الوقت – إن حرب الأربعين يوماً بين إيران من جهة، والولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة أخرى، لم تكن مجرد تقابل عسكري؛ بل كانت تدور في إطار سباقٍ على ممرات التجارة والطاقة، الذي تحوّل إلى أحد أهم مجالات الجيوسياسية العالمية.
واليوم، في ظل الوضع الذي أعقب الحرب، يطرح السؤال الأساسي التالي: ما تأثير هذه الحرب على موقع إيران في سباق الممرات الاستراتيجية والطرق التجارية والطاقوية على المستوى الدولي؟
قبل اندلاع الحرب وهجوم واشنطن والكيان الصهيوني، ربما كانت واحدةً من أهم القضايا الجيوسياسية في العالم، خصوصاً في غرب آسيا، هي "حرب الممرات والمضائق".
إن الممرات في الحقيقة مصطلح اقتصادي-جيوسياسي، يشمل الطرق والسكك الحديدية التجارية، مسارات نقل الطاقة، وشبكات الاتصال بين مناطق مختلفة من العالم. ومسألة السيطرة على هذه المسالك، أو إنشاءها أو تعديلها، أصبحت في السنوات الأخيرة واحدةً من أهم القضايا الجيوسياسية.
المضائق تحت ظل الممرات الخاضعة لسيطرة المقاومة
من أبرز الممرات الحالية في المنطقة، مضيق باب المندب، وهو يُعد أحد أهم مسارات نقل الطاقة والبضائع من آسيا إلى أوروبا. وبسبب التوترات التي شهدتها المنطقة في السنة الماضية، وزيادة سيطرة أنصار الله على هذا المضيق، أصبحت مخاطر وتكاليف المرور عبره ترتفع بشكل ملحوظ؛ إذ ارتفعت تكاليف التأمين، وفي الوقت نفسه، يشعر الغرب بقلق شديد إزاء سيطرة محور المقاومة على هذا المضيق الاستراتيجي. لهذا السبب، يسعى الغرب إلى إنشاء مسارات بديلة، ومن بين أحدث الأنشطة التي يمكن تحليلها في هذا الإطار، مشاريع توسيع وتطوير قناة السويس التي تجريها مصر حاليًا.
ومن الملاحظ أيضًا أن حالةً مماثلةً يشهدها مضيق هرمز. فقد أظهرت الجمهورية الإسلامية في الحرب الأخيرة أنها الجهة الفعلية المسيطرة على هذا المضيق، وبالتالي فإن السيطرة المتزامنة على مضيقَي باب المندب وهرمز، يمكن أن تُعتبر تهديدًا محتملاً حقيقيًا للغرب، وهو تهديد كان الغرب قد وضع له خططًا في الماضي. وفي ظل هذه الظروف، تكتسب المشاريع البديلة أهميةً متزايدةً.
من بين هذه المشاريع، "الممر الاقتصادي الهندي – الشرق أوسطي – الأوروبي (IMEC)"، وهو مشروع متعدد الأبعاد يشمل مسارات بحرية وسكك حديدية وطاقة، ويهدف إلى ربط الهند عبر الإمارات والعراق وسوريا وتركيا بالبحر الأبيض المتوسط وأوروبا.
ومن المشاريع الأخرى، "المسار الدولي الشمالي – الجنوبي (INSTC)"، وهو عبارة عن شبكة مسارات متعددة تبدأ من الهند، وتمر عبر إيران ومنطقة القوقاز وروسيا، وتصل إلى أوروبا. ومن ضمن هذا المشروع، يُعد ميناء "تشابهار" ومشروع الاستثمار المشترك بين إيران والهند، جزءًا من هذا المسار.
ومن المسالك الأخرى، "المسار الأوسط"، الذي يُعرف بـ"جسر آسيا وأوروبا"، وتركيا تلعب فيه دورًا محوريًا. يبدأ هذا المسار من الصين، ويمر عبر آسيا الوسطى ومنطقة القوقاز، ويصل إلى تركيا ثم إلى أوروبا.
