الوقت - إن ذكرى رحيل الرئيس الإيراني السابق السيد رئيسي، تمثّل فرصةً سانحةً ومناسبةً جليّةً لإلقاء الضوء، ولو بإيجاز، على بعض مآثر هذا الفقيد الكبير وإنجازاته التي تتقاطع بعمق مع واقعنا الراهن.
وعلى الرغم من أن فترة رئاسته لم تتجاوز الثلاث سنوات، إلا أنه استطاع –رغم قصر الأمد– أن يبرز في الشأنين الداخلي والخارجي بمقامٍ يليق برئيس الجمهورية في إيران الإسلامية. لقد اعتلى سدة الحكم في وقتٍ تضاعفت فيه التحديات المحلية والدولية، وفي ظل جائحة "كورونا" التي عصفت بالعالم وألقت بظلالها القاتمة على سائر العلاقات الدولية.
غير أن هذه العواصف لم تثنِ عزيمته عن خوض غمار الأعمال الجسام؛ فقد تعامل مع مسؤولياته من منظورٍ عقائدي راسخ، وجعل من واجباته أمانةً مقدسةً، فكرّس طاقته لخدمة شعبه –الذين آمن بهم من أعماق وجدانه– بعيداً عن أي هوامش أو مشتتات قد تعيق مسيرة العطاء. وما إحياء تسعة آلاف ورشة ومصنع كانت متوقفةً في مدة زمنية وجيزة، إلا دليلٌ ساطعٌ على هذا النهج القويم.
وانطلاقاً من إيمانه بعظمة الشعب الإيراني، وبوصفه ممثلاً لهذه الأمة التي استشعر كرامتها، كان الشهيد رئيسي حاضراً بقوة في المحافل الدولية الرفيعة. ومن منطلق هذا الإدراك العميق لمكانة إيران وعزتها، فقد أعلن –قبيل سفره إلى جنوب أفريقيا للمشاركة في قمة مجموعة "بريكس" الصاعدة والقوية– أنه لن يحضر الاجتماع إلا إذا أعلنت المنظمة رسمياً عن عضوية إيران قبل سفره، وإلا فسيُرسل من ينوب عنه.
لقد استجابت منظمة "بريكس" –بأعضائها الدوليين ذوي الثقل والنفوذ– لذلك الموقف الحازم الذي اتخذه رئيسي، وأعلنت انضمام إيران عضواً رسمياً في صفوفها. وجاء هذا الإنجاز في وقتٍ كانت فيه السعودية والإمارات على استعداد لإيداع 50 مليار دولار لكل منهما في صندوق المنظمة سعياً وراء نيل ذات المقعد، بيد أن الأقدار لم تكن لتسير في ذلك الاتجاه. وهنا يبرز تساؤلٌ جوهري: ما الذي أبصرته دول "بريكس" في إيران وفي شخص الرئيس الشهيد رئيسي، فاستجابت لمطلبه الحازم بهذا الشكل؟
لقد حمل الشهيد رئيسي في رحلته إلى الأمم المتحدة المصحف الشريف، جاعلاً منه دستور هدايةٍ ومناراً، ليعلن للعالم أجمع أن سلوك إيران ونهج شعبها ينبثق من فيض هذا الكتاب السماوي. كما رفع عالياً صورة الشهيد القائد قاسم سليماني، ليؤكد أن سليماني وأمثاله ليسوا إلا الثمرة المباركة لتربية هذا الكتاب. وبإعلاء صورة الشهيد سليماني أمام مرأى العالم، أعلن رئيسي بوضوح أن سليماني هو أحد أبرز الوجوه الصادقة في جبهة الحق في عالمنا المعاصر، بينما يمثّل ترامب –القاتل لهذا الشهيد– أحد أعتى رموز جبهة الباطل في عصرنا الراهن.
ولم يمضِ وقت طويل، حتى تجلت للعالم عظمة رفاق قاسم سليماني الشهداء، وانكشف ذلّ وهوان ترامب، وذلك خلال الحرب الاثني عشرية وحرب أربعين يوماً من رمضان. لقد أبصر العالم، ولا يزال يذكر، كيف استطاع سليماني بتضحياته الجسام أن ينجي البشرية من شرور "داعش"، بينما سحق ترامب –بسجله الحافل بأبشع الجرائم في جزيرة "إبشتاين"، وتلاه استشهاده 167 طفلاً في مدرسة "الشجرة الطيبة" بـ"میناب" في إيران– إنسانية بني آدم جميعاً في سبيل إرواء أطماعه ونزواته.
إنها لحظةٌ فارقة في التاريخ، رسمها رئيسي ببراعة فائقة، ليضع العالم أمام حقيقةٍ جليّة، ويُبصرهم بالفرق الشاسع بين عظمة الحاج قاسم الشهيد، وبين ترامب آكل البشر والمجرم الذي لا ينتهي إجرامه.
