الوقت - وسط الانشغالات الجسام التي ترهق كاهل البيت الأبيض داخلياً وخارجياً هذه الأيام-لاسيما في خضم أزمة عدم الاستقرار التي تعصف بغرب آسيا والتمهيدات لزيارةٍ محورية إلى الصين-يأتي قرار ترامب بإرسال "ماركو روبيو"، وهو من الكاثوليك القلائل في طاقمه الوزاري، في مهمةٍ تبدو في ظاهرها بروتوكوليةً لاسترضاء البابا؛ غير أن هذا القرار يشي حتماً بضرورة ملحة وسرٍّ مكنون يكتنف هذه المهمة.
لقد استبق "روبيو" رحلته بمحاولة فرض التعتيم على التوترات القائمة بين واشنطن والفاتيكان، ساعياً لتصوير مهمته الخاصة في إطار زيارة دبلوماسية اعتيادية. بيد أن وسائل الإعلام، ومنذ الوهلة الأولى، ركزت عدساتها على السجالات الكلامية التي اندلعت في الأسابيع الأخيرة بين البابا "ليون الرابع عشر" وترامب، لتغدو أخبار هذه الزيارة رهينةً لتلك التوترات القاتمة.
وعليه، ومع إسدال الستار على هذه الرحلة، وخلف الابتسامات الدبلوماسية المصطنعة أمام عدسات الكاميرا، انبرت وسائل الإعلام لسبر أغوار البيان الرسمي للفاتيكان. وبمقارنة المفردات الواردة فيه ببياناتٍ مماثلة، خلص المحللون إلى استمرار الخلافات العالقة، وإخفاق وزير الخارجية الأمريكي عملياً في مهمة "نزع فتيل الأزمة"؛ وهو فشلٌ قد ينهي "الهدنة المؤقتة" بين البابا وترامب، ليعلن بداية جولة جديدة من الصراع في القادم من الأيام.
وكما أوردت التقارير الإعلامية: حين يتحدث "الكرسي الرسولي" عن "تعزيز العلاقات" بدلاً من الإعراب عن "الرضا" عنها، فذلك يعني في لغة الدبلوماسية العميقة أن ثمة خلافاً جوهرياً لا يزال خلف الستار.
تذبذب البيت الأبيض: سياسة "الوجهين" حيال الفاتيكان
بينما يتظاهر ترامب بالتوق للتقارب مع البابا والسعي لتبديد سحب الخلاف عبر إيفاد وزير خارجيته إلى الفاتيكان، إلا أن لهذه العملة وجهاً آخر في واقع الأمر؛ وجهٌ تبرز فيه المكاسب السياسية التي يجنيها ترامب على الساحة الأمريكية الداخلية من جراء مجابهة الفاتيكان ومناصبته العداء.
بدايةً، يجب الإدراك بأن جذور الخلاف بين البابا وترامب لا تقتصر على المسائل السياسية والرؤى اليمينية للبيت الأبيض تجاه قضايا كإذكاء الحروب والهجرة والعنصرية فحسب، بل هي خلافات تضرب بجذورها في عمق العقيدة والمنظور الديني.
تتفرع المسيحية إلى ثلاث طوائف كبرى: الكاثوليكية (بزعامة البابا ومركز ثقل في جنوب أوروبا وأمريكا اللاتينية)، الأرثوذكسية (مسيحية الشرق التي تتمحور حول كنيسة موسكو وتنتشر في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وأجزاء واسعة من أفريقيا)، والبروتستانتية (التي تفتقر إلى زعامة مركزية وتتمركز في شمال أوروبا). ومن بين قرابة المليار ونصف المليار كاثوليكي حول العالم، ممن يمثّل الفاتيكان وشخص البابا مرجعيتهم الدينية، لا يقطن سوى 5% منهم في الولايات المتحدة، وغالبية هذه النسبة الضئيلة هم من المهاجرين القادمين من أمريكا اللاتينية.
