الوقت- في الجنوب السوري، تحولت التحركات العسكرية للكيان الإسرائيلي من عمليات عابرة أو ردود فعل محدودة إلى مشروع توسع شامل يهدف إلى إعادة تشكيل الجغرافيا والواقع الأمني والديموغرافي على طول الحدود مع الجولان المحتل. من القنيطرة إلى درعا، تتسارع عمليات إنشاء القواعد والتحصينات الذكية وشبكات المراقبة، بالتوازي مع تجريف الأراضي الزراعية واعتقالات ومداهمات ليلية متكررة، في انتقال واضح من سياسة “الردع المؤقت” إلى محاولة فرض واقع دائم، مع تغييرات في توزيع السكان والتحكم بالموارد الأساسية، ما يهدد استقرار المجتمعات المحلية على المدى الطويل.
تمدد يتجاوز المنطقة العازلة
استغل الكيان الإسرائيلي الفراغ الأمني بعد انهيار أجزاء واسعة من الجيش السوري للتمدد داخل المنطقة العازلة وما حولها، متجاوزاً حدود اتفاق فصل القوات لعام 1974. سيطر الكيان على مئات الكيلومترات الممتدة بين جبل الشيخ شمالاً وحوض اليرموك جنوباً، مع توسيع الانتشار العسكري داخل محافظتي القنيطرة ودرعا. ويشير إنشاء القواعد الثابتة ونقاط المراقبة الإلكترونية إلى توجه استراتيجي طويل الأمد يهدف إلى بناء “حزام أمني” دائم، يشبه تجربة الاحتلال في جنوب لبنان، حيث تم إنشاء شريط حدودي تحت ذرائع أمنية قبل أن يتحول إلى منطقة نفوذ كاملة.
قواعد عسكرية وخريطة نفوذ
تركز القواعد العسكرية الجديدة للكيان الإسرائيلي على المناطق المرتفعة الاستراتيجية مثل جباتا الخشب والحميدية، حيث تحولت بعض القرى إلى مناطق عسكرية مغلقة بعد عمليات التجريف وقطع الأشجار وإزالة المنازل. أدى هذا إلى نزوح العائلات، بينما تم ربط القواعد ضمن شبكة عملياتية واحدة تسمح بالتحرك السريع للقوات والإشراف على مساحات واسعة، بما في ذلك مناطق تعتمد على الزراعة والرعي، مما يمنح الاحتلال قدرة كبيرة على التحكم بالموارد المحلية وتأمين خطوط إمداد مستمرة.
سياسة “الخنق الصامت”
يعتمد الكيان الإسرائيلي سياسة “الخنق الصامت”، التي تقوم على التضييق الأمني والاقتصادي والنفسي للسكان المحليين. تشمل هذه السياسة مداهمات ليلية واعتقالات وحواجز مؤقتة، إضافة إلى مراقبة مستمرة بواسطة الطائرات المسيّرة والأنظمة الإلكترونية المتطورة. الهدف ليس جمع المعلومات فقط، بل خلق بيئة معيشية صعبة تدفع السكان تدريجياً للرحيل، ما يؤدي إلى تفريغ المناطق الحدودية من سكانها الأصليين لصالح السيطرة الأمنية المستمرة.
القنيطرة مركز الثقل العسكري
تعتبر محافظة القنيطرة مركز المشروع العسكري للكيان الإسرائيلي، حيث تتركز معظم القواعد والتحصينات ونقاط الانتشار التي تمنح قدرة إشراف ناري وبصري على الجنوب السوري والجولان المحتل. كثّف الاحتلال وجوده في الريفين الشمالي والأوسط، مع تعزيز نقاط العبور والانتشار قرب القرى الحدودية، بينما تتعرض القرى الجنوبية لضغط مستمر، خاصة تلك التي تعتمد على الزراعة وتربية المواشي.
بوابات عسكرية وحدود ذكية
ضمن مشروع التوسع، أنشأ الكيان الإسرائيلي بوابات وممرات للآليات، وربط القواعد ضمن شبكة متكاملة تسمح بالتحرك السريع والإمداد المستمر. كما بدأ في بناء “حدود ذكية” تعتمد على الذكاء الاصطناعي وأنظمة الاستشعار والطائرات المسيّرة والروبوتات البرية. في مطلع 2026، أعلن الكيان مشروع جدار أمني على الحدود السورية والأردنية بكلفة 1.7 مليار دولار، لإنشاء منظومة مراقبة إلكترونية متكاملة، ما يعكس تحولاً في العقيدة العسكرية نحو الاعتماد على التكنولوجيا وتقليل الدور المباشر للجنود، مع تعزيز القدرة على اتخاذ القرارات الأمنية بشكل لحظي.
استهداف البيئة والزراعة
إلى جانب العمليات العسكرية، رش الكيان الإسرائيلي مواد كيميائية على الأراضي الزراعية والمراعي، ما تسبب بتلف مساحات واسعة من الأراضي ووفاة أجزاء من الثروة الحيوانية. هذه الممارسات تؤدي إلى تراجع المحاصيل وزيادة معاناة المزارعين، ما يضاعف الضغوط على السكان المحليين ويدفعهم إلى الرحيل، في خطوة وصفها ناشطون بأنها “إبادة بيئية بطيئة”، تهدف إلى تحويل المناطق الحدودية إلى أراضٍ شبه خالية من السكان، مما يسهل السيطرة العسكرية والاستيطانية على المدى الطويل.
صمت دولي وتحركات محدودة
رغم حجم الانتهاكات، يظل الموقف الدولي محدوداً، مع بيانات حقوقية خجولة، بينما تبدو الحكومة السورية عاجزة عن الردع بسبب ضعف الإمكانات العسكرية وتعقيدات الملف الإقليمي. التحركات الرمزية، مثل إرسال وفود رسمية أو صيانة الطرق، لا ترقى للتحديات القائمة، فيما يواصل الكيان الإسرائيلي التأكيد على نية البقاء لفترات طويلة والتوسع ضمن رؤيته الأمنية الجديدة، مع تعزيز النفوذ العسكري والسياسي في المنطقة.
مشروع استيطاني جديد
يتزامن التوسع العسكري مع تحركات استيطانية في الجولان المحتل، حيث يسعى الكيان الإسرائيلي لتعزيز عدد المستوطنين وتوسيع التجمعات القائمة. يشكل مشروع “الحدود الذكية” والقواعد الجديدة جزءاً من منظومة متكاملة تهدف لتثبيت السيطرة ومنع أي تهديد محتمل من الجنوب السوري، مع تمكين الاحتلال من مراقبة التحركات داخل سوريا ولبنان والأردن بشكل دائم، والتحكم بالمناطق الحدودية اقتصادياً واجتماعياً.
الجنوب السوري أمام مرحلة جديدة
المشهد الحالي يشير إلى دخول الجنوب السوري مرحلة مختلفة، حيث يتعامل الكيان الإسرائيلي مع المنطقة كمناطق نفوذ دائمة، مع استمرار غياب ردع دولي حقيقي وتراجع قدرة الدولة السورية على فرض سيطرتها. تواجه القرى الحدودية واقعاً معقداً، تتداخل فيه الاعتبارات العسكرية مع الأهداف السياسية والاستيطانية، وتزداد المخاوف من أن يتحول التوسع التدريجي إلى واقع دائم، رغم الذرائع الإسرائيلية بـ“الضرورات الأمنية”، وهو ما يهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في الجنوب على المدى الطويل.
