الوقت - في حين استماتت الدول الأوروبية، طيلة الشهرين الماضيين، في النأي بنفسها عن أتون الصراع المباشر مع إيران، بل وأعلنت صراحةً أنها لا تعتزم الانخراط في أي عمليات عسكرية تطال مضيق هرمز، تلوح الآن في الأفق بوادر جلية تشي بتبدل في مواقف بعض هذه الدول.
ومع عودة نُذر التوتر لتخيّم على مضيق هرمز خلال الأيام الماضية، فإن إيفاد فرنسا لحاملة الطائرات النووية "شارل ديغول"، وعزم بريطانيا إرسال المدمرة "إتش إم إس دراغون" إلى المنطقة، لم يعد مجرد تحرك عسكري عابر، بل هو إرهاصٌ بدخول أوروبا التدريجي في أزمةٍ استعصى على واشنطن إدارتها ووصلت فيها إلى طريق مسدود.
وفي السياق ذاته، فإن الإعلان عن عقد اجتماع مشترك لوزراء دفاع عدة دول باستضافة لندن وباريس، للتباحث في الخطط العسكرية المتعلقة بمضيق هرمز، يعزّز الفرضية القائلة بأن أوروبا بصدد هجر سياسة "الحذر الممنهج" التي انتهجتها سابقاً، والاقتراب من ساحة المواجهة المباشرة مع طهران. وبناءً عليه، غدت فرنسا وبريطانيا اليوم تتصدران دفة مهمةٍ تعتبرها طهران عملاً استفزازياً يتربص بأمن المنطقة.
وفي هذا الصدد، شدّد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، في معرض تعليقه على إرسال البوارج الأوروبية، قائلاً: "لقد حذرت طهران الدول الأوروبية بكل وضوح من الانسياق وراء إغواءات الولايات المتحدة والكيان الصهيوني التي قد تجرّهم إلى أزمة لا طائل منها ولا نفع؛ لذا فإن أي تدخل في القضايا المرتبطة بمضيق هرمز وغرب آسيا، لن يؤدي إلا إلى ململة الأوضاع وزيادة تعقيدها".
ويمثّل هذا الموقف رسالةً جليةً إلى لندن وباريس، مفادها أن إيران لا ترى في الوجود العسكري الجديد في الخليج الفارسي إجراءً دفاعياً، بل تعتبره جزءاً من مشروع الضغط الممارس ضدها.
يأتي هذا التحول في السلوك الأوروبي بالرغم من تأكيدات رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، المتكررة بأنه لن يسمح بانزلاق بلاده إلى حرب مع إيران. كما برّر وزير الدفاع البريطاني إرسال البوارج بقوله: "إن هذه المهمة ذات طابع دفاعي محض، وهدفها استعادة الثقة في حركة الملاحة التجارية في هذا الممر الحيوي للتجارة العالمية".
من جانبه، صرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يوم الإثنين، بأن بلاده لم تضع قط خيار إرسال القوات لفتح مضيق هرمز على طاولة البحث، مؤكداً استمرار التمسك بالنهج الدبلوماسي لخفض حدة التوترات في المنطقة. ويرى بعض المراقبين، بالنظر إلى مواقف المسؤولين في لندن وباريس، أن هذا التغيير في المقاربة الأوروبية قد يكون وليد ضغوط مباشرة مارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لجرّ الحلفاء الأوروبيين إلى مستنقع الأزمة في الخليج الفارسي.
انخراط فرنسا وبريطانيا في غمار "لعبة خطرة"
إن التحركات العسكرية الأخيرة لكل من فرنسا وبريطانيا في مياه الخليج الفارسي، واحتمالات المجابهة المباشرة مع إيران، قد تتمخض عن تداعيات جسيمة وآثارٍ لا قِبَل لهما بها. لقد برهنت تجارب الشهرين المنصرمين أن إيران، حين تستشعر أدنى تهديد، تمتلك من القدرة ما يخوّلها دكّ القواعد والمصالح العسكرية لخصومها في المنطقة بصواريخ وطائرات مسيرة بالغة الدقة؛ وما تلك الهجمات التي طالت المواقع والمصالح الأمريكية المترامية في الخليج الفارسي، إلا رسالة ناصحة للقوى الغربية الأخرى، مفادها أن أي صدام مع إيران سيُجنى منه مرّ الثمار.
وعلى النقيض من الولايات المتحدة، تقتصر القواعد والقوات التابعة لفرنسا وبريطانيا في المنطقة على حضور محدود، مما يجعلهما أكثر عرضةً للإصابة في مقتل؛ فأي انخراط في نزاع مباشر من شأنه أن يضع أمن قواتهما في مهب الريح، ويحمّل البلدين أعباءً سياسيةً وعسكريةً باهظةً قد تنوء بحملها ضمائر رأيهما العام.
ولطالما صدحت طهران بأن أمن مضيق هرمز لا يستتبّ بسطوة القوة العسكرية، وإنما بالإذعان للحقائق الجيوسياسية الماثلة في المنطقة؛ إذ تؤمن طهران بأن أي محاولة من القوى الآتية من وراء البحار لفرض معادلات أمنية واهية، لن تفضي إلا إلى تأجيج التوتر وزعزعة استقرار هذا الشريان المائي الحيوي.
