الوقت - في الوقت الذي كشف فيه العدوان الأمريكي-الصهيوني مرةً أخرى عن تجليات الوحدة والتماسك الملحمية لأبناء الأمة، حيث هبَّ الشعب الإيراني من كافة المشارب، جنباً إلى جنب مع قواته المسلحة، للدفاع عن حياض الوطن؛ برز "جنود خنادق الدبلوماسية" في هذا الدفاع المقدس والمشرف، حيث اضطلعت سفارات الجمهورية الإسلامية، على وجه الخصوص، بمسؤولية جسيمة في إدارة شؤون الحرب وتوجيه مساراتها.
ولم ينحصر هذا الدور في أطر الدبلوماسية التقليدية فحسب، بل ارتقى إلى مستوى استراتيجي عبر المزج بين أدوات التواصل الحديثة، والدبلوماسية العامة، والحضور الفاعل في المنصات الإعلامية الدولية وشبكات التواصل الاجتماعي. ومن هنا، استقامت السفارات في هذه الحقبة كأنها ثغورٌ في الخطوط الأمامية لـ "حرب الروايات"، مستطاعةً بذلك تقديم صورة مغايرة وحقيقية للواقع الميداني والسياسي.
في عالمٍ بات فيه الرأي العام هو البوصلة التي توجّه سياسات الدول، تبرز أهمية صناعة "السردية" وإيصال الرسالة إلى الجمهور العالمي كأولوية قصوى. وفي هذا السياق، سعت السفارات والقنصليات الإيرانية، عبر استثمار طاقات المنصات الرقمية المتنوعة، إلى نقل الرواية الإيرانية لتطورات الحرب إلى أسماع العالم. ولم تقتصر هذه الروايات على القوالب التقليدية والبيانات الرسمية فحسب، بل تجسّدت في محتوى بصريٍّ وإبداعيٍّ جذاب، لا سيما فن "الموشن غرافيك"، الذي أثبت قدرةً فائقةً على تبسيط المفاهيم المعقدة وصهرها في لغةٍ بصريةٍ سلسةٍ ومفهومة.
لقد تمكنت البعثات الدبلوماسية الإيرانية، من خلال إنتاج مقاطع "موشن غرافيك" تستند إلى الدقة والتوثيق في رصد وقائع الحرب وتبعاتها الإنسانية، من استقطاب شريحة واسعة من الجمهور العالمي. وقد نال هذا المحتوى استحساناً لافتاً، لا سيما لدى المتلقي الغربي، الذي وجد فيه زاوية رؤية مغايرة تماماً للسرديات السائدة التي تفرضها وسائل الإعلام في بلاده.
إن تسليط الضوء على الحقائق الميدانية عبر هذه الوسائط الإبداعية، وما حققته من تفاعل جماهيري واسع، قد أحدث شرخاً كبيراً في جدار السرديات التي يحاول العدو ترويجها. وأمام هذا التأثير العميق، لم تجد بعض شبكات التواصل الاجتماعي الخاضعة للنفوذ والإدارة الأمريكية-الصهيونية بداً من ممارسة الرقابة، فعمدت إلى تقييد وصول هذه المحتويات أو حذفها بالكامل، في محاولة يائسة لحجب الحقيقة.
إن هذه القيود الإعلامية، التي فسّرها الكثيرون بأنها محاولة يائسة لوأد "السرديات البديلة"، لم تكن إلا برهاناً ساطعاً على مدى نفوذ هذا المحتوى وعمق أثره؛ إذ كشفت بجلاء أن كل رواية تنجح في صياغة الوعي الجمعي والتأثير في الرأي العام، ستصطدم حتماً بآليات القمع والتحجيم.
براعة الدبلوماسية التفاعلية
وإلى جانب الدبلوماسية العامة، لعبت "الدبلوماسية التفاعلية" القائمة على لغة الحوار، دوراً محورياً في إدارة الأزمة خلال هذه الحقبة. فقد خاضت السفارات غمار التواصل المستمر مع الحكومات والمنظمات الدولية والإقليمية، للحيلولة دون تبلور أي إجماع عالمي ضد إيران. وكان إجهاض مساعي الغرب وحلفائه لاستصدار قرارات جائرة في مجلس الأمن الدولي، نموذجاً جلياً لهذه المكتسبات السياسية؛ حيث صاغ الدبلوماسيون الإيرانيون هذا النجاح بمهارة مشهودة، مانعين العدو من إضفاء صبغة "قانونية" زائفة على ممارساته ضد الشعب الإيراني.
ومن جهة أخرى، برزت مهارة هذه الدبلوماسية في كسر طوق العزلة الدولية؛ ففي الوقت الذي تعمد فيه القوى الكبرى عادةً في النزاعات الدولية إلى حشد تحالفات واسعة لتضييق الخناق على الطرف المقابل، استطاعت إيران كبح هذا المسار وتطويقه بالاستخدام الأمثل للأدوات الدبلوماسية.
