الوقت - إن مضيق هرمز، وطيلة القرون الأربعة المنصرمة - وتحديداً منذ تلك اللحظة التاريخية التي دحر فيها "إمام قلي خان" بجأشه وسواعده المقتدرة المستعمرين البرتغاليين - لم يشهد حدثاً أكثر وطأةً أو أشدّ حسماً من الراهن الذي نكابده اليوم. وما يستشفّ من تمحيص الروايات المزامنة لعشية العدوان الأمريكي على إيران في "حرب رمضان"، هو أن الجانب الأمريكي لم يكن قد أقام لمضيق هرمز وزناً كافياً في حساباته الاستراتيجية؛ وذلك في وقتٍ كان فيه القائد الإيراني الشهيد "تنکسيري"، قائد القوة البحرية في الحرس الثوري الإيراني، قد أعلن صراحةً عن جاهزية الحرس لإغلاق المضيق، وذلك خلال مناورات بحرية جرت قبل نحو أسبوعين من اندلاع شرارة تلك الحرب.
وعلى أية حال، يبدو أن رحى "حرب رمضان" قد استدارت بكامل ثقلها لتتمحور حول مضيق هرمز، حتى غدا هذا الممر المائي يختزل في كينونته الفلسفة الكاملة لهذه الحرب. وفي هذا المضمار، ثمة نقاط جوهرية تستدعي التأمل والتدبر:
1. الرؤية الإيرانية الشاملة.. عمقٌ في الاستشراف ودقةٌ في التنفيذ
لقد خلص المسؤولون الإيرانيون، وعلى رأسهم القادة العسكريون في الحرس الثوري والجيش، منذ سنوات خلت، ومن خلال فهمهم العميق واستلهامهم الحصيف لتوجيهات ورؤى "القائد الشهيد"، إلى أنَّ التأهب لخوض غمار حربٍ فاصلة ومحتومة مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني هو ضرورةٌ استراتيجية لا مناص منها. وبناءً على هذا الإدراك الثاقب، وُضع إعدادُ العُدّة وحشدُ القوى في صدارة الأولويات، في حراكٍ دؤوبٍ ومستمر لم يعرف الكلل.
لقد كانت المعرفة الكلية والمحيطة بكل ما تقتضيه هذه المواجهة من ألمع سمات هذا التوجه؛ فبينما كانت عجلة تطوير الترسانة العسكرية تدور بانتظام، كانت الأنظار تتجه بذات القوة نحو استثمار المزايا الجيوسياسية والجغرافية، حيث اعتلى "مضيق هرمز" ذروة هذا الاهتمام الاستراتيجي. وفي الوقت الذي انغمست فيه الولايات المتحدة في نشوة الغطرسة والاعتداد بالذات حيال هذا المضيق، كانت إيران قد رسمت لهذا الممر الحيوي خططاً محكمةً وبرامج دقيقة، مُصاغةً برؤيةٍ مستقبلية ثاقبة، جاء تعاقب الأحداث لاحقاً لتُصدّقها وتُثبت سدادها.
2. الصلف الأمريكي وتضليل الذات
إنَّ موقع مضيق هرمز، وطبيعة السلع والبضائع التي تمخر عبابه، وأثر ذلك على معاش الناس واقتصاد العالم، حقائقُ يدركها حتى المبتدئون في الشؤون العسكرية؛ إذ يعلمون أنَّ أيَّ أتون حربٍ يشتعل في هذه المنطقة، سيجعل من المضيق "رافعةً" وسلاحاً فتاكاً بيد الطرف الذي يبسط نفوذه عليه ويمارس سيادته فيه. ورغم هذه الأهمية البينة، أخفقت الولايات المتحدة في رسم مخططٍ يكافئ هذا الوزن، أو لعل خططها قد حادت عن الصواب، وكلاهما نابعٌ من كبرياءٍ أفضت بها إلى تضليل الذات.
