الوقت- بينما يموج العالم اليوم تحت وطأة اضطرابات جيوسياسية متلاحقة، يبرز من جديد ذلك النمط المعهود في السياسة الخارجية الأمريكية؛ حيث لا تُعامل الأزمات الإقليمية بوصفها تحديات أمنية فحسب، بل تُتخذ كفرصٍ سانحة لإعادة إنتاج القوة الاقتصادية والصناعية، ولا سيما في قطاع الصناعات الدفاعية. وقد جاءت الحرب الأخيرة مع إيران لتسلط الضوء مجدداً على هذا النهج وتجعله محوراً للنقاش.
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن مصادقتها على صفقات لبيع أسلحة عسكرية تجاوزت قيمتها 8.6 مليار دولار لحلفائها في الشرق الأوسط، وهم الكيان الصهيوني وقطر والكويت والإمارات. وبحسب بيان الخارجية، فقد تمت الموافقة على بيع محتمل لـ 10 آلاف منظومة من ذخائر "APKWS" الموجهة بدقة، إلى جانب المعدات المرتبطة بها، لـ "إسرائيل" بصفقة بلغت قيمتها 992 مليوناً و400 ألف دولار.
كما وافقت واشنطن على تزويد الكويت بمنظومات للتحكم القتالي ومعدات متصلة بها بقيمة ناهزت 2.5 مليار دولار. وفي الوقت ذاته، أفصحت الخارجية الأمريكية عن موافقة محتملة لتزويد قطر بخدمات إعادة تزويد منظومات الدفاع الجوي والصاروخي "باتریوت" والمعدات التابعة لها، في صفقة قُدرت بـ 4.01 مليار دولار، بينما لم ترد أي إشارة من واشنطن بشأن ماهية الأسلحة المزمع بيعها للإمارات.
وتأتي هذه الصفقات التسليحية الجديدة للدول العربية في وقتٍ تواجه فيه الولايات المتحدة استنزافاً ملحوظاً في مخزوناتها من الذخائر، وذلك في أعقاب 40 يوماً من الصراع العسكري مع إيران. وبناءً عليه، أصدر البنتاغون أوامر عاجلة لشركات السلاح لتسريع وتيرة إنتاج الصواريخ الاعتراضية والمعدات العسكرية الأخرى.
وعلى الرغم من استمرار تصدير السلاح إلى الحلفاء العرب، فقد وجّهت واشنطن تحذيرات لشركائها الأوروبيين، بمن فيهم بريطانيا وبولندا وليتوانيا وإستونيا، مفادها أنهم قد يواجهون تأخيرات طويلة في استلام طلبياتهم التسليحية جراء التقلص الحاد في المخزونات الأمريكية.
جني الأرباح من عمق الأزمات
يجب تتبع جذر صناعة الأزمات وتوقيع عقود التسلح إلى هيكلية السلطة في الولايات المتحدة، حيث تحول الارتباط الوثيق بين السياسة والصناعة العسكرية إلى أحد أكثر الائتلافات الداخلية ثباتاً واستدامةً. ومع مرور 65 عاماً، لم يتلاشَ التحذير التاريخي الذي أطلقه الرئيس الأمريكي الأسبق، دوغلاس آيزنهاور، بشأن نفوذ "المجمع العسكري-الصناعي"، بل إن دلالته اليوم قد اكتست ملامح واقعية وملموسة أكثر من أي وقت مضى. في مثل هذا الهيكل، لا تُعد الأزمة مجرد تهديد وشيك، بل تتحول إلى فرصة اقتصادية بحتة، تتيح الحفاظ على خطوط الإنتاج نشطة، وارتفاع الميزانيات، وخلق أسواق جديدة لم تكن في الحسبان.
