الوقت - بعد أسبوعين من انتخاب رئيس الوزراء العراقي الجديد، تسعى الحركات السياسية إلى ترسيخ مواقعها والحصول على حصة في الحكومة الجديدة، وهو ما زاد من حدة الحراك السياسي في بغداد وأربيل والسليمانية.
وفي هذا السياق، أعلن عدي عبد الهادي، عضو إطار التنسيق الشيعي، عن عقد اجتماع هام للائتلاف خلال الأيام القادمة، اجتماع من شأنه، بحسب قوله، أن يزيل الكثير من الغموض حول تشكيل الحكومة ومستوى مشاركة الكتل السياسية، ولا سيما تحركات الأعضاء في إطار التنسيق. وأكد عبد الهادي أن هذا الاجتماع سيكون ذا أهمية خاصة، ومن المرجح أن يُفضي إلى اتفاقات تُشكل الركيزة الأساسية للحكومة العراقية المقبلة.
أوضح النائب العراقي مختار الموسوي آخر مستجدات المشاورات بشأن تشكيل الحكومة الجديدة، وأعلن أن هذه المشاورات لم تصل بعد إلى مرحلة مناقشة أسماء الوزراء، وأن طرح أسمائهم للتصويت في البرلمان قد يتأخر.
ومع ذلك، تشير الدلائل إلى أن التنافس بين التيارات السياسية على الوزارات قد بلغ ذروته.
لذا، يسعى علي فالح كاظم الزيدي، مسؤول تشكيل الحكومة العراقية، في الأيام الأخيرة إلى حشد دعم القوى السياسية الرئيسية لتشكيل حكومته ضمن المهلة القانونية المحددة بثلاثين يومًا. وفي هذا السياق، تُعتبر زيارته لإقليم كردستان ولقاءه مع أبرز القادة الأكراد يوم الأحد (13 مايو/أيار) من أهم التحركات السياسية.
في أربيل، التقى الزيدي برئيس الإقليم، مسرور بارزاني، ورئيس الوزراء نيجيرفان بارزاني، وزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود بارزاني، تمهيداً للتوصل إلى اتفاق بشأن مشاركة الأكراد في الحكومة المقبلة.
لطالما كان إقليم كردستان لاعباً محورياً في معادلة القوى العراقية. فمنذ سقوط صدام حسين وتشكيل بنية سياسية جديدة، لم تتمكن أي حكومة في بغداد من تحقيق استقرار طويل الأمد دون دعم كردي، ولو جزئياً. ولهذا السبب، لا يمكن تحليل مشاورات الزيدي مع القادة الأكراد من منظور توزيع الوزارات فحسب، بل هي أيضاً جزء من جهد أوسع لمعالجة الخلافات المزمنة بين بغداد وأربيل.
خلال اجتماع مع الزيدي، أكد قادة الحزب الديمقراطي الكردستاني مجدداً أن المشكلة الرئيسية بين الإقليم وبغداد لا تتعلق بأفراد، بل بسياسات الحكومة المركزية ونهجها. ويرى مسؤولو الحزب أن الحكومات العراقية المتعاقبة في السنوات الأخيرة فشلت في ضمان الحقوق الدستورية والفيدرالية للإقليم كما هو منصوص عليه في الدستور.
وفي السياق نفسه، أعلن نور الدين ويسي، المتحدث باسم رئيس وزراء الإقليم، أن للأكراد مطالب محددة، تشمل احترام الحقوق الدستورية للإقليم، والاعتراف الكامل بالوضع الفيدرالي لكردستان، والتوزيع العادل للميزانيات، وتحديد وضع المناطق المتنازع عليها. وتُعد هذه المناطق، وأهمها كركوك، نقطة خلاف رئيسية بين بغداد وأربيل منذ سنوات.
الاتحاد الوطني في مواجهة الحزب الديمقراطي
استكمالاً للجهود السياسية، سافر الزيدي إلى السليمانية والتقى ببافل طالباني، رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني. واكتسب هذا اللقاء أهمية خاصة، إذ يسعى الاتحاد الوطني في السنوات الأخيرة إلى تعزيز موقعه في موازين القوى في العراق والاقليم. وخلال اللقاء، ناقش الجانبان آخر التطورات السياسية في العراق وعملية تشكيل حكومة جديدة، وأكدا على ضرورة التعاون الجماعي لمواجهة تحديات البلاد.
ما يُميّز هذه الجولة من المفاوضات في الاقليم هو تشكيل ائتلاف جديد بين الأحزاب الكردية، ائتلافٌ يُمكن أن يُغيّر موازين القوى في الاقليم، بل وحتى في بغداد. دخلت جميع الأحزاب الكردية الرئيسية، باستثناء الحزب الديمقراطي، في مفاوضات مع الحركات الشيعية ضمن كتلة تضم 30 مقعدًا. ويشمل هذا الائتلاف الاتحاد الوطني، وحركة هلويست، والاتحاد الإسلامي، وحركة الجيل الجديد، والجماعة الإسلامية.
لقد وضع تشكيل هذا التكتل الحزب الديمقراطي في موقف حرج. فرغم امتلاكه 26 مقعدًا برلمانيًا، إلا أنه أصبح القوة الكردية الرئيسية الوحيدة خارج التوافق الكردي الجديد. وقد يكون لهذا الوضع تداعيات خطيرة على مستقبل الاقليم السياسي، لا سيما وأن تقارب الأحزاب الصغيرة مع الاتحاد الوطني قد زاد من احتمالية تشكيل ائتلاف أغلبية (50+1) في برلمان الاقليم. ونتيجة لذلك، قد يُبطل تشكيل هذا الائتلاف القوي سياسة الحزب الديمقراطي في مقاطعة الجلسات البرلمانية، ويُجبره على العودة إلى مسار المفاوضات والمعادلات السياسية لتجنب العزلة السياسية.