فمن جهة، استبعد الأمريكيون فكرة إغلاق المضيق، ومن جهة أخرى، ركنوا إلى غرور قوتهم البحرية ظناً منهم أنَّ فتحه سيكون نزهةً يسيرةً. غير أنهم، وبعد انكسارهم في ميدان التحليل والاستشراف، ووقوعهم في شِباك الحسابات الإيرانية الحصيفة، أدركوا أنهم قد استُدرجوا إلى الفخ في أكثر نقاط المعركة خطورةً، دون أن يجدوا سبيلاً للخروج إلا بمشيئةٍ إيرانية.
3. الانحدار من الاستراتيجية إلى التكتيك
خلافاً للقائلين بأنَّ أمريكا لم تملك استراتيجيةً واضحةً في هجومها على إيران، ينبغي القول إنها كانت تملك استراتيجيةً دقيقةً وكفيلةً بتركيع أعتى القوى؛ غير أنَّ هذه الاستراتيجية قد اعتراها وهنٌ شديد أمام إيران التي تتكئ على منابع قوةٍ متعددة الأبعاد، وتمثَّل هذا الوهن في "ضيق الأفق المعرفي والاستشرافي". هذا القصور أمام دولةٍ تمتلك رصداً واسع المدى، مكَّن إيران من دكِّ ركائز القوة الأمريكية واحدةً تلو الأخرى. وبتحريكها لرافعة مضيق هرمز وإغلاقه، حوّلت إيران المعركة بالنسبة لواشنطن من صراعٍ استراتيجي كلي إلى غرقٍ في وحل التكتيك (بمحاولة فتح مضيقٍ كان مفتوحاً أصلاً قبل الحرب)، مما ألحق بها مهانةً كبرى. ويرى خبراء أن واشنطن اليوم تدفع أثماناً باهظةً لتضحي باستراتيجيتها السابقة في سبيل إجراءٍ تكتيكي بحت، وهو ما يعني "خوض حربٍ ودفع تكاليفٍ فادحة من أجل لا شيء"، ناهيك عن التبعات القاصمة في الصعد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية داخل أمريكا.
4. خطٌ أحمر بِلونِ الدم
لقد أتاحت "حرب رمضان" للإيرانيين، بعد انصرام قرونٍ من الزمن، صيدَ أثمن لؤلؤةٍ في الخليج الفارسي، ووفرت المناخ الملائم لتجسيد القيمة السيادية لمضيق هرمز فعلاً لا قولاً. ولربما لم يكن بمقدور إيران في أي حقبةٍ من تاريخها المعاصر أن تصدح بحقوقها في هذا المضيق بهذا الأسلوب وهذه القوة؛ إذ أزاحت هذه الحرب كل العوائق الذهنية والعملية أمام ممارسة سيادةٍ من نوعٍ جديد، وأطلقت يد إيران في تنفيذها. إنَّ الوصول إلى هذه المحطة التاريخية الفارقة لم يكن زهيد الثمن، بل قدّم الشعب الإيراني في سبيله قائمةً تطول من الفدائيين، بدءاً من "القائد الشهيد" وصولاً إلى التلاميذ الأبرياء في مدرسة "الشجرة الطيبة" الابتدائية في "ميناب".
وعليه، وتقديراً لتلك الدماء الطاهرة التي تغلي طلباً للثأر، وإدراكاً للمزايا الحيوية لهذا الممر، أعلن الشعب الإيراني - استكمالاً لنهج شهدائه - أنَّ مضيق هرمز وممارسة السيادة الجديدة عليه هما "الخط الأحمر" للنظام الإسلامي. إنه خطٌ أحمر يمثّل قيمةً ومكانةً يمكن الذود عنها حتى يصبغها الدم بقانِ لونه. ولعلَّ "ترامب" - الذي عُرف ببلادة حسه في إدراك الأمور الجلية - قد استوعب هذه المرة، على غير عادته، فحوى الرسالة بسرعة، فتراجع في أقل من 48 ساعة عن مشروع "تحرير مضيق هرمز".
