الوقت - في أعقاب تعثر مفاوضات إسلام آباد، وإقدام "ترامب" على إعلان حصار مضيق هرمز في محاولة بائسة لممارسة الضغوط وإرغام إيران على التراجع عن قرار إغلاق المضيق، قوبل ذلك بصلابة إيرانية راسخة ورفض قاطع للإملاءات. وأمام هذا الصمود، ومع توخي واشنطن حذرًا مفرطاً لتفادي الانزلاق إلى صدام مباشر رغم بعض تحرشاتها العدائية، وصولاً إلى إعلان ترامب الأحادي لتمديد وقف إطلاق النار؛ دخلت الحرب عملياً في حالة من "التعليق". ونظراً لهشاشة هذا الوضع واستحالته على الاستمرار، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات لمستقبل هذا التعليق:
1. استدامة الإغلاق والحصار
لقد تشكّل صراع الإرادات بين طهران وواشنطن في مضيق هرمز ضمن معادلة ثنائية قوامها "الإغلاق مقابل الحصار"؛ حيث أدارت إيران بذكاء استراتيجي عملية إغلاق المضيق، بينما فرضت أمريكا حصاراً عليه. ورغم أن حركة العبور التي تلت الحصار قد توحي ظاهرياً بتكافؤ الكفتين، إلا أن جوهر الحقيقة يكمن في "عنصر الزمن"؛ فهو الرهان الحقيقي.
فإذا ما استمر الوضع على ما هو عليه، فإن عقارب الساعة تلدغ المصالح الأمريكية بشدة؛ إذ يتآكل الاقتصاد الأمريكي مع كل ثانية تمرّ، مما يزجّ بالمجتمع الأمريكي في أتون ضغوط حربٍ لم يجدوا لها تبريراً مقنعاً حتى الآن. وبعبارة أوضح، استطاعت إيران عبر إدارة حكيمة ومدروسة للزمن وللمضيق، أن تنقل ساحة المعركة إلى العمق الجغرافي الأمريكي للمرة الأولى، دون أن تُطلق رصاصةً واحدةً. فالمواطن الأمريكي الذي كان يبتاع غالون البنزين بدولارين قبل الحرب، بات يدفعه مضاعفاً اليوم، مما جعل مرارة الحرب وتداعياتها واقعاً ملموساً يقتحم تفاصيل حياته اليومية.
هذا المشهد يمثّل حجر الزاوية في تقرير مصير "ترامب" ومسار الحرب برمته. فإذا ما حاول ترامب، مدفوعاً بهواجسه من عواقب هذا التردي، زعزعة الوضع الراهن عبر اعتراض السفن المرتبطة بإيران، فإن طهران - كما أعلنت مراراً - ستواجه ذلك بردٍّ عسكري قاطع، مما يعني اشتعال فتيل الحرب مجدداً؛ تلك الحرب التي جاهد ترامب مضنياً لجرّها إلى أروقة المفاوضات.
2. العودة إلى مائدة التفاوض
تتجلى أولى ركائز العودة إلى مسار التفاوض في ضرورة إعلان الولايات المتحدة -بدءاً - قبولها بالمحاور العشرة التي وضعتها إيران، وأن تستلهم العبر بجدية من تجربة "مفاوضات إسلام آباد" الإخفاقية؛ فلا تعمد إلى حرف مسار المباحثات بإثارة قضايا هامشية خارج إطار تلك المحاور، تجنباً لتكرار تلك التجربة المريرة.
أما النقطة الثانية، وهي الفاصلة في هذا المضمار، فتكمن في ضرورة إدراك الفريق المفاوض الإيراني الدقيق لموازين القوى وما يمتلكه كل طرف من أوراق، ليتسنى له هندسة مسار المفاوضات وفقاً لهذا المنظور. فبأدنى تأمل في المشهد الأمريكي، يتضح جلياً أن أيديهم خاوية الوفاض، ولا يملكون في جعبتهم سوى الادعاءات الجوفاء والجعجعة اللفظية التي يتكئ عليها "ترامب". لقد سعى الأمريكيون، ولاسيما ترامب وأبواقه الإعلامية، عبر ضجيج صاخب، إلى تصوير أنفسهم كمنتصرين في هذه المعمعة، بيد أن للنصر علاماتٍ وشواهد لا أثر لأي منها في الداخل الأمريكي، بينما تلوح بيارقها بوضوح في الأفق الإيراني.
