الوقت - في الأيام الأخيرة من فبراير 2026، أقدم الكيان الصهيوني، بدعمٍ مباشر من الولايات المتحدة، على عدوان جنوني ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، واهماً بأنه بضربةٍ واحدةٍ قاصمة سيتمكن من كسر العمود الفقري لمحور المقاومة. ولكن، لم يقتصر الأمر على عدم إضعاف إيران فحسب، بل إن لظى المقاومة الذي اندلع من لبنان أطاح بكل المعادلات الأمنية لتل أبيب وإلى الأبد.
لقد أعلن حزب الله اللبناني منذ الساعات الأولى للحرب –في أواخر فبراير 2026– عن تضامنه العملي مع إيران، وانخرط مباشرةً في ميدان المعركة الشاملة ضد الجيش الصهيوني. وما أعقب ذلك كان نيفاً وأربعين يوماً من القتال الضروس على جبهة جنوب لبنان؛ حربٌ لم يحقق فيها العدو أيّاً من أهدافه الاستراتيجية رغم تفوقه الجوي واللوجستي، ليضطر الصهاينة مرةً أخرى إلى التراجع صاغرين أمام المقاومة اللبنانية.
هدنة نيسان 2026؛ فخٌّ أحبطت مفعولَه المقاومة
بعد أن تجرّع الكيان الصهيوني مرارة الخسائر الفادحة، بشرياً وعسكرياً ــ بما في ذلك تساقط عشرات المسيّرات المتطورة وتدمير مئات دبابات "الميركافا" ــ وجد نفسه مرغماً في نيسان 2026 على الانصياع لاتفاق وقف إطلاق النار؛ وهو الاتفاق الذي انتُزع تحت وطأة الضغط والتهديد العسكري المباشر من قِبل إيران. بيد أن من يستقرئ التاريخ الأسود للصهيونية في نقض المواثيق، يدرك يقيناً أن وقف إطلاق النار في قاموس هذا الكيان لا يعني قط الالتزام بالتعهدات.
فمنذ الوهلة الأولى لسريان الهدنة في منتصف نيسان 2026، شرع جيش الاحتلال، كدأبه دائماً، في خرقها بشكل ممنهج: من طلعات استطلاعية للمسيّرات في أجواء جنوب لبنان، وقصف القرى الحدودية بذرائع واهية، إلى إطلاق النار على المدنيين العائدين إلى ديارهم، وصولاً إلى استهداف سيارات الإسعاف وطواقم الإغاثة. ولم تكن هذه الانتهاكات مجرد حوادث عارضة، بل كانت نهجاً مدروساً يراد منه إبقاء المقاومة في حالة من الانفعال والجمود.
لكن حزب الله لم يستند هذه المرة إلى دروس الماضي المريرة فحسب؛ فلا مكان للمهادنة، ولا وجود لما كان يُسمى "الصبر الاستراتيجي"؛ إذ آمنت المقاومة بعقيدة راسخة مفادها: "إن الصمت حيال العدوان، لا يزيد العدو إلا صلفاً وجسارةً".
المعادلة الجديدة: "كل خرقٍ يقابله ردٌّ فوري وبالمستوى نفسه"
في الأيام الأخيرة من شهر نيسان 2026، وعقب تصاعد الخروقات الصارخة لاتفاق وقف إطلاق النار من قبل الكيان الصهيوني، أعلن حزب الله لبنان رسمياً عن معادلة جديدة غيّرت قواعد اللعبة برمتها. ففي بيانٍ مقتضبٍ وحازم وجّهه إلى تل أبيب، أعلن الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، أن زمن الصمت و"الصبر الاستراتيجي" قد ولى؛ فمنذ هذه اللحظة، أي انتهاك للهدنة من قبل العدو ــ ولو كان تحليق مسيّرة أو إطلاق قذيفة مدفع ــ سيُجابه في أسرع وقت ممكن بردٍّ مماثل في مستواه، ويستهدف النقطة ذاتها التي اتخذها العدو منطلقاً لعدوانه. فالمقاومة لم تعد تنتظر، بل ستُتبع كل عدوانٍ بردٍّ قاصم.
ولم يكن هذا البيان مجرد تحذير عابر، بل أثبتت أفعال حزب الله أن المعادلة الجديدة أصبحت واقعاً ميدانياً ملموساً. وفيما يلي نماذج من تطبيق هذه المعادلة على أرض الواقع:
استهدفت قوات المقاومة تجمعاً لقوات جيش الاحتلال في بلدة "القنطرة" باستخدام طائرة مسيّرة انقضاضية، وذلك رداً على استهداف المدنيين في بلدة "تولين". وفي عملية منفصلة، جرى استهداف آلية عسكرية إسرائيلية في منطقة "القنطرة" ذاتها بهجوم عبر مسيّرة.
وفي فصل آخر من هذه السلسلة، أعلنت المقاومة الإسلامية عن إسقاط طائرة استطلاع إسرائيلية من طراز «هرمز 450 - زيك» في أجواء منطقة "صور – الحوش" بصاروخ أرض-جو. واستكمالاً لهذه العمليات، استُهدفت ناقلة جند مدرعة تابعة لجيش الاحتلال في بلدة "رامية" بهجوم بمسيّرة، كما طال القصف آليةً عسكريةً من طراز "هامر" عند مدخل بلدة "القنطرة" جنوبي لبنان. وأفادت المقاومة أيضاً باستهداف جرافة تابعة لجيش الاحتلال في محيط "بنت جبيل" بهجوم جوي مماثل.