ومن المشاريع المهمة الأخرى، مبادرة "الحزام والطريق" الصينية (BRI)، وهي شبكة واسعة من المسارات البرية والبحرية تهدف إلى ربط الصين بأوروبا وأفريقيا وبقية مناطق العالم.
حرب رمضان؛ هزيمة خطة عزل إيران فيما يخص الممرات الاستراتيجية
الممرات تمتلك طبيعةً مزدوجةً. فهي من جهة، بحاجة إلى تعاون متعدد الأطراف وإنشاء بنى تحتية مشتركة بين الدول، ومن جهة أخرى، بسبب أهميتها الاستراتيجية في مستقبل الاقتصاد العالمي، تسعى الدول لوضع نفسها في مركز هذه المشاريع، أو منع وجود الدول المنافسة والخصوم فيها. ومن أمثلة هذه المنافسة، المنافسة الحادة بين الهند وباكستان من أجل التعاون مع الصين لاحتلال مركزية مبادرة "حزام واحد وطريق واحد".
وقد باتت إيران في مثل هذه الظروف، على حافة الحرب. فعلى الرغم من أن إيران تمتلك موقعًا جيوسياسيًا محوريًا في العديد من هذه المشاريع، إلا أن الغرب والكيان الصهيوني كانا يحاولان بشدة إبعاد إيران عن هذه المشاريع أو تقليل دورها فيها. وهنا يطرح السؤال التالي: ما تأثير الحرب الأخيرة على موقع إيران في هذه المعادلة؟
لقد تمكنّت إيران من الدفاع عن نفسها لمدة أربعين يومًا أمام الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، دفاعًا معقدًا، وبحسب قول العديد من الخبراء، جعل إيران في موقع اللاعب الفائز في هذا التقابل. ومن أهم العناصر في مسألة الممرات، هو قضية الأمن المستدام. فهذه المسالك تحتاج إلى استثمارات ضخمة، وتعمل كشرايين اقتصادية عالمية. وقطع هذه المسالك، حتى مؤقتًا، أو تهديد تدميرها أو إلحاق الضرر بها، يمكن أن يحمل تبعات واسعة النطاق.
واليوم، تمكنّت إيران بالفعل من امتلاك حصة مهمة في معادلات المسالك. فالموقع الجيوسياسي لإيران، وسيطرتها الفعلية على مضيق هرمز، جعلتها واحدةً من اللاعبين الفاعلين في مسألة المسالك والممرات. وفي الوقت نفسه، عليها أن تبذل جهدًا لطرد ظلال الحرب عن نفسها، وهو ما يظهر في سلوكها الأخير. فبفضل مقاومتها الواسعة ومحاولاتها لتقويض البنية العسكرية والأمنية للولايات المتحدة والكيان الصهيوني، قطعت إيران خطوةً مهمةً في إبعاد تهديد الحرب المباشر عن أراضيها.
ومن النقاط المهمة الأخرى، أن الجمهورية الإسلامية، بفضل أنشطتها الفعالة في ضرب الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة في المنطقة، أظهرت أنها شريك تجاري موثوق، حتى في أسوأ الظروف، أي في ظروف الحرب، قادرة على حماية مصالح الشركاء الاقتصاديين لها.
بالمجمل، يمكن اعتبار الحرب الأخيرة نقطة تحول في معادلات الجيوسياسية للممرات. فعلى الرغم من أن الهدف الرئيسي للولايات المتحدة والكيان الصهيوني كان تقويض الموقع الإقليمي لإيران وتقليل دورها في المشاريع الكبيرة للنقل، إلا أن النتيجة العملية قد تؤدي إلى تعزيز فهم القوة الجيوسياسية لإيران بين اللاعبين الإقليميين والعالميين.
وفي عالمٍ تتصاعد فيه المنافسة على مسارات نقل البضائع والطاقة يومًا بعد يوم، فإن الدولة التي تتمكن من ضمان أمن هذه المسارات، وتستفيد من موقعها الجغرافي كعقدة اتصال بين الشرق والغرب، ستتحول إلى لاعب حاسم. وهذا هو الموقع الذي يمكن لإيران أن تتحرك فيه بشكل أكبر نحو تثبيته في حقبة ما بعد الحرب.