لقد اعتمدت حكومات أمريكية متعاقبة، مستنيرةً بهذه الاستراتيجية على مدى عقود، على استغلال عدم الاستقرار الإقليمي لتعزيز مبيعات الأسلحة مراراً وتكراراً. ومن هنا، فإن التأكيد المتكرر على تهديداتٍ مُصطنعة، مثل إيران في سياق الحرب الأخيرة، يشجع الدول العربية على زيادة إنفاقها العسكري، مما يصب في النهاية في مصلحة تعزيز الصناعة العسكرية الأمريكية.
وبالتالي، فإن سياسة بيع الأسلحة تؤدي إلى نشوء نوع من التبعية العسكرية، حيث يعتمد تأمين الأمن، بدلاً من الاعتماد على القدرات المحلية، على الاستيراد المستمر للمعدات العسكرية. وهو ما تجسّد بوضوح في إنفاق الدول العربية، خلال العقود الماضية، مئات المليارات من الدولارات لشراء المعدات العسكرية، ليتحولوا بذلك إلى العملاء الرئيسيين للصناعات العسكرية الأمريكية.
غير أن هذا الحجم الهائل من الشراء لا يعني بالضرورة تحقيق الاستقلال الدفاعي. ففي كثير من الحالات، تبقى أنظمة الصواريخ المتطورة، مثل "باتريوت" و"ثاد"، رغم نشرها على أراضي هذه الدول، خاضعةً في عملياتها وتشغيلها الفعلي للضبط الأمريكي، ولا تدخل حيز التنفيذ إلا عندما تتعرض مصالح الولايات المتحدة للتهديد المباشر. وقد كان ذلك جلياً في الحرب الأخيرة مع إيران، حيث اقتصر دور هذه الأنظمة على حماية القواعد العسكرية الأمريكية في واشنطن، دون أن تُستخدم يوماً للدفاع عن البنى التحتية الحيوية للدول العربية.
ورغم أن بيع الأسلحة يُبرر دائماً تحت شعار الدفاع عن أمن الحلفاء العرب، يرى المنتقدون أن هذه الحلقة المفرغة قد تتحول بحد ذاتها إلى سبب لاستمرار انعدام الأمن، فتراكم الأسلحة في منطقة ما، لا سيما في ظل التنافسات الجيوسياسية، لا يخلق رادعاً مطلقاً فحسب، بل قد يدفع في بعض الأحيان إلى تصعيد الحساسيات وزيادة حدة التوترات.
على مدى الأربعين عاماً الماضية، كان البيع الواسع النطاق للأسلحة الأمريكية إلى الدول العربية، مدفوعاً بمنطق صنع التهديد الإيراني، يحول المنطقة إلى برميل باروت في فترات التوتر، بينما كانت واشنطن تجني مليارات الدولارات من أرباح تلك السباقات التسلحية.
لذلك، يمكن القول إن الحلفاء الأمريكيين، في إطار هذا النمط المتكرر لصناعة الأزمات، قد وقعوا في فخ حروب هذه الدولة، مما خلق حاجةً ماسةً لمزيد من الشراء. إنها مقاربة تتشابك فيها عناصر الأمن والاقتصاد والجيوسيايا بشكل وثيق. ومن ثم، فإن العلاقات الأمنية بين واشنطن وحلفائها لا تمثل مجرد تعاون دفاعي بسيط، بل تشكل شبكةً معقدةً من الاعتماد المتبادل، حيث تؤدي الأزمات الإقليمية دور المحرك الرئيسي لهذه الديناميكية.
نمطٌ مشابه في أوروبا وشرق آسيا
لا تقتصر سياسة بيع الأسلحة وجرّ الأرباح من أتون الحروب على منطقة غرب آسيا فحسب، بل إن هذا النمط ذاته قد لُوحظ واستُخدم في نقاط اشتباك أخرى حول العالم. وتُعدّ الحرب في أوكرانيا المثال الأبرز على هذا المسار؛ فبينما خلفت تكاليف بشرية واقتصادية باهظة الثمن، أدّت في الوقت ذاته إلى ارتفاع غير مسبوق في الطلب على شراء التسلحات.
