفظيعة. كانت مقبرة شهداء ميناب سرداً لأوجاع لا تُعد ولا تُحصى، لا زالت متجددةً في قلوب العائلات التي مزّقها الفقد.
لوحات ارتدت لون الدم
في هذه المراسم، سردت زهرا حاج حسيني، إحدى المعلمات الناجيات من هذه الجريمة، روايتها الخاصة للحظات التوتر الشديد في ذلك اليوم.
قالت حاج حسيني: «بعد الانفجار الأول، أسرعت إلى الصف واتصلت بجميع أولياء الأمور ليأتوا لأخذ الأطفال. عند الساعة 11:20 دوى صوت مدوٍ في المدرسة. حاولت فتح باب الصف، وبعد حوالي خمس ثوانٍ سمعت صوت الانفجار الثاني والثالث، أصوات كانت تقترب أكثر فأكثر وتزداد رعباً. بصعوبة تمكنت من الوقوف، ورأيت بعينيّ الطابق الثاني من المدرسة ينهار فوق الطابق الأول».
ثم طرحت هذه المعلمة الناجية سؤالاً نقدياً: «كيف لم ترَ أمريكا لوحات المدرسة؟ ألم يقولوا إن أمريكا تمتلك أكثر أدوات الرصد تطوراً؟» وأكدت: «مسؤوليتي الآن تتجاوز كوني معلمة في مدرسة ميناب، ويجب أن أوصل صوت مظلومية هؤلاء الأطفال إلى أذن العالم».
في الوقت نفسه، قال أحد تلاميذ ميناب في المراسم: «الذين يصمتون هم في حجم المسؤولية مثل الذين ارتكبوا هذه الجريمة. أنا بقيت تلميذاً في مدرسة شجرة طيبة لأكون صوت إخوتي وأخواتي الشهداء».
وقال تلميذ آخر من ميناب: «الذي دمّر مدرستنا هو أمريكا وإسرائيل. أبقاني الله حياً لأتمكن من الانتقام لدماء أصدقائي ورفع اسم إيران عالياً. سننهض من جديد ونبني مدرستنا».
حاول الشهود العيان وعشرات الصحفيين الأجانب خلال هذه المراسم نقل أبعاد هذه الجريمة إلى المجتمع الدولي وتحسيس الرأي العام العالمي بها، ليُظهروا أن قتل الأطفال الأبرياء في أي مكانٍ كان هو جريمة لا تُغتفر، تلطخ مرتكبيها بالعار.
وما يهمّ حقاً هو رد الفعل الإنساني والتعاطف الواسع من الرأي العام العالمي تجاه مثل هذه المآسي. في السنوات الأخيرة، توسعت هذه التعاطفات والحساسيات أكثر من أي وقت مضى، وهذه المرة أيضاً، أوجعت شهداء مدرسة ميناب قلوب الكثيرين في جميع أنحاء العالم، على أمل أن يكون هذا الوعي والتضامن العالمي رادعاً يمنع تكرار مثل هذه الجرائم في المستقبل.
سبق وأن روى بعض المسؤولين من منظمات حقوق الإنسان ووسائل الإعلام الدولية، خلال زيارتهم لمدرسة ميناب، جوانب من هذه المأساة، وهو إجراء يردع أي محاولة لتخفيف أو تغيير رواية هذا الحدث من قبل واشنطن وتل أبيب.
أمريكا المتهمة الأولى
استناداً إلى الأدلة والصور الفضائية التي تؤكد وقوع الهجوم على أطفال مدرسة ميناب بواسطة صواريخ أمريكية، تحتل الولايات المتحدة الأمريكية موقع المتهم الأول في هذه الجريمة النكراء.
في هذا السياق، أعلن علي نيكو، أمين حملة «1+168» ردّاً على الأحداث الأخيرة في ميناب: «ما يتعرض له الأطفال الأبرياء اليوم هو جزء من لغز الجرائم المنظمة للهيمنة، التي تستهدف المدنيين والأطفال عن وعي، وتستخدم هذه المآسي كأداة في السياسة الدولية».
من جهة أخرى، قال مرتضى كارآموزيان، رئيس تجمع الإعلاميين في إيران، إن الفاعلين الإعلاميين المشاركين في هذا البرنامج يتابعون روايتين رئيسيتين: الأولى «وثيقة مظلومية إيران» التي تخص حادثة مدرسة شجرة طيبة في ميناب، والثانية «وثيقة قوة إيران» التي تتعلق بموضوع السيطرة على مضيق هرمز.
