الوقت- بينما قدّم دونالد ترامب صورةً ورديةً لمستقبل غزة من خلال اتفاق وقف إطلاق النار ومبادرة "مجلس السلام"، تُظهر الحقائق على أرض الواقع أنه بعد مرور سبعة أشهر تقريبًا على الحرب، لا يوجد أي تطابق بين تلك الصورة الخيالية والوضع المزري الذي يعيشه السكان، بل إن العديد من المؤشرات الإنسانية قد تدهورت مقارنةً حتى بفترة الحرب. وقد أثار هذا التناقض بين الأقوال والواقع شكوكًا جديةً حول فعالية هذه الخطط، ومدى التزام الكيان الصهيوني بتعهداته، ودور المجتمع الدولي في ضمان تنفيذ الاتفاقات.
نزوح جماعي في غزة
تقدم التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة صورة واضحة عن عمق الأزمة الإنسانية في غزة. وقد صرّح خالد محمد الخياري، نائب الأمين العام للأمم المتحدة، مؤخراً في تقرير له، بأن نحو 1.8 مليون شخص، أي ما يقارب كامل سكان غزة، نزحوا ويعيشون في مخيمات، ويعتمدون كلياً على المساعدات الخارجية لتلبية احتياجاتهم الأساسية. ويجب وضع خطط عاجلة ليس فقط للمساعدات الإنسانية، بل أيضاً للتعافي وإعادة الإعمار. وقالت حركة حماس يوم الجمعة: "مليونان من سكان غزة رهائن للجوع، وآلة القتل، وحصار الكيان الصهيوني".
تُظهر خرائط نشرها النظام الإسرائيلي آلاف الفلسطينيين النازحين المنتشرين على مساحة محدودة، ضمن حدود يقول النظام العسكري إنها تتغير باستمرار. وذكرت وكالة رويترز أن "التقديرات تشير إلى أن 64% على الأقل من غزة تخضع الآن للسيطرة الإسرائيلية، بينما يُحاصر نحو مليوني فلسطيني في شريط ساحلي ضيق".
تقوّض هذه الظروف فعلياً أي ادعاءات بتحسن سريع أو نجاح خطط قصيرة الأجل. ما يحدث في غزة اليوم ليس مجرد أزمة إنسانية محدودة، بل هو أيضاً مؤشر على انهيار واسع النطاق للبنية التحتية للحياة، بما في ذلك السكن والصحة والتغذية والأمن.
وفي هذا السياق، تؤكد تصريحات ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، على خطورة الوضع. وقد صرّح دوجاريك بوضوح أنه لم يُحرز أي تقدم ملموس في وصول مواد البناء والمعدات اللازمة لإقامة ملاجئ مؤقتة في غزة.
بحسب قوله، تُظهر الزيارة الأخيرة لخبراء الأمم المتحدة إلى الوضع في غزة أن العديد من النازحين يعيشون في خيام مؤقتة أو مبانٍ شبه مدمرة، تفتقر إلى الأمن اللازم والمرافق الأساسية للحياة. ولا يُهدد هذا الوضع الصحة البدنية فحسب، بل يُلقي أيضاً بضغوط نفسية شديدة على السكان، قد تكون آثارها عميقة ولا يُمكن إصلاحها على المدى الطويل.
وقال دوجاريك: "تحتاج فرق الأمم المتحدة إلى توفير المياه النظيفة والصرف الصحي وزيادة الدعم الصحي، فضلاً عن توفير المأوى وغيره من المواد الأساسية، وتوسيع نطاق الخدمات الغذائية والصحية، وتعزيز الدعم التعليمي".
رغم أن وقف إطلاق النار كان من المتوقع أن يخفف تدريجياً الحصار المفروض على غزة ويمهد الطريق لوصول المساعدات الإنسانية، تشير الأدلة إلى أن هذا لم يتحقق فحسب، بل إن القيود في بعض الحالات قد ازدادت. وتشير التقارير إلى أن القوات الإسرائيلية شنت هجمات لأسباب مختلفة في الأسابيع الأخيرة، ما أسفر عن مئات القتلى والجرحى. وتُعد هذه الأعمال انتهاكاً صريحاً لروح اتفاق وقف إطلاق النار، وتُظهر غياب آليات رصد فعالة لضمان تنفيذ الالتزامات.