لقد سارعت الدول الأوروبية، وهي على خط المواجهة المباشر لهذا النزاع، إلى زيادة ميزانياتها الدفاعية واللجوء إلى الشراء من الولايات المتحدة. ويؤكّد هذا السلوك أن الحرب قد تحوّلت إلى مصدر ربحٍ واعدٍ للصناعات الدفاعية، وهو ما قد يكون له دورٌ غير مباشر في تقليل حماسة واشنطن للتسريع في إنهاء هذا النزيف.
وهو الأمر نفسه الذي اعترف به دونالد ترامب قبل أشهر، إذ أشار إلى أن حرب أوكرانيا، رغم غلاء تكاليفها العسكرية والبشرية، قد حققت أرباحاً طائلةً لشركات الأسلحة الأمريكية، وإنّ توقف الحرب يعني انقطاع هذا المورد المالي. ومن هذا المنطلق، ورغم التأكيد الرسمي من واشنطن على السعي لتحقيق السلام وإنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، فإن المصالح الاقتصادية لشركات التسلح تظلّ مؤثرةً في توجهات وصناعات البيت الأبيض فيما يخص قرارات إنهاء الحرب.
وبما أن العبء الأكبر لتكاليف الحرب الأوكرانية يقع على كاهل الدول الأوروبية، ولا يوجد تهديد مباشر لمصالح الولايات المتحدة، فإن أصحاب الصناعات العسكرية لا يسمحون بانتهاء هذه الأزمة المصطنعة، نظراً لما تجنيه من أرباحٍ مضاعفة. ولذا، فإن الحرب التي كان يُفترض أن تنتهي في وقتٍ قصير، ما زالت مستمرةً بعد خمس سنوات من القتال بين روسيا وأوكرانيا، بينما تُحقّق شركات الأسلحة الأمريكية أكبر قدرٍ من الاستفادة من هذه الوضعيّة.
وفي شرق آسيا أيضاً، يُلاحظ نمطٌ مماثل. فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تبرّر نشر أنظمة صواريخ في كوريا الجنوبية واليابان، بدعوى المواجهة مع تهديدات كوريا الشمالية والصين، وتحاول رسم صورةٍ عن دورها الداعم لحلفائها، فإن التصرفات الأمنية الأمريكية في الأزمات تُنفّذ بمنطقٍ مختلف تماماً. فحين تزداد الضغوط العسكرية والأمنية على الولايات المتحدة نفسها أو على الکيان الصهيوني، تتبدّل الأولويات، وتُهمَش مصالح الحلفاء الآخرين في المرتبة الثانية.
ففي خضم الحرب ضد إيران، على سبيل المثال، نُقلّت أنظمة الدفاع المتطورة من نوع "ثاد" (THAAD) من شرق آسيا إلى الخليج الفارسي، وذلك لمواجهتها تلك التهديدات الصاروخية والطائرات المسيرة.
ويرى بعض المحلّلين أن هذه التحركات تُظهر أن بيع الأسلحة لا يمكن تعريفه فقط في إطار دعم الحلفاء، بل إنه يُستعمل كأداةٍ لتأمين المصالح الاقتصادية، ولتعزيز دورة إعادة تسليح المعدات العسكرية للدفاع عن مصالح أمريكا في المقام الأول.
باختصار، تُظهر سياسات التسلح الأمريكية تشكّل حلقةٍ مغلقة تتحوّل فيها الأزمات إلى طلب، والطلب إلى إنتاج، والإنتاج إلى أرباح؛ وهي عمليةٌ تؤدي تلقائياً إلى إعادة إنتاج انعدام الأمن على المستويين الإقليمي والدولي. وفي مثل هذه الظروف، تتعزز الرؤية القائلة بأن الهدف النهائي من هذه السياسات ليس بالضرورة الوصول إلى الاستقرار والأمن الدائمين، بل إدارة الأزمات لضمان استمرارية دورة الإنتاج الخاصة بشركات الأسلحة.
