الوقت- على وقع الاقتراب من انقضاء مهلة الأسبوعين المحددة لوقف إطلاق النار -ولم يتبقَ منها سوى ثلاثة أيام- بات انعقاد الجولة الثانية من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة يكتنفه الغموض. وفي هذا السياق، صرّح إسماعيل بقائي، المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، يوم الإثنين، بأن طهران لم تتخذ بعد أي قرار بشأن إيفاد وفدها التفاوضي إلى إسلام آباد. وقد أرجعت طهران فتور رغبتها في التفاوض إلى "مطالب واشنطن المبالغ فيها"، وممارستها غير القانونية المتمثّلة في فرض حصارٍ على الموانئ الإيرانية في الخليج الفارسي، وهو ما تعدّه انتهاكاً صارخاً للهدنة.
وفي خضم هذا المشهد المضطرب، يواصل الجانب الباكستاني تكثيف حراكه الدبلوماسي؛ إذ دأب منذ انتهاء الجولة الأولى من مفاوضات إسلام آباد على تذليل العقبات سعياً للتوصل إلى اتفاق يضمن استدامة وقف إطلاق النار. ولم تكن زيارات رئيس الوزراء شهباز شريف إلى المملكة العربية السعودية وتركيا، أو الزيارة المحورية التي أجراها قائد الجيش الباكستاني، عاصم منير، إلى إيران ثم الولايات المتحدة، إلا تجسيداً لهذا الجهد. ورغم الأجواء الضبابية، لا تزال باكستان تتحدث بلغة الأمل عن استمرار مساعيها لتقريب وجهات النظر والجمع بين الفرقاء على طاولة الحوار.
لقد سطع نجم باكستان كـ "وسيط إقليمي بنّاء"، لا سيما بعد النجاح الباهر الذي حققته في انتزاع موافقة طهران وواشنطن على هدنة الأسبوعين في أتون الحرب، وهو ما عزّز مكانتها كطرفٍ يحظى بعلاقات وثيقة مع معظم الأطراف المعنية. واليوم، تبدو إسلام آباد في أعين الفاعلين والمستفيدين من أزمة الخليج الفارسي الراهنة، أكثر قدرةً وتأهيلاً من الوسطاء التقليديين -كعُمان وقطر- على تقريب المسافات وتجسير الهوّة وبناء الثقة.
من هنا، يطرح المشهد سؤالاً جوهرياً: كيف انبثقت باكستان فجأة كلاعبٍ محوري في الوساطة الإقليمية؟ وما هي المصلحة التي تجنيها من تبنّي هذا الدور؟
أولاً: أثر أزمة الطاقة وإغلاق مضيق هرمز على الاقتصاد الباكستاني
تعد باكستان في طليعة الدول المتضررة من إغلاق مضيق هرمز، إذ تعتمد معظم احتياجاتها من النفط والغاز على المورّدين العرب من الدول الخليجية. وعليه، فإن إغلاق المضيق خلال الحرب الأخيرة قد زجّ بباكستان في أتون أزمة حادة من انقطاع التيار الكهربائي. ورغم وعود الحكومة بقصر التقنين على ساعتين أو ثلاث يومياً، فقد تخطّى الأمر ذلك خلال الأسبوع الماضي؛ إذ تعاني البلاد من عجزٍ في الطاقة يصل إلى 4500 ميغاوات في ساعات الذروة، وهي في أمسّ الحاجة إلى أربع شحنات من الغاز الطبيعي المسال (LNG) لتشغيل محطاتها الخمس العملاقة.
وفي ظل ظروفٍ تجعل أي توتر عسكري أو صدام مباشر في الخليج الفارسي تهديداً لأمن الملاحة في المضيق، باتت باكستان تواجه خطر انقطاع شرايين الطاقة الحيوية. لذا، فإن كل مسعى دبلوماسي لحفظ وقف إطلاق النار وضمان تدفق التجارة عبر هذا المضيق الاستراتيجي، إنما هو في جوهره رهنٌ ببقاء باكستان الاقتصادي واستقرارها الداخلي. إن الوساطة بالنسبة لإسلام آباد ليست ترفاً دبلوماسياً، بل ضرورةً قصوى لاتقاء شرّ انهيارٍ طاقوي قد يجرّ البلاد إلى فوضى اجتماعية لا تحمد عقباها.