انتهكت تل أبيب الاتفاق آلاف المرات خلال فترة وقف إطلاق النار، كما فعلت في السابق. وأكدت حماس: "لقد أظهرنا نحن وفصائل المقاومة الفلسطينية التزامًا تامًا بجميع بنود الاتفاق، بينما انتهك المحتلون التزاماتهم. إن الانتهاكات اليومية لوقف إطلاق النار من قبل المحتلين دليل واضح على تجاهل حكومة نتنياهو لجهود الوسطاء ومحاولاتها للالتفاف على الاتفاق وتقويضه".
قطاع غزة على حافة الانهيار
أما في المجال الصحي، فالوضع في غزة أكثر إثارة للقلق. وتشير التقارير التي قدمها المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، سامين الخطان، إلى أن نقص مياه الشرب النظيفة والغذاء والوقود وغيرها من الضروريات الأساسية قد بلغ مستويات حرجة. واستمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى كارثة إنسانية هائلة. ودعا مسؤول الأمم المتحدة إلى رفع جميع القيود المفروضة على دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة.
يأتي هذا في الوقت الذي يؤدي فيه نقص المياه النظيفة وحده إلى زيادة خطر انتشار الأمراض المعدية، وإلى جانب نقص الغذاء، جعل الظروف صعبة للغاية بالنسبة للفئات الضعيفة مثل الأطفال وكبار السن.
في هذا السياق، دعا تيدروس أدهانوم غيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، في رسالة وصف فيها الوضع في غزة بالحرج، المجتمع الدولي إلى السماح بدخول الأدوية الأساسية والمعدات الطبية إلى قطاع غزة على الفور، حتى يتسنى البدء في عملية إعادة بناء الخدمات الصحية في المنطقة. وقال غيبريسوس: "لقد دعمت منظمة الصحة العالمية افتتاح مركز صحي عائلي جديد في شمال قطاع غزة، وهي منطقة تعاني من نقص حاد في الخدمات الصحية، حيث لا يستطيع جزء كبير من السكان الوصول إلى المرافق الطبية".
أدى نقص الأدوية والمعدات الطبية، إلى جانب تدمير أو انهيار المراكز الطبية، إلى عجز النظام الصحي فعلياً عن تلبية احتياجات السكان. فالعديد من المستشفيات إما مدمرة بالكامل أو تعمل بأقل الإمكانيات. وقد تسبب هذا الوضع في وفاة العديد من المرضى، حتى في الحالات القابلة للعلاج.
"رفح" رهينة لدى الصهاينة
استجابةً لهذا الوضع، دعت العديد من منظمات حقوق الإنسان إلى اتخاذ إجراءات عاجلة. ومن أهم مطالب هذه المنظمات إعادة فتح معبر رفح، الذي يُمكن أن يلعب دورًا حيويًا في نقل المساعدات الإنسانية إلى غزة. ويُعدّ إغلاق هذا المعبر، في الواقع، أحد أهم العقبات التي تحول دون إيصال المساعدات، وقد تسبب في اضطراب خطير لعملية الإغاثة.
بحسب اتفاق وقف إطلاق النار، كان من المفترض إعادة فتح معبر رفح تدريجياً وتدفق المساعدات عبره، إلا أن جيش الاحتلال منع ذلك. فإلى جانب دوره الحيوي في نقل المساعدات الإنسانية، كان من المقرر أيضاً أن يُستخدم هذا المعبر لإجلاء المرضى والجرحى لتلقي العلاج في مصر بموجب بنود وقف إطلاق النار. مع ذلك، لم يتمكن سوى عدد محدود من الناس من عبور هذا الطريق، ولا تزال السيطرة عليه مقيدة بشدة.