وبالعودة إلى شعار ترامب الأثير الذي نادى فيه بضرورة "استسلام إيران المطلق بلا قيد أو شرط"، يمكننا اليوم - انطلاقاً من قراءة مسار الحرب وصولاً إلى اللحظة الراهنة - أن نصدح بحقيقة يفرضها الميدان: وهي أن مصطلح "الاستسلام المطلق" بات اليوم فاقداً للمصداق في حق إيران، في حين أنه ينطبق تماماً على الواقع الأمريكي؛ فواشنطن هي مَن يتعين عليها الإذعان والقبول بالاستسلام المطلق أمام إرادة طهران ومطالبها.
وبعيداً عن السجالات العسكرية التي تعجّ بشواهد الهزيمة الأمريكية والتي يطول شرحها، يكفينا الاستدلال بمشهد واحد يختزل الحقيقة برمتها؛ فالفريق المفاوض الإيراني يدخل غمار المفاوضات المرتقبة مسنوداً بظهير شعبي قوامه الملايين من الغيارى التواقين للثأر لقائدهم الشهيد، والذين لم يبرحوا الساحات قرابة الشهرين في تدفق متصاعد، راسمين مشاهد مهيبة من القوة والاستبسال والذود عن الحمى حتى النصر النهائي مهما بلغت التضحيات. هذا المدّ البشري العظيم يلقي بظلال هيبته واقتداره على طاولة التفاوض، بينما يقف في الطرف المقابل فريقٌ يترأس حكومتَه رئيسٌ تهاوت شعبيته - وفق آخر استطلاعات الرأي - إلى حضيض الثلاثين بالمائة نتيجة عجزه وفشله، وهي أدنى نسبة قبول في التاريخ الأمريكي قاطبةً. وبمقارنة هذا المشهد الواحد، يتبين للعالم أجمع، وبجلاء لا لبس فيه، أي الطرفين هو الأجدر بالإذعان والاستسلام المطلق.
3. استئناف الأعمال القتالية
إذا ما استمرت الولايات المتحدة في حضورها الذي يستهدف تقويض حقوق الشعب الإيراني ومصالحه في منطقة مضيق هرمز، أو عمدت في المفاوضات المرتقبة إلى استعراض غطرسة "فرعونية" واهية، مكررةً ملهاة "مفاوضات إسلام آباد" للتهرب من استحقاق الإذعان المطلق، فإنها بذلك تنقل الصراع عملياً إلى الميدان العسكري، وعليها حينئذٍ أن تترقب قرع طبول الحرب.
ومع أن ظاهر السياق يوحي بأن المسافة بين الدبلوماسية والصدام المسلح باتت قصيرةً وخاطفةً، إلا أن أمام "ترامب" عقبات كؤوداً تحول دون هذا الانتقال؛ فعوائق جسيمة تمنعه من عبور هذا الجسر الذي يبدو قصيراً في ظاهره، بيد أنه محفوف بالتبعات الباهظة التي قد لا يقوى على حمل أوزارها.
ولعلّ أبرز تلك الموانع التي تكبح جماح ترامب عن العودة إلى لغة النار، هي حصيلة "الربح والخسارة" لحرب الأربعين يوماً بمختلف أبعادها. فما الذي لم يستنزفه ترامب من عتاد وقدرات عسكرية في تلك الحرب حتى يأمل اليوم في تحقيق منجز جديد عبر الزجّ بها في الميدان؟ إن انكشاف الهوان الأمريكي في تلك الحرب لم يكن مجرد إخفاق عسكري عابر، بل تجلّت مرارته في التفاصيل الدقيقة؛ إذ أذاقت القوات المسلحة الإيرانية مختلف صنوف الجيش الأمريكي - ذاك الجيش المثقل بالأبهة الذي أسكر ترامب بخمرة القوة والغرور - ضرباتٍ قاصمة ومدمّرة.
واليوم، يعجز القادة والخبراء العسكريون في واشنطن عن تسمية سلاح أمريكي "جبار" لم يلقَ حتفه أو يُذلّ كبرياؤه على يد إيران. فكيف لترامب - والحال هذه - أن يشعل فتيل حرب جديدة بجيشٍ تمرّغت سمعته في وحل "الحروب غير المتكافئة"، وفقد بريقه وعافيته، والأهم من ذلك كله، فقد هيبته واعتباره؟
وفي ظل هذا الانكسار، أليس الإقرار بالهزيمة والإذعان أقل كلفةً وأجدى نفعاً من الارتماء في حضن حرب جديدة بجيشٍ متهالكٍ خاوٍ من الروح؟ ولما كان ترامب يفتقر إلى سلامة التقدير وبصيرة العواقب، فإن الاستعداد لخوض غمار حرب "لا مناص منها"، يظل الحكمة الأسمى التي يمليها العقل السليم.