تتجلى أهمية هذا المشهد حين نعلم أن "البروتستانت اليمينيين" (المعروفين بالإنجيليين أو الصهاينة المسيحيين) يشكلون ركيزةً أساسيةً في طيف مؤيدي ترامب، وهم من أشدّ الخصوم للفاتيكان والكنيسة الكاثوليكية والبابا. ويُعد النزوع نحو العنف والميول العسكرية (الميليتارية) سمةً جوهريةً لهذا التيار المسيحي اليميني الذي بات يهيمن بظلاله على السياسة والحكم في أمريكا. وفي هذا السياق، يرى "منيب يونان"، المطران السابق للكنيسة اللوتيرية، أن الصهيونية المسيحية ليست مجرد "لاهوت مريض" فحسب، بل هي "هرطقة" أيضاً. ويعزو وصفها بالهرطقة إلى ثلاث سمات رئيسية: أولاً، تقديم السيد المسيح كشخصية عسكرية بدلاً من كونه مخلِّصاً؛ ثانياً، نزعاتهم المعادية للسلام؛ وثالثاً، استغلالهم النفعي لليهود كأدوات في معركة "هرمجدون" (نهاية العالم).
لقد جعل الإنجيليون البروتستانت من "الحرب" حجر الزاوية في منظومتهم الفكرية. فمنذ وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، تبنى الاتحاد الوطني للإنجيليين ثلاثة محاور رئيسية في منهاجه: كان أولها مناهضة إقامة أي روابط دبلوماسية مع الفاتيكان، وثانيها الهجوم الضاري على مبدأ فصل الكنيسة عن الدولة.
ومن منظور هذه الفئة، تُعدُّ الحرب هي "المخاض" الذي يستنهض ظهور المسيح، إذ لا تحلُّ الملحمة الكبرى (الأبوكاليبس) ويبلغ المؤمنون سعادتهم القصوى إلا في أتون هذه الظروف؛ وهي قراءةٌ وجدت لها صدىً واسعاً في السنوات الأخيرة بين أوساط مؤيدي الرئيس الأمريكي المنضوين تحت لواء حركة «MAGA».
في هذه الرواية، تتباين ملامح عيسى عن صورته التقليدية الوادعة التي ترسمها التعاليم الدينية المرتكزة على التواضع والسلام؛ إذ تغدو أقرب إلى صورة "المسيح المحارب" في أدبيات آخر الزمان، ذلك الذي تصفه بعض تأويلات "سفر الرؤيا" برموزٍ مهيبة مثل "العيون الملتهبة" و"الرداء المضمخ بالدماء"، وهو يقود جحافل السماء.
ولم يتوقف حضور هذه الصورة عند العتبات الرمزية في بعض التجمعات السياسية الأمريكية، بل تعداها ليتجلى في خطاب شخصيات سياسية، ألمحت إلى "مباركة إلهية" لحربٍ محتملة ضد إيران. بل إن مسؤولين بارزين في وزارة الحرب الأمريكية استثمروا لغةً يراها النقاد تسخيراً للدين في خدمة المآرب العسكرية؛ كالدعوة للصلاة من أجل النصر العسكري "باسم يسوع المسيح"، وإقحام المفردات الأخروية في الخطابات الرسمية.
وفق هذه الرؤية، لا تنحصر حركة «MAGA» في إطارها السياسي فحسب، بل تتجاوزه لتكتسي أبعاداً قدسيةً؛ حيث يُقدَّم بعض القادة السياسيين بوصفهم "مختاري العناية الإلهية"، وتُخلع دلالاتٌ ملهِمة على التحولات الجيوسياسية والحروب بوصفها إرهاصاتٍ لنهاية العالم. وفي المقابل، يطرح البابا "ليون" رؤيةً مغايرةً تماماً للمسيح؛ رؤيةً تستقي جوهرها من الأناجيل والتعاليم التي تُعلي من شأن السلام، وتنتصر للفقراء، وتنبذ العنف بكل أشكاله. فقد نعت المسيح في أحاديثه بأنه "ملك السلام"، مؤكداً أن الحرب تجافي المشيئة الإلهية.
كما اتخذ البابا "ليون" موقفاً نقدياً حازماً تجاه قرع طبول الحرب مع إيران، مشدداً على أن الأتباع الحقيقيين للمسيح لا يصطفون خلف النزعات العسكرية والوسائل العنيفة. ولهذا السبب، ورغم اعتلاء أول بابا "أمريكي" سدة الكرسي الرسولي في تاريخ الكنيسة، لم يُسجل حتى اللحظة أي اتصال مباشر بين ترامب والبابا "ليون الرابع عشر".
