الوقت - الولايات المتحدة، التي طرقت في السنوات الأخيرة أبواباً شتى ومسارات متباينة للنيل من فصائل المقاومة العراقية، تندفع اليوم في مغامرة هي الأخطر من نوعها؛ مغامرة قد تبلغ بمستوى المجابهة بين الطرفين ذروته القصوى وتدفع بها نحو نقطة اللاعودة.
وفي هذا السياق، كشف مسؤولون أمريكيون عن اعتقال "محمد باقر الساعدي"، القيادي في حزب الله العراقي، واقتياده إلى نيويورك؛ حيث أورد مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) في بيان له اتهامات للساعدي بالتخطيط لشن ثلاث هجمات دامية تستهدف مدارس ومعابد يهودية داخل الأراضي الأمريكية.
ومن جهتها، زعمت وزارة العدل الأمريكية أن الساعدي يواجه ستّ تهم تتعلق بما أسمته "الإرهاب"، عازيةً ذلك إلى نشاطه في إطار "كتائب حزب الله". وبحسب هذه الادعاءات، يتهم الساعدي بالضلوع في استقطاب عناصر لتنفيذ هجمات في مدن نيويورك، ولوس أنجلوس، وسكوتسديل بولاية أريزونا. كما ادعت لائحة الاتهام -التي أثيرت في أعقاب حرب الأربعين يوماً ضد إيران- أن الساعدي قد وجّه هجمات ضد المصالح الأمريكية والكيان الصهيوني، شملت تصفية مواطنين أمريكيين ويهود.
واستطرد الملف القضائي في مزاعمه، مشيراً إلى أن الساعدي ومعاونيه كان لهم يد في تصميم وتنسيق ثماني عشرة هجمة على الأقل في أوروبا، وهجمتين في كندا. لتختتم واشنطن قائمة اتهاماتها بسلسلة من قضايا، منها: التآمر لتقديم دعم مادي لمنظمة "إرهابية" أجنبية، ودعم أعمال تخريبية، ومحاولة تفجير أماكن عامة، فضلاً عن تدمير ممتلكات باستخدام مواد متفجرة.
الرد المرتقب لفصائل المقاومة
يرى بعض المحللين أن اعتقال الساعدي ليس مجرد ملف قضائي عابر، بل قد يغدو نقطة الانطلاق لدورة جديدة من المواجهة بين الولايات المتحدة وفصائل المقاومة العراقية. فطالما وصفت هذه الفصائل الوجود العسكري لواشنطن في العراق بأنه "احتلال"، معلنةً أن الجلاء التام للقوات الأمريكية هو أحد أهدافها الجوهرية. ومن ثم، فإن ترحيل الساعدي إلى أمريكا سيُقرأ في أدبيات قوى المقاومة على أنه عمل عدواني وجزء من حرب واشنطن المباشرة ضد محور المقاومة.
وفي ظل هذه الظروف، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استئناف الهجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ ضد القواعد الأمريكية في العراق، لاسيما المراكز العسكرية في إقليم كردستان. ولقد أثبتت تجربة الأشهر الماضية قدرة فصائل المقاومة على شن هجمات منخفضة التكلفة لكنها ذات طابع استنزافي ضد المصالح الأمريكية.
فإبان الحرب الأخيرة ضد إيران، لم تكتف هذه الفصائل باستهداف القواعد والمصالح الأمريكية في العراق، بل وسّعت نطاق عملياتها لتتخطى الحدود، مستهدفةً مواقع ومنشآت مرتبطة بالولايات المتحدة في الكويت وحتى السعودية؛ وذلك سعياً لاستعراض عمق قدراتها العملياتية ورفع مستوى الردع. واليوم، تلوح في الأفق احتمالية العودة إلى هذا النمط العملياتي في حال تصاعد التوترات، مما قد ينقل رقعة الصراع إلى ما هو أبعد من الإطار الأمني العراقي.
وإلى جانب الخيار العسكري، من المتوقع أن تشتد وطأة الضغوط السياسية على الحكومة العراقية الجديدة؛ إذ قد تطالب التيارات القريبة من المقاومة بغداد بضرورة تسريع وتيرة انسحاب القوات الأمريكية وتقليص التعاون الأمني مع واشنطن.
دول المنطقة في دائرة الاتهام
لعل الجزء الأكثر حساسيةً في هذا الملف يكمن في الغموض الذي يكتنف مكان اعتقال الساعدي؛ فبينما لا تزال تفاصيل العملية طي الكتمان، تشير بعض المصادر إلى احتمالية اعتقاله في إحدى دول المنطقة -ربما تركيا أو الإمارات أو الأردن- ومن ثم تسليمه إلى الولايات المتحدة.
وفي هذا الصدد، إذا ما ثبت ضلوع جهاز الاستخبارات التركي (ميت) في هذه العملية، فإن العلاقات بين فصائل المقاومة وأنقرة ستدخل نفقاً أكثر قتامةً وتوتراً، وهي علاقات مُثقلة أصلاً بتبعات الخلافات الأمنية والجيوسياسية الهشة.
إن التواجد العسكري التركي المستمر والعمليات المتكررة لجيشها فوق الأراضي العراقية، جنباً إلى جنب مع دعم أنقرة لجماعة "تحرير الشام" وصلتها الوثيقة بأبي محمد الجولاني في سوريا، كانت وما زالت في نظر فصائل المقاومة تجسيداً لسياسات التدخل التركية وعاملاً يُذكي نار الاضطراب وانعدام الأمن في العراق.
بناءً على ذلك، فإن ثبوت دور أنقرة في هذا الملف سيفضي حتماً إلى اتخاذ فصائل المقاومة مواقف حادة وردود فعل سياسية وميدانية ضد تركيا، مما قد يضع المصالح الاقتصادية والأمنية التركية في العراق تحت طائلة التهديد، وينقل الصراع من أروقة السياسة إلى ميادين المواجهة المفتوحة. كما أن هذه التطورات من شأنها أن تدفع بالعلاقات بين بغداد وأنقرة نحو مرحلة حرجة وشديدة الحساسية.
ويذهب بعض المحللين إلى أن التقارب السياسي بين رجب طيب أردوغان ودونالد ترامب، قد يكون أحد المحركات الكامنة وراء التعاون الاستخباراتي بين أنقرة وواشنطن في عملية اعتقال قائد حزب الله. وفي وقتٍ تواجه فيه تركيا ضغوطاً اقتصاديةً جسيمةً، فربما سعت من خلال هذا التعاون الأمني إلى انتزاع امتيازات اقتصادية أو سياسية من واشنطن؛ وهو أمر إن صحّ، فإنه سيعيد صياغة المعادلات الإقليمية بصورة أكثر تعقيداً.
ختاماً، إن اعتقال قائد حزب الله في العراق ليس حدثاً أمنياً عابراً، بل هو استهلال لمرحلة جديدة من التوتر في المنطقة. وبينما تحاول الولايات المتحدة عبر هذه الخطوة إرسال رسالة قوة وردع، فإن خطر تصاعد الهجمات غير المتناظرة ضد مصالحها في العراق والشرق الأوسط، بات يلوح في الأفق بقوة. وتتجه الأنظار الآن نحو رد فعل فصائل المقاومة، وموقف الحكومة العراقية، والدور الذي سيلعبه الفاعلون الإقليميون؛ وهي العوامل التي ستحدّد ما إذا كان هذا الملف سيتحوّل إلى أزمة أمنية شاملة أم لا.
