الوقت - لو شُرع في تدوين قائمة بالشخصيات الأكثر نبذاً لدى ناشطي مناهضة الحروب ودعاة السلام العالمي، لكان اسم الرئيس الأمريكي بلا ريب رقماً ثابتاً في صدارة تلك القائمة. لقد ضجّت شوارع العالم لعقودٍ بصرخات الاحتجاج ضد السياسات الأحادية والنزعات التوسعية لزعماء البيت الأبيض؛ بيد أن دونالد ترامب، الرئيس الحالي للولايات المتحدة، يبرز هنا كمتجاوزٍ فاقت جرأته الحدود، إذ تفوّق بصراحته الفجة واستهانته بالقوانين والأعراف الدولية على من سبقه من الرؤساء، محوّلاً العالم إلى ساحة من عدم الاستقرار.
وقد أفضى هذا النهج إلى تحولٍ جوهري، حيث انضمت مؤسسات تقليدية ذات ثقل تاريخي ونفوذ روحي، كالكنيسة الكاثوليكية، إلى صفوف المعارضين لسياسات واشنطن، منددةً بالانتهاك الصارخ للقيم الإنسانية والأخلاقية في عهد ترامب.
إن الصدام اللفظي الذي اندلع في الأسابيع الأخيرة بين ترامب والبابا "ليو الرابع عشر"، لا يمثّل خلافاً عابراً بين قطبين بارزين أو تباين في الرؤى السياسية فحسب، بل هو مسعى حثيث من جانب الكنيسة الكاثوليكية لرسم حدود فاصلة، وتوكيد المبادئ والقيم السامية للدين المسيحي في مواجهة أولئك الذين يسعون لإضفاء صبغة دينية ومسحة من المشروعية على أكثر السلوكيات والسياسات قبحاً وشناعةً.
تصدعٌ في صرح الولاء: اهتزاز القواعد المسيحية المحافظة
تكتسب المعارضة الجلية التي يبديها بابا الفاتيكان ــ بوصفه المرجع الأسمى للمسيحيين الكاثوليك ــ لسياسات ترامب، أهميةً بالغةً؛ إذ تنذر بتداعياتٍ جسيمةٍ على الصعيد الداخلي الأمريكي، وتهدد بتقويض النهج الشعبي (البوبوليستي) الذي ينتهجه.
إن إحدى التبعات المروعة، وربما غير القابلة للاحتواء، لهذه الحرب الكلامية، تتمثل في الانهيار التدريجي لتلك "الهالة القدسية" التي نسجها بعض غلاة المؤيدين حول دونالد ترامب، في هالةٍ تكاد تلامس التعبد. فبالنسبة لشريحةٍ عريضةٍ من المسيحيين المحافظين في الولايات المتحدة، لم يكن ترامب مجرد رجل سياسة عابر؛ بل كان في نظرهم "حامياً للإيمان" وشخصيةً مصطفاةً تقف سداً منيعاً في وجه التيارات الليبرالية والعلمانية، ودرعاً للكنيسة في قضايا مفصلية كالإجهاض، والقيود المفروضة على الحريات الجنسية، وتغيير الجنس. كانت هذه الفئة ترى في ترامب رمزاً لعودة القيم التقليدية، بل ذهبت بعض الأوساط الراديكالية إلى حد تقديسه، معتبرةً إياه مكلفاً بحماية الثغور الأخلاقية والدينية للمجتمع.
في ظل هذا المناخ، كان ترامب يُمني النفس بأن تعيين كاردينال أمريكي ــ لأول مرة في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية ــ سيعزز من صورته الدينية والمقدسة لدى أنصاره. بيد أن هذه التوقعات لم تذهب أدراج الرياح فحسب، بل آلت إلى نقيضها؛ إذ أبدى البابا الجديد صراحةً منقطعة النظير في معارضة الكنيسة لسياسات البيت الأبيض، متجاوزاً في ذلك نهج سلفه.
ومع انخراط ترامب في لجة الحرب الكلامية مع البابا، بدأت تلك الصورة الذهنية تتآكل وتتشوه. فبينما دأب ترامب، بل وحتى "غرفة حرب البيت الأبيض"، في رسائلهم على تكرار عبارات مثل "ليحفظ الرب أمريكا وقواتنا المسلحة ويباركها"، سعياً لإضفاء مشروعيةٍ دينية على العدوان ضد إيران، اتهمهم البابا بـ "إساءة استخدام رسالة الإنجيل". وفي إشارةٍ واضحة إلى تأجيج ترامب لنيران الحرب في إيران، أكد البابا أن نفوساً بريئةً كثيرةً قد أُزهقت، معقباً على تصريحات "بيتر هيغسث" بقوله: "إن الرب لا يصغي لدعاء مؤججي الحروب".
وأضاف البابا: "إن العالم يتردى في مهواة الدمار على يد ثلة من المستبدين، ومع ذلك، تظل أواصره متماسكةً بفضل حشدٍ من الإخوة والأخوات المتآزرين. ويلٌ لأولئك الذين يتخذون من الدين واسم الرب مطيةً لمصالحهم العسكرية أو الاقتصادية أو السياسية، ويسحلون كل ما هو مقدس إلى غياهب الدنس والشر".