وفي ضوء ما سلف، يتضح جلياً أن ترامب، بولوغه في مجابهة البابا وتحديه، يرمي ببصره نحو حصد المزيد من الشعبية واستمالة اليمين المسيحي في الداخل الأمريكي. غير أن لهذا المشهد وجهاً آخر؛ وهو النظرة النفعية التي يلقيها البيت الأبيض على الفاتيكان، محاولاً اتخاذه أداةً لتمرير سياساته، وإضفاء الشرعية على تدخلاته في شتى بقاع الأرض، والضغط على الحكومات المناوئة له. أضف إلى ذلك، أن مواقف الفاتيكان المناهضة لسياسات واشنطن تؤدي بالضرورة إلى تنامي السخط العالمي، سواء لدى مئات الملايين من الكاثوليك، أو لدى أولئك الذين ينظرون بتقدير وإجلال لشخص البابا كرمز ديني بارع التأثير.
والتاريخ المعاصر حافلٌ بالشواهد التي تماهت فيها مواقف الباباوات مع مصالح واشنطن، مما أحدث أثراً عميقاً في التحولات الدولية؛ ومن ذلك الدور المحوري للبابا "يوحنا بولس الثاني" في الأحداث التي أفضت إلى تآكل المعسكر الشرقي وتقويض أركانه. فقد صبغ التيار المسيحي الأصولي، إبان حقبة الصراع بين الشرق والغرب، الاتحاد السوفيتي بصبغة "إمبراطورية الشر"، بل وذهب بعضهم إلى اعتباره تجسيداً لـ "الدجال" (ضد المسيح).
وثمة مثال آخر يتجلى في الاستفادة الأمريكية من هوة الخلاف العميقة بين الفاتيكان والحكومة الصينية (جمهورية الصين الشعبية). فجوهر النزاع يكمن في رفض بكين القاطع لمبدأ انفراد الفاتيكان بتعيين مسؤولي الكنيسة الكاثوليكية في الصين، أو خضوع تلك الكنائس لسلطته المباشرة.
علاوةً على ذلك، فإن الحكومة الصينية، في ظل هيمنة الحزب الواحد، تبسط نفوذها حتى على الحيز التعبدي للمواطنين؛ إذ تنظر بكين بريبة إلى الكنيسة الكاثوليكية كـ "منافس سيادي" للحزب الشيوعي وتعاليمه. وفي ثنايا هذه النظرة المتوجسة، يُنظر إلى الكنيسة-التي تُملى قراراتها من خارج الحدود-بوصفها ذراعاً للتغلغل الثقافي الغربي ومطيةً لتدخلات البيت الأبيض في الشأن الصيني؛ ولأجل ذلك، لا تعترف بكين والفاتيكان ببعضهما البعض، وتفتقران لأي تمثيل دبلوماسي.
هذا الانقطاع دفع الفاتيكان إلى الاعتراف بـ "تايوان" بدلاً من جمهورية الصين الشعبية، وهو موقف يتماهى تماماً مع استراتيجية واشنطن الرامية لتحجيم بكين. ومن المفارقات أن أكبر سفارة في الفاتيكان تعود لدولة تايوان، التي تستثمر هذا الخلاف بأقصى طاقاتها؛ لاسيما وأنها تفتقر للاعتراف الدولي، إذ لا تعترف بها سوى 12 دولة عضواً في الأمم المتحدة، بالإضافة إلى الفاتيكان.
وفي الآونة الأخيرة، كشف "ماركو روبيو" علانيةً عن مساعٍ لتوظيف ثقل الفاتيكان في الدفع بسياسات واشنطن حيال كوبا، مستحضراً وساطة البابا "فرنسيس" السابقة بين واشنطن وهافانا عام 2014.
ومع ذلك، فقد باءت هذه الرحلة الأخيرة بالفشل في إدراك غاياتها؛ إذ لا تلوح في الأفق أي بادرة تشي بتنازل البابا عن مواقفة المبدئية، لتبقى فجوة الخلاف حول الحرب مع إيران قائمةً كما هي، عصيةً على التجسير.