إذا ما تحقق هذا السيناريو، فإنّ مكانة الحزب الديمقراطي التقليدية كقوة إقليمية رائدة ستواجه تحديًا خطيرًا. فقد سبق للاتحاد الوطني أن انتزع رئاسة العراق من الحزب الديمقراطي بعد عقدين من الزمن، ويأمل الآن في توسيع نفوذه في البنية الداخلية للإقليم، بما في ذلك البرلمان المحلي.
ويسعى الاتحاد الوطني إلى لعب دور أكثر بروزًا في الحكومة المقبلة من خلال توسيع التنسيق السياسي مع الإطار التنسيقي. وبسيطرته على عدد من الوزارات في الحكومة، يسعى الحزب إلى تعزيز نفوذه في هيكل صنع القرار في بغداد، وتوطيد موقعه السياسي في الاقليم، وهي خطوة قد تُغيّر موازين القوى لصالح الحزب الديمقراطي.
من جهة أخرى، يرى المحللون أن تعزيز موقف الاتحاد الوطني قد يرتقي بالعلاقات بين بغداد وأربيل إلى مستوى جديد. فعلى عكس الحزب الديمقراطي، الذي دخل في صراعات متكررة مع الحكومة المركزية في السنوات الأخيرة، تتمتع التيارات المقربة من السليمانية بعلاقات أكثر مرونة مع بغداد، ومن المرجح أن تتبنى مواقف أقرب إلى الحكومة المركزية في قضايا حساسة كالنفط والغاز والميزانية.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في ملف النفط والغاز. فقد اعتبرت بغداد مرارًا وتكرارًا صادرات النفط المستقلة من الاقليم غير قانونية في السنوات الأخيرة، وسعت إلى بسط سيطرتها على موارد الطاقة في كردستان. والآن، إذا ما حسمت التيارات المقربة من الاتحاد الوطني الموقف لصالحها، فقد يتعزز موقف بغداد في هذا الشأن، وقد يزداد الضغط السياسي على الحزب الديمقراطي.
التدخلات الأمريكية المتواصلة
إلى جانب التنافسات الداخلية، بات الضغط الأمريكي عاملاً حاسماً في عملية تشكيل الحكومة. فقد وضعت واشنطن، التي سعت للتأثير على المعادلات السياسية في العراق خلال انتخاب رئيس الوزراء، شروطاً محددة لدعم الحكومة المقبلة.
وبحسب التقارير المنشورة، طالبت الولايات المتحدة الحكومة المقبلة بقطع علاقاتها تماماً مع الجماعات المسلحة (المقاومة) التي تُصنّف خارج الإطار الرسمي. كما شددت واشنطن على ضرورة عدم اضطلاع هذه الجماعات بأي دور في بنية السلطة السياسية في العراق، وعلى ضرورة أن تفصل الحكومة الجديدة بوضوح بين المؤسسات الرسمية وقوات الميليشيات.
تُطرح هذه الشروط في وقتٍ باتت فيه فصائل المقاومة، المعروفة بقوات الحشد الشعبي، جزءًا لا يتجزأ من البنية السياسية والأمنية للعراق. ولا يقتصر نفوذ العديد من هذه الفصائل على البرلمان فحسب، بل امتدّ ليشمل العمل ضمن الهيكل الرسمي للقوات المسلحة العراقية في السنوات الأخيرة.
لهذا السبب، تنظر العديد من الحركات السياسية العراقية إلى الضغط الأمريكي باعتباره تدخلاً سافرًا في الشؤون الداخلية للبلاد. ويرى منتقدو واشنطن أن الولايات المتحدة تسعى لإجبار بغداد على إقصاء الحركات التي لا تتماشى مع سياساتها الإقليمية، وذلك عبر ضغوط سياسية واقتصادية.
في المقابل، يؤكد أنصار فصائل المقاومة أن هذه القوى أصبحت جزءًا لا يتجزأ من منظومة الدفاع العراقية بعد المعركة ضد داعش والتطورات الأمنية التي شهدتها السنوات الأخيرة، وأن القضاء عليها غير ممكن ولا يتوافق مع الواقع على أرض الواقع في العراق.
تسعى واشنطن إلى إزالة العقبات التي تعترض طريقها بالاعتماد على بعض التيارات الموالية لها في العراق، إلا أن فصائل المقاومة، التي تُشكل ركيزة أساسية في منظومة الدفاع، لم تسمح حتى الآن لهذه السيناريوهات بأن تُزعزع استقرار العراق. ونظرًا لتزايد نفوذ هذه الفصائل في البرلمان، بات من المستحيل اليوم تنفيذ جزء كبير من القرارات السياسية الرئيسية دون دعمها، ولذا فإن جهود واشنطن للقضاء على المقاومة أشبه بمحاولة عبثية.
عموماً، يمر العراق بوضع حساس ومعقد، حيث اشتدت المنافسة بين التيارات السياسية لتعزيز نفوذها ومشاركتها في الحكومة المقبلة، وفي الوقت نفسه، زادت الضغوط الأمريكية للحد من حركات المقاومة من صعوبة تشكيل الحكومة. في ظل هذه الظروف، سيلعب أداء رئيس الوزراء الجديد في إدارة الخلافات الداخلية والضغوط الخارجية دوراً حاسماً في مستقبل الحكومة واستقرار العراق السياسي.