ثانياً: الهواجس من اتساع رقعة الأزمة وتفشي الاضطراب في الحدود
لطالما صارعت باكستان تحدياتٍ أمنيةً عاتية على حدودها الغربية والشمالية، لا سيما في مواجهة الجماعات الإرهابية والحركات الانفصالية، فضلاً عن حالة عدم الاستقرار التي تضرب أفغانستان. وكما أثبتت تجارب المنطقة المريرة، فإن امتداد نيران الحرب من الخليج الفارسي إلى مناطق أخرى قد يضخّ موجةً جديدةً من الفوضى، والنزوح القسري، وتدفق السلاح والمخدرات إلى الأراضي الباكستانية.
وفي ظل سياسة "بلقنة" الشرق الأوسط -أي تفتيته إلى دويلات متناحرة- والتي برزت ملامحها عبر مشاريع مثل "الشرق الأوسط الكبير" في خطابات مسؤولي واشنطن وتل أبيب، تساور إسلام آباد مخاوف عميقة من تنفيد مثل هذا المشروع الخطير. وبناءً على ذلك، تدرك باكستان تمام الإدراك أنه إذا ما أخفقت مفاوضات إسلام آباد في بلوغ غايتها، وتمدد الصراع إلى نطاق إقليمي شامل، فإن باكستان ستتحول من "لاعبٍ وسيط" إلى "ساحةٍ للأزمات". إن منع تحول الخليج الفارسي إلى أتونٍ مستعر من النيران، هو في حقيقته خط الدفاع الأول عن الأمن القومي الباكستاني على حدوده الغربية.
ثالثاً: تعزيز المكانة الإقليمية والدولية وترميم العلاقات مع واشنطن
بعد سنوات من الجفاء مع واشنطن، ومحاولات مضنية لإيجاد توازنٍ حرج بين مصالح بكين وواشنطن، تجد باكستان اليوم فرصةً استثنائيةً للعودة إلى مسرح السياسة العالمية. إن النجاح في قيادة مفاوضاتٍ بالغة الحساسية بين قوتين مؤثرتين في المنطقة، كفيلٌ بأن ينقل صورة باكستان من دولةٍ مثقلة بالأزمات الداخلية والأمنية إلى "مركزٍ دبلوماسي". كما أن هذا الدور الوسيط يمهّد الطريق لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة؛ وهي علاقةٌ تأمل إسلام آباد أن تثمر عن مكاسب اقتصادية، فضلاً عن تعزيز قدرتها على إدارة التوترات المرتبطة بأفغانستان، ومحاولة إعادة التوازن إلى السياسة الخارجية الأمريكية التي مالت مؤخراً نحو التقارب مع الهند. تسعى باكستان من خلال ذلك إلى إثبات أنها -رغم تحالفها الاستراتيجي مع الصين- لا تزال شريكاً موثوقاً وجسراً يربط بين الشرق والغرب.
رابعاً: التنافس مع الهند في مياه الخليج الفارسي
في معادلات الجيوسياسة بجنوب آسيا، تظل كل خطوة تخطوها إسلام آباد محكومةً بظلال التنافس التاريخي مع نيودلهي. فقد بذلت الهند في السنوات الأخيرة جهوداً حثيثةً لتعزيز نفوذها في الدول الخليجية وتوطيد علاقاتها الاستراتيجية مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. ومن هنا، فإن اضطلاع باكستان بدور الوسيط وترسيخ مكانتها كعنصر استقرار في المنطقة، ليس إلا محاولة لاسترداد حيز نفوذها في السياسة الإقليمية. إن استعراض باكستان لقوتها الناعمة في إدارة أزمات الخليج الفارسي، يأتي رداً على مساعي الهند لاحتكار العلاقات الإقليمية، وطريقاً لإثبات أنها -في الملفات الأمنية والدبلوماسية الحساسة- خصمٌ لا يمكن تجاوزه أو الاستهانة به.
وعلاوةً على ذلك، لا يمكن إغفال الروابط والتحالفات العسكرية والأمنية العريقة التي تجمع باكستان بدول مجلس التعاون، بما في ذلك الاتفاق الدفاعي الجديد مع المملكة العربية السعودية، والذي يمتد ليشمل مظلة حماية نووية. ولعل دروس الماضي، وتحديداً أزمة حرب اليمن (2015-2023) وما صاحبها من استقطاب بين إيران والسعودية كقوتين محوريتين في المنطقة والعالم الإسلامي، قد كشفت بجلاء مدى صعوبة تبني نهجٍ متوازن يضمن لإسلام آباد الحفاظ على علاقات ودية مع كلا الطرفين.