وفي العواصم الأوروبية، نشطت السفارات الإيرانية في مدّ جسور التواصل مع الأوساط السياسية والإعلامية لتقديم صورة واقعية للمشهد، محذّرةً من مغبات انزلاق أوروبا في أتون صراع شامل. إن "دبلوماسية الإقناع" هذه المستندة إلى الحوار وتسخير أطر القانون الدولي، كان لها بالغ الأثر في منع توسع رقعة النزاع؛ ويتجلى ذلك بوضوح في إحجام الدول الغربية عن الانخراط في المخططات المتعلقة بـ "مضيق هرمز"، رغم الضغوط المتصاعدة التي مارستها إدارة ترامب حينها.
وثمة نقطة أخرى جديرة بالالتفات، وهي استمرارية تقديم الخدمات القنصلية في خضم الظروف الحربية؛ فخلافاً لما هو معهود من تعليق أو تقليص للأنشطة القنصلية في الأزمات، أبت السفارات الإيرانية إلا أن تواصل خدماتها للمواطنين دون انقطاع. وقد شمل ذلك إصدار جوازات السفر، وتقديم الاستشارات القانونية، والوقوف إلى جانب الإيرانيين في الحالات الطارئة، ومتابعة شؤونهم بشتى تفاصيلها، لتكون السفارة مأمناً وبيتًا لكل مغترب في أحلك الظروف.
السفارات.. متاريس سياسية في خنادق الذود عن الوطن
لقد غدت السفارات في هذه الحقبة، وبصورة جليّة، بمثابة "المتاريس السياسية" في خطوط الدفاع الأمامية. ففي الوقت الذي تصاعدت فيه الضغوط الخارجية، واستعرت فيه الحملات الإعلامية الرامية لإحداث شرخٍ بين الشعب والقيادة، واجه الدبلوماسيون الإيرانيون في الخارج تحدياتٍ جساماً؛ إذ صُمم بعضها لزعزعة ولائهم ومحاولة فصلهم عن جسد النظام لاستغلال ذلك في أبواق الدعاية المغرضة، غير أن صمود الجسم الدبلوماسي وتماسكه أجهض تلك المخططات في مهدها، وحال دون نيل مآربها.
لقد عكفت السفارات على رسم ملامح الاستقرار السياسي والإداري لإيران، مجتهدةً في إيصال رسالةٍ مدويةٍ إلى العالم: مفادها أن البلاد، رغم الضغوط والتهديدات، تنعم بانسجامٍ داخليٍّ عصيٍّ على الانكسار. وقد لعب هذا التجسيد الواقعي - الذي تم عبر القنوات الرسمية، والمقابلات الإعلامية، والأنشطة الثقافية - دوراً محورياً في تفنيد الدعاية السلبية؛ إذ يُعدُّ إظهار كفاءة الهياكل الحكومية في ذروة الأزمات، سلاحاً فتاكاً في مواجهة "الحرب النفسية".
ومن هنا، يمكن القول إن السفارات الإيرانية قد تجاوزت في هذه المرحلة أطر مهامها التقليدية، ليكون الدبلوماسيون -إلى جانب القوات المسلحة والشعب- الضلع الثالث في معادلة القوة، أو ما نسميه بـ "اقتدار الدبلوماسية". وهذا التآزر والالتحام بين "الميدان" و"الشعب" و"الدبلوماسية"، هو الذي جعل مساعي الأعداء لزرع الفتن والاضطرابات تبوء بفشلٍ ذريع.
إن ما شهدته ساحات الحرب الدبلوماسية يبرهن على أن الدبلوماسية الفاعلة والذكية قادرةٌ على قلب الموازين، حتى حين يبدو ثقل القوة مائلاً لصالح الخصوم. لقد أدركت السفارات الإيرانية هذه الحقيقة، فاستطاعت، عبر المزج بين الأدوات التقليدية والوسائل الحديثة، حماية مصالح البلاد وفرض حضورها المؤثر في المحافل الدولية.
وختاماً، إن تجربة "حرب الأربعين يوماً" قد علمتنا أن مفهوم القوة في عالمنا المعاصر لم يعد حبيس الترسانة العسكرية فحسب، بل إن القدرة على توجيه الرأي العام، وصياغة السرديات، والتفاعل المؤثر مع المجتمع الدولي، لا تقلّ أهميةً عن لغة السلاح. لقد أثبتت سفارات الجمهورية الإسلامية، باضطلاعها بهذا الدور الريادي، أن الدبلوماسية ستظلُّ دوماً أمضى الأدوات في تحقيق الغايات الوطنية ومجابهة التهديدات الدولية.