وفي الوقت الراهن، تنساب حركة السفن التجارية الفرنسية والبريطانية تحت مجهر الرقابة الذكية والإدارة الإيرانية دون عوائق عسكرية تُذكر، وتتمتع هذه السفن بحق العبور ما دامت ممتثلةً للقوانين والشروط التي وضعتها طهران، بيد أن اقتراب البوارج الأوروبية من المياه الإقليمية الإيرانية -ولو تحت ذرائع غير قتالية- قد يقلب الطاولة ويغيّر مجرى الحسابات كلياً.
وفي ظل هذه الظروف، قد تعمد القوات المسلحة الإيرانية إلى تصنيف فرنسا وبريطانيا كأطراف "معادية"، وتضرب طوقاً من القيود الصارمة على حركة سفنهما دخولاً وخروجاً، وهو إجراء ستتردد أصداؤه الاقتصادية والأمنية بعنف في أرجاء القارة العجوز. وكما جاء في نبرة الوعيد التي أطلقها "كاظم غريب آبادي"، مساعد وزير الخارجية الإيراني: "إن وجود البوارج الفرنسية والبريطانية، أو بوارج أي دولة أخرى، بغرض التساوق مع الممارسات الأمريكية اللاشرعية والمنافية للقانون الدولي في مضيق هرمز، سيُقابل بردٍّ حازم وصاعق من لدن القوات المسلحة الإيرانية".
واشنطن تسعى لتقاسم الأعباء مع القارة العجوز
رغم انخراط الدول الأوروبية في المشهد لتأمين مضيق هرمز، يبقى السؤال الجوهري قائماً: هل تمتلك هذه الدول القوة الكافية للسيطرة على هذا الممر الحيوي وإعادة فتحه؟
والإجابة تكمن في أن حضور البوارج الفرنسية والبريطانية في الخليج الفارسي -بالنظر إلى تواضع إمكاناتها العسكرية والتقنية مقارنةً بالترسانة الأمريكية- لا يمكنه بمفرده قلب الموازين في مضيق هرمز؛ فلو كان مجرد الحضور العسكري كفيلاً بحل معضلة هذا الممر المائي، لآتت الأساطيل الأمريكية الضخمة والمتطورة أُكلها منذ زمن. ومن هنا، يتبين أن واشنطن، بإقحامها لأوروبا في هذا المعترك، إنما تروم تقاسم أعباء الصراع مع حلفائها، وتخفيف وطأة الضغط المباشر عن كاهلها.
وقد أشارت بعض التقارير الإعلامية الغربية إلى أن "دونالد ترامب" يبحث عن مخرجٍ من أتون الحرب مع إيران، لكنه يفتقر إلى خارطة طريق واضحة؛ لذا يرى محللون في هذا المسار محاولةً لنقل كلفة الأزمة وضغوطها تدريجياً من المنكب الأمريكي إلى المنكب الأوروبي.
ولطالما كال "ترامب" الاتهامات للدول الأوروبية الأعضاء في حلف "الناتو" لتقاعسها عن المشاركة في الحرب ضد إيران، بل وذهب إلى حد التهديد بإعادة النظر في عضوية بلاده في الحلف. ويبدو أن الحكومات الأوروبية قد أذعنت في نهاية المطاف لحضورٍ محدود ومسيطر عليه في أزمة الخليج الفارسي، تجنباً لتفاقم الشقاق مع واشنطن.
والحقيقة الماثلة هي أن الخليج الفارسي لم يعد ساحةً يمكن تغيير معادلاتها عبر مجرد استعراض القوة العسكرية الكلاسيكية؛ فقد أثبتت تجربة الشهرين الماضيين أن التفوق التكنولوجي وحشد البوارج لا يعني بالضرورة السيطرة على الأزمة. فإذا كانت الولايات المتحدة، بكل ما تملكه من عتادٍ مهول وإمكاناتٍ فلكية، قد أخفقت في بلوغ مآربها، فمن المستبعد تماماً أن تحدث السفن الفرنسية والبريطانية أي تغييرٍ جذري في المشهد.
وعليه، يمكن القول إن دخول البوارج الفرنسية والبريطانية إلى مضيق هرمز ليس سوى فخٍّ نصبه "ترامب" للأوروبيين، ليثأر منهم جراء نأيهم بأنفسهم عن الحرب ضد إيران؛ ففي مخيلة "ترامب" أن مشاركة "الناتو" في تلك الحرب كانت كفيلةً بتحقيق مكاسب جسيمة.
وفي الختام، تجد أوروبا نفسها اليوم عند مفترق طرقٍ مصيري؛ حيث إن أي قرارٍ طائش قد يزجّ بها في أتون أزمةٍ نزافة وباهظة التكاليف. ولعل لندن وباريس تتوهّمان أن حضورهما المحدود ليس سوى رسالة سياسية لطهران، غير أن الواقع الميداني قد يكون أكثر تعقيداً وضراوةً مما ترسمه غرف العمليات الغربية. لقد استحال الخليج الفارسي اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، ساحةً لاختبار الإرادات، وعلى كل لاعب يخطو فيه أن يوطّن نفسه على دفع الأثمان الباهظة لهذه المغامرة.
