الوقت - لقد وضعت الحرب الأخيرة ضد إيران شعوب العالم أمام مشهد جليّ للقدرات الدفاعية والاستراتيجية التي تمتلكها الجمهورية الإسلامية في حماية مصالحها الوطنية وأمنها الإقليمي. ولعل أبرز ما كشفت عنه هذه المواجهة هو إرادة إيران واقتدارها على بسط سيطرتها الكاملة على مضيق هرمز ومحيط الخليج الفارسي؛ في مشهدٍ أذهل المراقبين الدوليين وهم يرقبون الانكسار الواضح للإرادة الأمريكية والقوى الإقليمية والدولية في هذا الميدان الاستراتيجي.
بيد أن القصة لا تنتهي عند حدود أمن الطاقة واحتراقاتها؛ إذ باتت وسائل الإعلام العالمية تتحدث اليوم عن "سلاح غافٍ" في أعماق الخليج الفارسي الزرقاء. وبينما تتجه الأنظار بذهول نحو أسعار الوقود الملتهبة في المحطات، يبرز خطر لا يقل شأناً عن خلوّ خزانات السيارات؛ خطرٌ يتمثل في الشلل التام الذي قد يصيب الشبكة العنكبوتية العالمية.
وتسلط الصحافة الغربية الضوء هذه الأيام على المصير المجهول لكابلات الإنترنت القابعة في قاع الخليج الفارسي، متسائلةً عن الكلفة الباهظة التي قد تترتب على تضرر هذه الخطوط في ظل الوضع المتأزم والمخاطر المحدقة بمضيق هرمز والخليج الفارسي.
وعلى خلاف التصورات الشائعة، فإن شبكة الإنترنت العالمية لا ترتكز في جوهرها على أمواج الأقمار الصناعية (كشبكة ستارلينك)، بل تستمد حياتها من كابلات الألياف الضوئية الممتدة في قاع المحيطات. فهذه الكابلات البحرية هي العمود الفقري للاتصال الكوني، وعبرها يتدفق الجزء الأكبر من بيانات العالم وحركته الرقمية.
تلك الخيوط الدقيقة، والمتطورة تقنياً إلى حدٍ مذهل، والمصنوعة من الليزر والألياف الزجاجية، تحمل على عاتقها ما يقرب من 99% من حركة الإنترنت الدولية؛ من مكالمات هاتفية، ومحتوى مرئي، وتداولات بنكية، ورسائل إلكترونية، وبيانات سحابية. وهي تتفوق على الإنترنت الفضائي بسرعتها الفائقة، وسعتها الهائلة، وضآلة زمن التأخير فيها؛ حيث يستطيع الكابل الواحد نقل مئات "الترابيت" في الثانية الواحدة. وبحسب تقارير اللجنة الدولية لحماية الكابلات، فإن ليفاً ضوئياً واحداً في الكابلات الحديثة يمكنه نقل بيانات تعادل 150 مليون مكالمة هاتفية متزامنة بسرعة الضوء.
تتألف هذه الكابلات من أزواج متعددة من الألياف، تُغلف بطبقات واقية من المعادن والبوليمرات و"هلام" مضاد للماء، لتصمد أمام ضغط الأعماق، والزلازل، والكائنات البحرية. ولضمان سلامتها، لا تُلقى هكذا على القاع، بل تُحفر لها أخاديد بعمق ثلاثة أمتار لتستقر فيها بعيداً عن شباك الصيد ومرسات السفن. وتبذل شركات عملاقة مثل غوغل، وميتا، ومايكروسوفت مئات الملايين من الدولارات لمدّ هذه الجسور الرقمية بين القارات؛ فبدونها، سيصاب عالمنا الحديث بالشلل التام والعمى الرقمي.
إنَّ جُلَّ المحتوى الرقمي الذي يتصدر قائمة التفضيلات العالمية (بما في ذلك يوتيوب، وغوغل، وأمازون، وغيرها) يستقر في مخادع رقمية عملاقة تُعرف بـ "مراكز البيانات"، تتوزع في أرجاء الولايات المتحدة، وأوروبا (لاسيما في فرانكفورت، وأمستردام، ولندن، ومرسيليا)، وشرق آسيا (سنغافورة). وهذه الحواضن المعلوماتية الضخمة لا يربط بينها إلا أواصرُ متينة من الكابلات الغائرة في أعماق البحار.
وفي ظل الارتهان الكونيّ شبه المطلق لتدفق البيانات عبر هذه الشرايين البحرية، فإنَّ أي ضررٍ جسيم يلحق بها اليوم سيؤدي إلى عواقب وخيمة، بل وقد لا تخطر على قلب بشر. إذ إنَّ استهدافها لن يقتصر أثره على إبطاء سرعة الإنترنت فحسب، بل سيغدو تهديداً وجودياً يطال الأنظمة المصرفية، والاتصالات العسكرية، والبنى التحتية السحابية للذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى أنماط العمل عن بُعد، وألعاب الشبكة، ومنصات البث الرقمي.
وفي هذا السياق، تكشف خرائط مؤسسة (TeleGeography) وقاعدة بيانات (Submarine Networks) المعتمدة، أنَّ ما لا يقل عن خمسة إلى سبعة أنظمة كابلات رئيسية تعبر مضيق هرمز؛ وهي منشآتٌ قد تقع في شرك الاستهداف العسكري وتحولات الحرب المفاجئة لشتى الأسباب، لاسيما في ظل التهديدات المتواترة الصادرة عن ترامب بجعل البنى التحتية أهدافاً مشروعةً.
إنَّ هذا الصراع حول "أعصاب العالم" ليس بجديدٍ في فقه الحروب الحديثة؛ إذ تعود إرهاصاته الأولى إلى قرنين من الزمان، حين مُدَّ أول كابل تلغراف في القناة الإنجليزية عام 1850. وفي مستهل الحرب العالمية الأولى، كانت أولى خطوات بريطانيا هي بتر كابلات التلغراف الحيوية التابعة لألمانيا، لتعزلها تماماً عن قواتها في الخارج.
واليوم يعيد التاريخ نفسه؛ فوفقاً لتقرير شركة (HGC Global Communications) في هونج كونج، شهد عام 2024 انقطاع ثلاثة كابلات بحرية إثر ارتطام مرساة سفينة أصابتها ضربات مقاومة أنصار الله في اليمن، مما تسبب في شلل نحو 25% من حركة الإنترنت في المنطقة.
وإنَّ حدوث سيناريو مماثل في مضيق هرمز والخليج الفارسي، قد يرمي بدول المنطقة في أتون اضطرابات رقمية حادة، تعصف بصادرات النفط والغاز الحيوية، وتُربك العمليات المصرفية. فضلاً عن ذلك، فإنَّ أي خللٍ في هذا الشريان سيؤدي إلى تباطؤ حركة التجارة المالية والتحويلات العابرة للحدود بين أوروبا وآسيا، بينما قد تواجه أجزاء واسعة من شرق أفريقيا انقطاعاً تاماً عن العالم الرقمي.
وما يزيد المشهد قتامةً هو تحذيرات الخبراء من وعورة مسالك الإصلاح في الخليج الفارسي؛ إذ تتطلب عمليات الصيانة ثبات السفن المتخصصة في مواقعها لفترات طويلة تحت وطأة النزاع. وبحسب "مولدين"، فإنه من بين خمس سفن صيانة تعمل عادةً في نطاق الخليج الفارسي وبحر عمان، لم يتبقَّ في حياض الخليج الفارسي إلا سفينة واحدة، مما يجعل معالجة أي خللٍ تحدياً يتجاوز حدود المستحيل.