ومن الشواهد الجلية على قلق ترامب البالغ من التأثيرات السلبية لمواقف البابا على قاعدته الدينية، تلك الهجمات الشرسة التي يشنها عليه. فبعد فترة وجيزة من سجالهما، نشر ترامب صورةً أُنتجت بالذكاء الاصطناعي تُظهره في هيئةٍ مهيبة تشبه السيد المسيح؛ في رسالةٍ مبطنة لأنصاره مفادها أنه "المصطفى" من قِبل المسيح مباشرةً، لا من قِبل الكنيسة.
وقد بلغ الأمر من التعقيد حداً دفع بـ "جيه دي فانس"، نائب ترامب، إلى اقتحام هذه المعمعة، زاعماً في موقفٍ هجومي أن على البابا أن يكون "حذراً" عند الخوض في غمار اللاهوت، وأن يستحضر نظرية "الحرب العادلة" عند الحديث عن الحرب مع إيران. إشارة فانس هنا كانت موجهةً إلى مواعظ "القديس أوغسطينوس"، أحد أعظم لاهوتيي العصور الوسطى والمعماري الأول لهذه النظرية، والأب الروحي للطائفة الكاثوليكية التي ينتمي إليها البابا "ليو". غير أن البابا ردّ بحزمٍ بأن الشعوب لا ترى في الحرب ضد إيران حرباً عادلةً.
وفي هذا السياق، صرحت "داون إيدن غولدشتاين"، الكاتبة والأستاذة بالجامعة الكاثوليكية، لشبكة (سي إن إن): "إن فانس، منذ انضمامه للكنيسة، اصطف مع زمرة من الفلاسفة واللاهوتيين اليمينيين المتطرفين الذين يزعمون أنهم المفسرون الحصريون لكتاب (مدينة الله) لأوغسطينوس". وأضافت أن "تخصص البابا ليو الذي لا يُشق له غبار في فكر أوغسطينوس يمثل تهديداً مباشراً لمساعي نائب الرئيس وأصدقائه (ما بعد الليبراليين) الذين يلهثون لتقديم أنفسهم للكاثوليك كمفسرين معتمدين للتعاليم الاجتماعية والسياسية للكنيسة".
وخلاصة القول، إن المجابهة مع شخص البابا ــ الذي يمثّل الرمز العالمي للأخلاق المسيحية ــ قد خلقت حالةً من "التنافر المعرفي" الحاد لدى أنصار ترامب. فحين يدخل زعيمهم السياسي في صدامٍ مع الزعيم الروحي للعالم المسيحي، تنزاح صورة "البطل الذائد عن حياض الكنيسة" لترك مكانها لصورة "المثير للفرقة والمستهين بالمقدسات". هذا التقابل العنيف أدى إلى تآكل الوشائج التي كانت تربط بإحكام بين الهوية السياسية والهوية الدينية لمؤيدي ترامب، مهدداً بفرط عقد هذا التحالف التاريخي.
من الصراع على الحدود إلى الأخلاق الكونية: إعادة تعريف سلطة الفاتيكان
علاوةً على ذلك التصدع الداخلي في أمريكا، فإن هذا التقابل ينهض على خلافٍ جوهريٍّ وضاربٍ في القدم، تضرب جذوره في التضاد الصارخ بين "القومية المتطرفة" و"الرحمة الشاملة". إن تاريخ السجال بين ترامب والفاتيكان حول سياسات الهجرة المتشددة، وترحيل اللاجئين، وتشييد جدران الفصل الحدودية، إنما هو تجسيدٌ لصراعٍ بين عالمين متباينين: عالمٌ يغلق الحدود ليتخندق خلف أمنه وهويته القومية، وعالمٌ يستشرف الإنسان بما هو إنسان، متجاوزاً حدود القوميات برؤيةٍ ترتكز على الكرامة البشرية المتعالية.
والنقطة الأبرز في هذا الصدام تكمن في التحول التاريخي الذي طرأ على دور الفاتيكان؛ فبعد عقودٍ من توخي الحذر والالتزام بالدبلوماسية التقليدية في مقاربة القضايا السياسية، نشهد اليوم هذا الكيان المقدس وهو يحطم القوالب النمطية العتيقة. لقد تراجع الفاتيكان عن صمته المحافظ أمام الأزمات الدولية الكبرى التي ترسم مصير المليارات من البشر، ليرتقي منبراً يصدح بكلمة الحق، ويغدو صوتاً لضمير الأحرار والمؤمنين عبر أرجاء العالم.
لقد اتخذ الفاتيكان، في مواجهة السياسات الهجومية والنزعات الصدامية لبعض القوى العظمى ــ وعلى رأسها الولايات المتحدة ــ موقفاً أخلاقياً مبدئياً، أدى بدوره إلى تنامي رصيد البابا ومكانة الفاتيكان خارج حدود العالم المسيحي، ليمتد تأثيره بعمقٍ في أوساط غير المسيحيين والمجتمع الدولي قاطبة. إن هذه "القوة الأخلاقية الناعمة" في مواجهة "القوة السياسية الخشنة"، أعادت تعريف شخصية البابا؛ لا بوصفه زعيماً دينياً فحسب، بل كمرجعٍ أخلاقيٍّ عالمي لا يلوذ بالصمت أمام الظلم والاستبداد. وفي خضم هذا المشهد، يبدو ترامب بهجومه على هذه المكانة، كمن لا يصارع شخص البابا وحده، بل يصارع تياراً متصاعداً من الضمير الإنساني العالمي.