كما يمنع الصهاينة الأشخاص الذين سبق لهم دخول مصر عبر هذا المعبر من العودة إلى غزة، وتُنفذ هذه السياسة تماشياً مع التهجير القسري للفلسطينيين. ولأن الفلسطينيين رفضوا مغادرة وطنهم تحت ضغط الولايات المتحدة وإسرائيل، يحاول قادة تل أبيب الآن استخدام هذه الإجراءات لتهجير سكان غزة من المنطقة، وهو ما يُعد انتهاكاً لحقوق الإنسان الأساسية من منظور القانون الدولي.
في هذا السياق، حذر منذر الحايك، المتحدث باسم حركة فتح في غزة، من أن مساعي إسرائيل لفرض واقع جديد على معبر رفح تهدف إلى بسط سيطرة إدارية وعسكرية كاملة على غزة، ما قد يحول المعبر إلى فخ للفلسطينيين. وأكد الحايك في مقابلة مع إذاعة صوت فلسطين: "إن التعقيدات والقيود التي يسعى الكيان الصهيوني إلى فرضها ما هي إلا محاولة لخلق عقبات أمام حرية تنقل الفلسطينيين، واستخدام معبر رفح أداةً للضغط عليهم".
مواجهة أسطول صمود
يمنع الكيان الصهيوني، المصمم على إبادة الفلسطينيين، حتى دخول قوافل المساعدات الصغيرة إلى غزة. وفي هذا السياق، كان من المقرر أن يبحر أسطول المساعدات الإنسانية المسمى "صمود 2"، والمؤلف من 58 سفينة وبمشاركة مئات النشطاء المدنيين من مختلف أنحاء العالم، نحو غزة لكسر الحصار وإيصال مساعدات رمزية محدودة إلى سكان غزة العزل. إلا أن جيش الاحتلال، في عمل إجرامي، اعتقل طواقم هذه السفن وصادر المساعدات من القافلة.
أثارت هذه الخطوة، التي أشعلت موجة من الإدانات العالمية، استنكاراً واسعاً، ما يُظهر أن حتى الجهود الشعبية المستقلة لإيصال المساعدات تواجه عقبات جسيمة. فقد استولت إسرائيل مراراً وتكراراً على أصول هذه القوافل الإنسانية ومنعتها من الوصول إلى الفلسطينيين.
من وجهة نظر المحللين، يُعدّ الاستيلاء المستمر على سفن المساعدات تكتيكًا لترهيب المجتمع المدني العالمي. إنها رسالة موجهة إلى المؤسسات والمنظمات الدولية والقوافل الشعبية مفادها أن أي تحرك لإنقاذ شعب غزة سيواجه القوة العسكرية الإسرائيلية. لذا، يسعى الكيان الصهيوني إلى منع تكرار الحركات الشعبية والدولية، كسفن الحرية والقوافل الدولية، عبر خلق جو من التهديد والترهيب. هذا الإجراء ليس مجرد إجراء أمني أو عسكري، بل هو جزء من استراتيجية الكيان الصهيوني الكبرى لمواصلة الحصار الشامل لغزة وكسر إرادة الشعب الفلسطيني.
يتضح من الوضع الراهن في غزة أنه بدون رفع الحصار بالكامل وإرساء الحد الأدنى من الشروط الأمنية، ستكون أي خطة لإعادة الإعمار شبه مستحيلة. تتطلب إعادة الإعمار بنية تحتية وموارد وقوى عاملة وتدفقًا حرًا للمساعدات، وهي عوامل محدودة للغاية في الوضع الحالي.
وختامًا، تُعد أزمة غزة أزمة متعددة الأوجه ومعقدة، ويتطلب حلها نهجًا شاملًا ومنسقًا قائمًا على التزام حقيقي من جميع الأطراف. إن مجرد إعلان وقف إطلاق النار أو تقديم خطط سياسية دون ضمانات للتنفيذ لن يُحدث تغييرًا جذريًا في الوضع المأساوي للفلسطينيين. لذلك، إلى أن تتقلص الفجوة بين الوعود والواقع على الأرض، لن تستمر الأزمة الإنسانية فحسب، بل هناك أيضًا احتمال لانتشار عدم الاستقرار على المستوى الإقليمي.
