الوقت- الخطة التي رفع لواءها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، متذرعاً بـ "تحرير مضيق هرمز"، لم تصمد أمام رياح الواقع سوى يومين اثنين، قبل أن تهوي سراعاً في جبِّ الإخفاق. وكان ترامب نفسه هو من أعلن نعيَ خطته، مؤكداً تعليق العمل بها في الوقت الراهن. وبالتزامن مع هذا الانكفاء، أفاضت وسائل إعلام عبرية في تبيان الأسباب، مؤكدةً أن تراجع ترامب لم يكن إلا ثمرةً مريرةً لفشل عملية عسكرية ضخمة، حُشدت لها ثلاث حاملات طائرات وثمانٍ وثلاثون طائرة تزويد بالوقود، واستمرت ثمانٍ وأربعين ساعة من المناورات العقيمة دون أن تُحقق قيد أنملة من أهدافها.
وبحسب ما أوردته المصادر العبرية، فإن ترامب، كلما استشعر وطأة الضغوط الإيرانية تشتد على كاهله، يتستّر فجأةً خلف "الطلب الباكستاني" للوساطة؛ رغبةً منه في ألا يظهر بمشهد المنهزم الذي يجرّ أذيال الخيبة ويتقهقر وحيداً.
وفي الداخل الأمريكي، لم تكن الأصوات أقلَّ حدةً؛ إذ انبرى "ريتشارد بيب"، الكاتب وأستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو، ليشنّ هجوماً لاذعاً عبر منصة "إكس" على قرار ترامب تعليق ما سُمي بـ "مشروع الحرية" في مضيق هرمز، واصفاً إياه بالهزيمة المدوية. وكتب بيب متهكماً: "لقد وارى ترامب مشروع الحرية الثرى بيديه؛ فمع توالي الضربات على النفط الإماراتي، لُفظ المشروع أنفاسه الأخيرة منذ يومه الأول". ومضى بيب في تقريعه للرئيس الأمريكي قائلاً: "إن ترامب يتأرجح بعنف بين نقيضين متطرفين؛ إنه يسقط في دوامة مشؤومة من الإخفاق الاستراتيجي، واقعاً في فخ التصعيد الذي نصبه لنفسه".
قراءة في أسباب الانكفاء والانكسار
على الرغم من الصخب الذي رافق إعلان ترامب، إلا أن تراجعه عن مشروعه في مضيق هرمز لم يكن وليد الصدفة، بل تضافرت جملة من الأسباب لتقويض أركانه، يمكن إيجازها فيما يلي:
أولاً: الصولة العسكرية الإيرانية
واجه "مشروع الحرية" ــ الذي نُذر لضمان العبور الآمن للسفن ــ رداً حازماً وصارماً من القوات المسلحة الإيرانية منذ ساعاته الأولى؛ إذ انبرت القوة البحرية للجيش والحرس الثوري الإيراني للتصدي للسفن التجارية والمدمرات الأمريكية التي حاولت الاقتراب من تخوم المضيق، وأمطرتها بوابلٍ من النيران أرغمها على التقهقر. لقد أثبتت هذه المواجهة أن المشروع يفتقر إلى مقومات الاستمرارية من الناحية العملياتية؛ فبينما كان يُفترض به تأمين الملاحة، أحجمت السفن عن سلوك المسارات التي حددها، بعد أن برهن الوجود النشط للقوات الإيرانية في مياه الخليج الفارسي أن زمام السيطرة الميدانية في المضيق لا يزال في قبضة طهران بالكامل، مما جعل المشروع يبدو من الناحية العسكرية "قبض ريح" غير قابل للتنفيذ.
ثانياً: غياب الرؤية وتخبط المسارات
منذ اللحظة الأولى، وُلد المشروع مشوهاً ومحاطاً بأسوار من الغموض؛ إذ لم تكن غاياته مرسومةً بدقة، ولا الدول المشاركة معروفةً، ولا هيكل القيادة واضحاً. وزاد الطين بلةً إعلان القيادة المركزية الأمريكية أنها لن تقوم بعمليات مرافقة مباشرة للسفن، مما جعل المشروع يبدو منذ بدايته ناقصاً وهلامياً. وفي هذا السياق، وصفت شبكة "الجزيرة" اليوم الأول للمشروع بأنه غرق في بحر من الشكوك والريبة، مؤكدةً غياب أي أثر لـ "التحرير" الموعود للسفن العالقة، بينما شكّك المحللون في جدوى خطةٍ تفتقر إلى أطرٍ واضحة المعالم.
ثالثاً: انكسارُ الرهان في اليوم الأول
رغم الهالة الدعائية التي أحاط بها ترامب مشروعه، إلا أن أرض الواقع كانت شاهدةً على ركودٍ مطبق؛ إذ ظل الرعب من عبور المضيق بـ "الضمانة الأمريكية" هو سيد الموقف. وبحسب بيانات منصة "MarineTraffic"، لم يجرؤ على العبور في اليوم الأول سوى ناقلة نفط واحدة وسفينة صغيرة للغاز المسال (LPG) خاضعة للعقوبات، إلى جانب عدد يسير من سفن البضائع. ونقلت وكالة "رويترز" خلوَّ طوابير الانتظار من أي ناقلات نفط أو سفن تجارية أخرى. فيما أعلنت مجموعة "هاباج لويد" الألمانية صراحةً استحالة عبور سفنها في ظل غياب الشفافية والضمانات الحقيقية، ونقلت "وال ستريت جورنال" عن أحد ملاك السفن الأوروبيين قوله بلسانٍ قاطع: "لن تتحرك سفننا الأربع الراسية في الخليج الفارسي ما لم يتم إقرار وقفٍ شامل لإطلاق النار".
رابعاً: العزلة الدولية وانفضاض الحلفاء
تلقى المشروع طعنةً نجلاء من أقرب الحلفاء؛ إذ نأت معظم القوى الدولية بنفسها عن الانخراط في مغامرة ترامب. فقد أعلنت فرنسا ونيوزيلندا وإسبانيا، وحتى بريطانيا، رفضها القاطع للمشاركة في تنفيذ الخطة، ليجد المشروع نفسه منذ فجره الأول في عزلةٍ دولية خانقة.
الخلاصة
إن تراجع ترامب عن "مشروع الحرية" لم يكن انحناءً عابراً للعاصفة، بل كان اعترافاً ضمنياً بالفشل الميداني، وتحت وطأة الضغوط في ساحة المعركة، فضلاً عن العزلة العالمية والضرورات الدبلوماسية التي فرضت نفسها؛ فقد أخفق المشروع في كسب ثقة الأسواق العالمية أو حشد دعم الحلفاء، فارتطم بجدار الطريق المسدود منذ خطواته الأولى.