كما انتقد بابك خواجهباشا، مخرج سينمائي وممثل السينما الإيرانية السابق في الأوسكار، بصوتٍ عالٍ صمت المهرجانات والوسائل الإعلامية الدولية حيال مقتل الأطفال الإيرانيين والفلسطينيين، قائلاً: «الإمبراطورية الإعلامية تقاطع الفنانين والرياضيين الذين يدافعون عن أطفال فلسطين وإيران».
وأضاف مهاجماً المهرجانات السينمائية العالمية: «عيب على كل مهرجان وفنان لا يتحدث عن شهداء ميناب من الأطفال. جزء كبير من سينما العالم تحت سيطرة الصهاينة، ولهذا السبب لا يملكون القدرة على قول الحقيقة».
ويجدر بالذكر أن السلطات الأمريكية، رغم كل الأدلة والمستندات المتوفرة، لم تقبل حتى الآن مسؤولية هذه الجريمة. فقد أعلنوا مراراً أنهم بصدد التحقيق في الحادث، لكنهم لم يعبروا حتى الآن عن أي أسف أو ندم تجاه هذا الفعل الشنيع.
أطفال ميناب، شهادة دامية على مزاعم حقوق الإنسان الغربية
إن مظلومية أطفال مدرسة ميناب مريرة وموجعة إلى حد أن صدى هذه الجريمة لا يتردد فقط في روايات الإيرانيين، بل يُسمع أيضاً في كلمات المواطنين والصحفيين الأجانب، ليعلم العالم بأسره حجم الكارثة التي أوقعها كل من أمريكا والكيان الصهيوني.
وفي هذا السياق، وقف كين أوكيف، الجندي السابق في البحرية الأمريكية، على أنقاض هذه المأساة الإنسانية خلال مراسم مدرسة شجرة طيبة، وصرخ في وجه الرأي العام العالمي قائلاً: «تخيلوا لو أن صواريخ تاماهاوك نفسها، التي تُصنع في توسان أريزونا، سقطت على أطفالكم. تخيلوا أن إيران تقتل 132 من أبنائكم. ماذا كنتم ستشعرون حينها؟ هل كان خطأً أن تصرخوا “الموت لإيران”؟» وأضاف رداً على الحملات الدعائية المكثفة والاتهامات الموجهة إلى طهران: «كيف تجرؤون أن تروجوا هذه الأكاذيب للعالم؟ أخبروني، ما هي العملية الإرهابية التي نفذتها إيران ضدكم؟».
لقد كشفت تصريحات هذا الجندي المخضرم بوضوح عن مدى اللامبالاة التي تُظهرها شريحة واسعة من المجتمع الدولي تجاه هذه الجريمة، وأظهرت كيف أن تعامل القوى الغربية مع مثل هذه الحوادث يخضع إلى معايير مزدوجة. كانت كلماته تذكيراً مؤلماً بأن قيمة حياة الأطفال لا تُقاس بنفس المقياس في نظر بعض الحكومات ووسائل الإعلام الغربية، وأن ردود الفعل لا تستند في الغالب إلى مبادئ إنسانية بقدر ما تتأثر بالاعتبارات السياسية.
وعلى الرغم من أن بعض المسؤولين الغربيين أدانوا الجريمة التي استهدفت شهداء مدرسة ميناب وطالبوا بالكشف عن ملابساتها، إلا أن نطاق وشدة هذه الردود لم تكن أبداً على مستوى يفرض ضغطاً جاداً وفعّالاً على واشنطن وتل أبيب. وهذا في الوقت الذي تتخذ فيه تلك الحكومات مواقف أسرع وأقوى في أحداث مماثلة في مناطق أخرى من العالم، لا سيما في أوكرانيا، حيث تُطلق موجة واسعة من الإدانات السياسية والإعلامية.
هذا التفاوت الصارخ في ردود الفعل لا يمكن أن يغيب عن وعي الرأي العام العالمي. عندما يُعتبر قتل مجموعة من الأطفال في منطقة ما «جريمة ضد الإنسانية»، بينما يواجه مقتل مئات الأطفال الإيرانيين صمتاً أو ردود فعل متدنية، من الطبيعي أن تثار تساؤلات جدية حول صدق دعاة حقوق الإنسان، وأن تُشكك هذه التناقضات، أكثر من أي شيء آخر، في مفهوم العدالة والإنسانية.