وفي أحدث التطورات، ورداً على الاعتداءات المستمرة على جنوب لبنان، دكّت الوحدات الصاروخية لحزب الله المستوطنات الشمالية في الأراضي المحتلة بالصواريخ، كما وقع عدد من جنود الصهاينة بين قتيل وجريح في كمائن محكمة نصبها مقاتلو المقاومة. وحتى الآن، أسفرت ضربات المقاومة على مواقع جيش الاحتلال عن سقوط مئات الجرحى ومقتل عدد من الجنود.
وفي رد فعل على هذه الضربات، زعم رئيس وزراء الكيان الصهيوني أن حزب الله قد قضى على وقف إطلاق النار. وفي المقابل، أصدر حزب الله بياناً جاء فيه: "إننا ندين تصريحات نتنياهو التي يحمّل فيها المقاومة مسؤولية تقويض الهدنة، ونحذر من تداعياتها الخطيرة". وأضاف البيان: "إن خطاب نتنياهو ينطوي على خطورة بالغة كونه يحاول جرّ الحكومة اللبنانية إلى اتفاق ثنائي لا وجود له إلا بينه وبين واشنطن".
واختتم حزب الله بيانه بالقول: "إن استمرار المقاومة في استهداف تجمعات الاحتلال على الأراضي اللبنانية وقصف المستوطنات في شمال فلسطين المحتلة، هو ردٌّ مشروع على خروقات العدو المتكررة؛ وكان من المفترض أن يؤدي تمديد الهدنة لأسابيع إضافية ــ كما صرح المسؤولون اللبنانيون ــ إلى وقف حقيقي لإطلاق النار، يكفّ فيه العدو عن كافة اعتداءاته، بما في ذلك تدمير المنازل في الجنوب".
لماذا تُعدُّ المعادلة الجديدة نصراً تاريخياً للمقاومة؟
أولاً: إن معادلة "الخرق مقابل الرد الفوري" قد انتزعت زمام الردع من يد الكيان الصهيوني الذي احتكره طويلاً. فبينما كان الاحتلال يتوهم قدرته على استباحة الهدنة وتكرار خروقاته، مراهناً على اضطرار المقاومة للصبر أو الرد الحذر كما كان الحال في العام المنصرم؛ بات قادة جيشه يدركون اليوم يقيناً أن أي فعلٍ ضد لبنان، سيتبعه ثمنٌ باهظ وفوري يدفعه الكيان في اليوم ذاته.
ثانياً: ساهمت هذه المعادلة في رفع الروح المعنوية للمقاومة إلى مستويات غير مسبوقة، وفي المقابل، نخرت عزيمة الجيش الإسرائيلي؛ إذ تشير التقارير الصهيونية إلى تنامي الرعب بين الجنود من احتمالية تعرضهم لهجمات مباغتة من قبل مجاهدي حزب الله، فضلاً عن تفشي حالة اليأس والإحباط بين سكان شمال الأراضي المحتلة.
ثالثاً: تصبُّ هذه المعادلة مباشرةً في مصلحة محور المقاومة؛ فهي تُفهم العدو أن هدنة نيسان ليست ميثاقاً هشاً يمكن التلاعب به، بل هي خط أحمر لا يمكن تجاوزه. فإذا ما استمر الكيان في غيّه، فإن حزب الله لن يكتفي بردود عابرة، بل سيعمد في كل مرة إلى توسيع نطاق رده وتعميق أثره.
إن الوضع الراهن يمثّل اختباراً عسيراً للكيان الصهيوني؛ فمعادلة حزب الله تؤتي ثمارها بوضوح: إذ انخفضت وتيرة الانتهاكات الإسرائيلية بشكل حاد مقارنةً بالعام الماضي، ولم يمر أي قصف دون ردٍّ رادع، كما أدركت تل أبيب أنها تواجه مقاومةً لم تعد تطيق صبراً على الضيم.
بالتزامن مع ذلك، يتحرك محور المقاومة في اليمن والعراق وسوريا بتنسيقٍ كامل مع حزب الله؛ ما يعني أن أي تصعيد جديد قد ينزلق سريعاً نحو حربٍ متعددة الجبهات، ستكون تكلفتها على الكيان أضعاف ما تكبّده في لبنان.
إن ترسيخ حزب الله لهذه المعادلة لا يُعدُّ إنجازاً عسكرياً فحسب، بل هو انتصار استراتيجي لكافة الشعوب الحرة في المنطقة؛ إذ يثبت أن الكيان الصهيوني لم يعد قادراً على تحويل الهدنة إلى أداة لمواصلة عدوانه عبر الخروقات الغادرة. فمن الآن وصاعداً، يجب أن يكون أي وقف لإطلاق النار متبادلاً وملزماً للطرفين، وكل خرق سيُقابل فوراً بردٍّ قاسٍ.
